فانظروا يا ذوي العقول والأبصار، وتدبّروا حال هؤلاء القوم كيف قادهم ركوب الهوى وعشق الباطل وقلّة الحيلة إلى هذه السخافة وحسبك في مذهبهم أن يكون [ق ١١٦ /أ] إمامهم الأنعام والأطفال في المهود، وهكذا يفضح الله ﷿ من عاند الحق واتبع الباطل، وحسبك من عقول لا تقتدي بالأنبياء ولا بالرّسل ولا بأصحابهم ولا بخيار المسلمين من أئمتهم وعلمائهم المتّبعين للقرآن والأحاديث ويقتدي بالإبل والطفل الصغير بئس مذهب القوم ومذهب أوّليهم في نقل هذه الأدلّة وما تتضمّن من الخزي والنكال ما نستغني به عن الردّ عليهم وكفى بقوم خزيا ونكالًا وعمي وضلالًا أنهم استدلّوا بذلك على إباحة الرقص واستماع الغناء وتركوا ما يقال لهم من قول الله عزّ جلّ ومن قول رسول الله ﷺ ومن أقوال الصّحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم ﵃ أجمعين
ولو أن هؤلاء القوم كانوا متبعين للحقّ وناصحين للخلق ويدعونهم إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه لنفوهم من بلد إلى بلد وطردوهم وهجروهم وضربوهم وبغضوهم وكثر أعدائهم ولا يحبّونهم ولا يتّبعونهم لما عليه أهل هذا [ق ١١٦ / ب] الزّمان من خلافهم لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ولخلاف ما في الكتاب والسّنة ولخلافهم لإجماع المسلمين وعلمائهم، وكيف يزعم عاقل يؤمن بالله وبرسوله أنّ هؤلاء القوم من أهل الدّين والصلاح مع مخالفتهم للكتاب والسنة ولمذهب أصحاب الحديث نعوذ بالله من ضلالتهم ومن سوء مذاهبهم ومن قبح أفعالهم، فليحذر امرئ أن يكون لهم أو معهم أو خدنًا لهم، فإنّه قد رُويَتْ فيهم أخبار وآثار وتكلّم العلماء فيهم بما قدر رأيناه وشاهدناه، فالله الله يا معشر المسلمين راقبوا الله ﷿ ّفي أنفسكم وبالغوا في النّصيحة والإشفاق عليها واحذروا مجالس مَنْ يلبس عليكم دينكم ويشكككم في ربّكم ﷿ وهم يتشبّهون بالعلماء وبالعبّاد، وقد اختلفت بهم الأهواء وسيرتهم المذاهب القبيحة والآراء غير الصحيحة، وأخذَت بهم الطرق الخبيثة إلى المهالك، فراغوا من سواء السبيل إلى حدود الضلال، فصاروا زائغين حلوليين وهم من شرار عباد الله ويتشبّهون بالصوفيّة ويظهرون الزهد والتقشف ويدّعون [ق ١١٧ /أ] الشوق والمحبّة بإسقاط الخوف والرّجاء ويزعمون أنّ الله تعالى ﷿ معنا وحالٍ فينا ومباشر بذاته لنا مبتدعة ضلال يحضرون مجالس التغبير ويرقصون ويتلذّذون
[ ٢٥٤ ]
بالنظر إلى من حرّم الله عليهم واستماع ما لا يجوز استماعه، فيطربون ويصفقون ويتغاشون ويتماوتون وأكثرهم قد افتتن بالقتل والولوع بالكبائر
ويزعمون أنّ ذلك من حبّهم لربّهم وشدّة (^١) شوقهم إليه، وإن قلوبهم تشاهده ببصائرها وتراه بتخييلها افتراءً على الله ﷿ ومخالفة لكتابه وسنة نبيّه، و[ما] كان عليه السّلف الأوّل والصالحون من العبّاد، وليس لهم حجّة فيما يدّعون ولا إمام من العلماء فيما يفعلون. يسمعون كتاب الله تعالى من الشيوخ وأهل الديانة ويسمعون أخبار رسول الله ﵇ وكلام الحكماء، فلا تبهش لذلك نفوسهم (^٢)، ولا يظهر منهم بعض ما يظهرون عند استماع الغناء والقصائد والرباعيات ومجالس الأحداث وما قد جعلوه دينًا ومذهبًا وشريعة متبعة، فنعوذ بالله من وحشة من يظهرون وقبح ما يخفون. اعلموا يا إخواني وفقنا الله وإيّاكم للإتباع أنّ الرقص