لقد اجتهد شراح هذا الحديث في ذكر أسماء خلفاء مسلمين ليبلغوا بهم العدد (إثني عشر) فكأنهم بفعلهم هذا قد تعجلوا قيام الساعة، فحين أخبر الحديث بحصول هذا العدد فلا بد أن يكون قد تم ذلك على عهد هذا المصنف أو ذاك أو في عهدنا الحالي!
وهذا تعجل، فالزمن لا يتوقف عندهم ولا عندنا، والأحقاب التي أعقبتهم قد تفرز خلفاء قبل خروج المهدي .. من يستطيع أن يجزم بعدم حصول هذا؟!
واجتهاد هؤلاء العلماء والفضلاء في تحديد الأسماء يذكرني بما فعله كثير ممن كتب في الفرق الإسلامية والملل والنحل حين قسّموا المسلمين في زمانهم إلى ثلاث وسبعين فرقة تمشيًا مع الحديث الوارد بافتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة.
حتى وجدنا من ألف كتابًا باسم "الثلاث وسبعين فرقة" كأبي محمد اليمني (من علماء القرن الرابع الهجري) وحدد الفرق المرادة من الحديث بأسمائها في عصره!
وعلى هذا المنوال سار أغلب المؤلفين سنة وشيعة!
فإذا كانت نظرة هؤلاء صحيحة فقد زاد العدد بعدهم الثلاث والسبعين!
خصوصًا وأنه قد درج الكثيرون منهم على عدّ من ينفرد بقول في مسألة عقدية بأنه صاحب فرقة.
ومنشأ الخطأ في رأيي أمران اثنان:
أولهما: التعجل في معرفة أسماء الفرق الثلاث والسبعين، وكأنّ تلك الفرق لا بد أن تكون في زمن الشارح والمؤلف أو قبل ذلك، دون أن يُعطي المؤلف لنفسه ولو احتمالًا واحدًا أنّ فرقة واحدة من تلك الفرق ستكون بعده بقرون!
[ ٣٧٩ ]
ثانيهما: الاهتمام بعدد الفرق أكثر من المبدأ، فكأنّ شارح الحديث والناظر فيه قد أخذا على نفسيهما عهدًا أن يعرفا أسماء الثلاث والسبعين فرقة المذكورين في الحديث الشريف بدلًا من الاهتمام بمغزى الحديث من ذكر هذا العدد وهو (كثرة التفرق في الأمة ووجود فرقة واحدة ثابتة على إسلام محمد ﵌ النقي بخلاف غيرها ممن تنكب الطريق).
والأمر ذاته يُقال في حديث (الإثني عشر خليفة)، لقد رأينا من تعجل في تحديد الأسماء دون حاجة تدفعه لذلك وهو يقرأ قول النبي ﵊ في صحيح مسلم: (لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
وفي رواية (إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة).
فالحديث واضح في ذكر أنّ فترة خلافة الإثنى عشر ممتدة إلى قيام الساعة، والذي يحصر فترة خلافة الإثني عشر بشخصيات مضت يخالف نص الحديث من حيث لا يشعر.