والاستماع [ق ١١٧ / ب] إلى الغناء لهو ولعب من شعائر الصغار لا يشاركهم أحد من الكبار سوى طائفة سفل من الأغمار فتبًّا لقوم اتّبعوا الصغار اللاتي هنّ من الجوار، ولم يتّبعوا نبيّهم وصاحبه في الغار حين أنكر عليهنّ ما يعلمه من النبي المختار، وإنّ ذلك مسمّى بالمزمار، ويدعوا إليه قوم من الجهلة الفجّار الذي من فعل ذلك منهم فهو في عقله كالحمار حين شبع من الشعير، وروي من ماء الأنهار، فانظروا يا أولي العقول والأبصار إلى مذهب هؤلاء الجهلة أخذوا عن الأشرار وتركوا مذاهب الرّجال الذين عندهم صحيح الفكر والأذكار، ومن ترك آثارهم فقد ترك الصحيح من الآثار ودعي حقيقًا من شرار الأنفار ومزقت عنه رداء الوقار وتقرّب إلى الصغار والاحتقار وتباعد عن طريق الرجال الذين صدقوا الله ما عاهدوه وأظهروا إلى مُغنيهم الفاقة والافتقار، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها بعين الاعتبار، وعملوا بصالح الأعمال على موافقة الكتاب والسنة بالتفقه والاختبار ويرث برقصه وما سمع صوت المزمار، واتخذ ذلك دينًا ومعتقدًا وأذهب فيه عمره في مجالسة السّمار، ثم دهمه الموت على غير توبة عندما انقضى أجل الأعمار قد على في بدعته الصوى (^٣)
_________________
(١) بالحاشية: أي حرص.
(٢) أي لا تبين فيه إرادة له.
(٣) الأعلام من الحجارة. انظر مختار الصحاح مادة (ص وى) ..
[ ٢٥٥ ]
والمنار غدًا يجاز عذابًا أليمًا في النار عشيّة ربّنا القادر الجبّار سواء عليه [ق ١١٨ /أ] معذّبًا أجزَع أم كان من أهل الاصطبار وبك أستعين عليهم بأحسن الجواب ومَن ضوّأ قلوب أولياء بمصابيح الأنوار، فإن نصرتني عليهم فأنا المنصور في الإيراد والإصدار (^١) كما قلت ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وأنت صادق القول يا ذا العزة والاقتدار، فإنهم على الخلاف في سائر الخلق بالأطوار وجميع ما هم فيه يؤول إلى البوار إن أقاموا عليه من غير توبة إلى ريب المنون الاستمرار وماتوا ولم يتوبوا أحلّهم جهنّم وبئس القرار، وهذا منتهى قولي في النصيحة لي وللمسلمين والانتصار بما جمعتُه من الصحيح على سبيل الاختصار، وأقول:
على ما هم عليه الفقراء قد منعوا أجفانهم طيب الكرا
قد منعوها الكرا عبادة وفي فنائه الدنيا أطالوا الفكرا
الفقراء قد جعلوا دنياهم ليلًا ويوم الحشر صبحًا مسفرًا
قد قطعوا الليل على أقدامهم حتى قضوا ممّن أحبوا الوطرا
فأصبحوا مستبشرين باللقاء عند الصباح يحمد القوم السّرا
كأنّما الدّنيا كسوق قائم هذا له الربح، وهذا خسرا
الفقراء كنتُ إذا رأيتهم والله ما أشبع منهم نظرًا
واليوم إن أبصرتُ منهم فرقةً فر منهم راجعًا إلى ورا
من دينهم أكل وشرب وغنا بالملاهي (^٢) وقصهم (^٣) مشتهرًا
وكما (^٤) جاعوا وزاد جوعهم تجمعوا ويعملون فاجرا (^٥)
إن غلبوا شخصًا على ثيابه قهرًا [ق ١١٨ / ب] باعوا بما يُشترى
وأكلهم حشيشة تسكرهم وكشفهم عوراتهم لمن يرى
ويخرجون شيخهم بحيلة على كسرات تنال بالقرى
الفقرا ما (^٦) هذه أوصافهم من اقتدى بفعل ذو الكفرا (^٧)
فلا تكن مقتديًا بفعلهم كلًاّ ولا تقرّب منهم فقرا
وكن عليهم منكرًا في النكرا
الفقراء اشتغلوا بدينهم عن الكلام والجدال والمرا
قلوبهم مشغولة بحبّهم والناس في شغل ببيع وشرا
_________________
(١) وفي الحاشية: أي رجوع.
(٢) كذا بالأصل، ولعلها "وبالملاهي"؛ للوزن.
(٣) كذا بالأصل، ولعلها "رقصهم"؛ للمعنى.
(٤) كذا بالأصل والأولى: "وكلما".
(٥) كذا بالأصل والأولى: "فجرا" بضم الفاء وتسكين الجيم لاستقامة الوزن.
(٦) كذا بالأصل ونرى أنها زائدة.
(٧) كذا بالأصل والصواب أن يقول: (بفعل ذوي البلى كفرا).
[ ٢٥٦ ]
حدّثنا مسعود بن النصر المنيحي خادم الشيخ يعقوب الخرّاط رحمهما الله قال: كان الشيخ يعقوب ﵀ ينكر على الفقراء والمشايخ من أهل السماع والرقص ويبغضهم ويشنأ (^١) الجلوس إليهم وقال: احذر إن عشت بعدي أن تدخل عليهم فتهلك، قال: وكان الشيخ يعقوب يومًا جالسًا يذكر أهل السماع والرقص بذكر صفاتهم المذمومة في جماعة، فقال واحد منهم: يا سيّدي اترك هذا القبيل فما هم بشيء يرجعون عن هذا الفعل الذي يفعلونه قال الشيخ: صدقت ما لعود عن تلك إلا بعد اللتي واللتيا.
قال: ورأى الشيخ يعقوب ﵀ في المنام في تلك الليلة كأنّه يتمشي في المرمنى عند باب العرق (^٢) قال: بينما أنا أتمشّى وإذا برجل قد أمسك بيدي وقال لي: عزمتَ على ترك مذمّة أهل السماع فلا تترك مذمتهم [ق ١١٩ /أ] فقلت: من أنت وفقك الله؟ فقال: أما تعرفني! أنا أحمد بن حنبل، فجعلت أطيل النظر إلى وجهه، فقال: دع عنك النظر إلى وجهي واسمع منّي ما أقول لك، فقلت: ما تقول إلا خيرًا، فأخذ بيدي ومشى في خطوات فأوقفني على باب دار مشرع، فقال لي: ادخل أبصر مَنْ في هذه الدار، قلت: من في هذه الدار حتى أدخل عليهم، فقال: هم الذين كنتَ تذمّهم ادخل فأبصر صفاتهم وما هم عليه من النجس والإدبار، فتركتُه على الباب ودخلت عليهم فوجدت خلقًا منعصب بعضهم في بعض وبينهم تخت عالٍ وعليه امرأة وإلى جانبيها رجلين رجل عن يمينها ورجل عن شمالها، فلمًا رأتني المرأة قامت لي من دون الجمع كلّهم وقالت: إليّ عندي بعث، فقلتُ: أتعلمين من بعثني؟ قالت: نعم الإمام أحمد وهو على الباب والمرأة هي الدّنيا، ثم أشارت بيدها إلى الجمع وقالت شعرًا:
أما تراهم لديّا وعاكفين عليَّا
دعوتهم فاستجابوا مسارعين إليَّا
والكل مقرّ بحبّي في جهره وخفيا
مولعًا في هوانا محبّة أي حفيا
أعمى أصم بحبّي عن دينه مكتفيًا
خلفًا أضاعوا فروضًا كلفن من كان حيًّا
أباع الدين بخسًا باللهو لا مستحيا
وقد أجابوا هواها مستصرخًا ووحيا
واستحسنوا فعل قوم اغترّوا بكأس الحميا
_________________
(١) أي يكره ويبعض.
(٢) كذا بالأصل، ولعلها: العراق، والله أعلم.
[ ٢٥٧ ]
قال: [ق ١١٩ / ب] ثم دفعت بكتفي وقالت: أخرج ما شئت أي قل في سبّهم ما شئت ولا تترك مذمتهم، قال مسعود: وبعد هذا أنشد الشيخ يعقوب الخراط رحمهما الله في ذمّ أهل الرقص والسماع وفي قبح أفعالهم من البدعة والمزدقة (^١) أكثر من ثلاثمائة بيت وآخر ما قال فيهم:
يا من أصاغ يسمع لما أقول وعيا
فيما أذمّ لقوم ضلالهم مسقيا
لولا أغار عليهم قد كنت عن ذا غنيا
ما جئت بدعا بقولي كلا ولا مفتريا
وأنفقت مالك فيه والمذهب الحنفيا
ثم الإمام محم مدٍ الشافعيا
ثم الإمام بأحـ مد الحنبليا
أئمة الدين فينا كلّ بهم مقتديا
وبإتباع هداهم يهدي بنا المهتد يا
في ديننا كلّ بصرّونا ما يقتدي المقتديا
تلك الأئمة والوا محمدًا الهاشميا
حاشاهم ثم حاشا من حائد ووهيا
ألا قل شيخك قولًا نصوحًا وحق النصيحة أن تستمع
أجبني بفضلك عما أقول فذا الحق ليس له مندفع
أهل يأكل العبد أكل البعير ويرقص في الجمع حتى يقع
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
كذلك البهائم إذا أخصَبَتْ يُنَفِّرها رِيها والشَّبَعْ
وقد زعموا أنّه قربة فبال الرجال لهذا الخدع
وقد جعلوا شيخهم قبلة وكلّ له ساجد قد ركع
ركوع سجود له والطبيخ وكلهم في [ق ١٢٠ /أ] خشوع خضع
وقد رقصوا في بيوت الآله فإنا إلى الله ما نرتجع
تهان مساجدنا بالغنا وتكرم عن مثل هذا البيع
متى سمع الناس أن الغنا على دينهم سنة تتّبع
وما شرع الرقص للناسكين نبيّك أحمد فيما شرع
ولا كان من قبل للصالحين بيوم على طرب مجتمع
ولكن على سنة تستفاد وإيضاح علم به ينتفع
ولو كان طاوي الحشا جائعًا لما دار من طرب واستمع
_________________
(١) والمزدقة؛ نسبة إلى فرقة المزدقية، قال ابن حزم في "الفصل" (١/ ٣٦): "المزدقية وهم أَصْحَاب مزدق الموبذ وهم القائلون بالمساواة فِي المكاسب وَالنِّسَاء".
[ ٢٥٨ ]
وقد تقدم الرّدّ عليهم بإباحة الغناء والاستماع إليه بحديث عائشة ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ من جوار الأنصار تغنّيان. الحديث (^١)، والكلام عليه في ذكر رسالة أرسلتُها إلى قاضي حماه ولله الحمد والمنّة، ألا فهذا ما ذكرناه على الاختصار دون الإكثار وحذفت الأسانيد عدولًا عن الإكثار للآثار ليسهل على من قرأه ولا يملّ من استمع إليه ووعاه. واستمعوا الآن رحمنا الله وإيّاكم فصلًا ثانيًا في جواب سائل آخر يسأل (^٢) فيمن يستمع الغناء والشبابة والدفّ ويتواجد حتى أنه يرقص هل يحلّ ذلك أم لا مع اعتقاد أنه محبّ لله ﷿، وأن سماعه ورقصه وتواجده في الله تعالى وهل يحلّ استماع الشعر بالألحان في الأماكن الشريفة مثل المساجد وغيرها، فجوابه أن يقال [ق ١٢٠ / ب] له: هذا كلّه من الحوادث والبدع وأنّ فاعل هذا إن رآه حقًا (^٣) فهو كافر حكمه حكم المرتد وإن رآه باطلًا فهو فاسق (^٤)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) وقد وجه هذا السؤال لموفق الدين أبي محمد ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ وقد نقله المؤلف هنا ولم ينسبه مع بعض التصرف، وقد سبق وأن نقل المؤلف من هذا الجواب الكلام على التغبير. وقد وقفت على نسخة من جواب ابن قدامة مكونة من أربع ورقات في كل ورقة ٢٤ سطر بمقاس ٣١ × ٢١ سم وهي نسخة جيدة حديثة نسخت في تاريخ ١٣٦٠، وخطها نسخ حسن كتبها سليمان بن محمد بن علي المولود بمكة المكرمة عام ١٣٢٣ هـ، وهي ضمن مخطوطات مكتبة جامعة الرياض تحت رقم ٥٨٤.
(٣) أي اعتقده حلالا يتقرب به إلى الله تعالى بعد إقامة الحجة عليه.
(٤) وهذا التفصيل لم يذكره ابن قدامه في جوابه بل صدر جوابه بقوله: (فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول ومقتضي هذا أنه لا تقبل روايته لحديث رسول الله ) ..
[ ٢٥٩ ]
مخطئ عاص لله ﷿ مخالف لأمره ساقط المروءة مردود العدالة والشهادة في الشرع غير مقبول [القول] ومقتضى هذا أنه لا يقبل روايته لحديث رسول [الله] ولا شهادته برؤية هلال شهر رمضان ولا أخباره الدينية، وأمّا اعتقاده محبّة الله ﷿ فإنه لا يمكن أن يكون محبًا لله سبحانه مطيعًا له، وهذا اعتقاده وفعله؛ لأنّ هذا معصية ولعب ذَمَّة الله ﷿ ورسول الله ﵇ وكرهه [أهل] العلم وسمّوه بدعة ونهوا عن فعله ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه ولا يطاع بارتكاب مناهيه ومن جعل وسيلته إلى الله تعالى معصيته كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتّخذ اللهو واللّعب دينًا وطاعة كان كافر كفرا يخرج به عن الإسلام، ويكن موصلًا إليه الكفر والحديث ووجب أن يكون من شرّ الأمور؛ لأن النبيّ ﵇ قال: "خير الهدي هدي محمد وشرّ الأمور محدثاتها" (^١)، وهذا منها بلا خلاف منّا، وقال النبي ﵇: "كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار" (^٢)، وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي [ق ١٢١ /أ] رحمة الله عليه ورضي الله عنه من تكلّم بكلام في الدّين وفي شيء من هذه الأحوال ليس له فيه إمام متقدّم من النبي ﵇ وأصحابه رضوان الله عليهم، فقد أحدث في الإسلام حدثًا وقال النبي ﷺ: "من أحد حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (^٣)، وفي صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "ولعن الله من آوى محدثًا" (^٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢/ ٥٩٢) (٨٦٧) من حديث جابر ﵁ مطولا به.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه ..
[ ٢٦٠ ]
ومعلوم عند ذوي العقول والبصائر أنّ من أحدث حدثًا أو ابتدع بدعة أنه أكبر جرمًا، وألعن وأضلّ ممّن آوى محدثًا وما سأل هذا السائل عنه حدث وبدعة عند أئمة الإسلام وعلمائهم، وأما تفصيل هذه المسموعات من الدّفوف والغناء والشبابات وسماع كلّ واحد منها بمفرده وغيرها من الرقص والبطالات لعب ولهو كلّها من المكروهات إن لم تكن من المحرمات والمحظورات، فمن جعلها دأبة واشتهر بفعلها في الجماعات أو أسماعها أو قصدها في مواضعها وقُصِد من أجلها فهو ساقط المروءة لا تقبل شهادته لا يعدّ من أهل العدالة، وأمّا فعله في المساجد فلا يجوز، فإن المساجد لم تبن لهذا ويجب صونها عما هو أدنى منه، فكيف [ق ١٢١ / ب] بهذا الذي هو شعائر الفسّاق ومنبت النفاق وبالجملة إنّ رخّص في الشيء ممّا سأل هذا السائل اللاعب يعتقد لعبًا ولهوًا، فأمّا من يجعله دينًا أو طاعة أو يجعل استماع شيء منها أو فعل شيء منها قربة وطريقًا إلى الله تعالى فلا يكاد يوصله ذلك إلا إلى الشرك بالله ﷿ وإلى الكفر بعد الإيمان وإلى سخط الرحمن، وقد سبق القول بتحريم جميع ما سأل هذا السائل في أوّل كتابنا هذا وربّما انضم إلي ذلك من أدام النظر إلى المحرّمات النّساء أو إلى غلام جميل سلبه دينه ويفتن قلبه، ويخالف ربّه ﷿ في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] دليلًا على تسمّحه في المخالفة لقوله ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ولم يكن ذلك أزكى لهم ومن ابتلى بمخالفة أوّل الآية فليبادر إلى العمل بآخرها ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقد قال بعض التابعين: "ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضار أكثر من الغلام يقعد إليه" (^١)
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٩٧) (١٣٣)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٢٨٥) (٥٠١٣) عيسى بن عبد الله، قال: أخبرنا بقية، قال: قال بعض التابعين فذكره، وفيه بقية مدلس ولم يصرح بالتحديث كما أنه أبهم شيخه ..
[ ٢٦١ ]
وقال أبو سهل: "سيكون في هذه الأمّة قوم يقال لهم اللّوطية على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يذكرون، وصنف يعملون ذلك العمل" (^١). وعن الحسن بن ذكوان [ق ١٢٢ /أ] أنّه قال: "لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإنّ لهم صورًا كصور النساء وهم أشدّ فتنة من العذارى" (^٢)،
_________________
(١) ضعيف - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٩٨) (١٣٥)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٢٨٧) (٥٠١٩) عن الحسن بن يوسف، قال: حدثنا بقية، قال: أخبرني عبيد الله بن الوليد بن أبى السائب، عن أبى سهل بنحوه، وإسناده ضعيف فيه بقية يدلس ويسوي ولم يصرح بالتحديث حتى نهاية السند، وشيخه لم أعرفه، وروى مرفوعا بنحوه عند الديلمي في "مسند الفردوس" فذكر ابن حجر في "الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس" من طريق أبي بكر المغراء، أخبرنا عبد الرحمن بن علي بن عبد الله بن حماد الصائغ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن تركان، حدثنا أبو الحجنا، حدثنا محمد بن جعفر بن علي الخوارزمي، حدثنا الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: " سيكون في آخر الزمان أقوام يقال لهم اللوطية على ثلاثة أصناف، فصنف ينظرون ويتكلمون، وصنف يصافحون ويعانقون، وصنف يعملون ذلك العمل، فلعنة الله عليهم، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه ". وقال ابن حجر في "اللسان" في ترجمة الخوارزمي: " روى عنه أبو الحجنا محمد بن الحسين بن علي عشرة أجزاء كلها مناكير وموضوعات بأسانيد صحيحة. أفحش القول فيه علي بن محمد الميداني الحافظ وقال: كان يضع الحديث ويركب على الأئمة".
(٢) إسناده ضعيف جدا - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٩٩) (١٣٩)، وعنه البيهقي في "الشعب" (٧/ ٢٨٥) (٥٠١٤) من طريق محمد والد ابن أبي الدنيا وسويد عن إبراهيم بن هراسة، عن عثمان بن صالح، عن الحسن بن ذكوان به، وفيه إبراهيم بن هراسة قال البخاري: تركوه، تكلم فيه أبو عُبَيد، وَغيره، وقال النَّسَائي: متروك، وقال أبو زرعة يقول: شيخ كوفي وليس بقوي، وسمعت أبي يقول: ضعيف متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان من العباد غلب عليه التقشف فأغضى عن تعاهد الحفظ حتى صار كأنه يكذب .. وروى مرفوعا بنحوه عند الديلمي في "مسند الفردوس" فذكره ابن حجر في "الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس" من طريق أبي بكر بن لال، حدثنا محمد بن علي الكرخي، حدثنا محمد بن عمير بن هشام، حدثنا الحسن بن جرير الصوري، عن عمر بن عمرو الكوفي، حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رفعه، قال ابن العراق في " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" (٢/ ٢١٤): "قال ابن عدي والبيهقي في سننه هذا موضوع وقال الذهبي في الميزان هو من بلايا عمر بن عمرو الطحان (خط) من حديث أنس بلفظ: "لا تجالسوا أبناء الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق" وفيه عمرو بن الأزهر (قلت) نعم أخرجه البيهقي في الشعب عن الحسن بن ذكوان قوله. وكأن أحد من ذكر رفعه وكتب له إسنادا والله أعلم". وقد علمت أنه لم يصح من قول ابن ذكوان أيضا.
[ ٢٦٢ ]
ولا ينبغي لأحد أن يغتر بنفسه ولا يثق إلى ما يظنّ منها من صلابة دينه وقوّة إيمانه، فإنّ من خالف حدود الله تعالى ونظر إلى ما منعه الشرع من النظر إليه نُزعت منه العصمة ووكّل إلى نفسه وكيف يغتر عاقل بذلك وقد علم ما ابتلي به داود نبيّ الله وهو أعبد البشر من أهل زمانه ونبيّ من أنبياء الله تعالى يأتيه خبر السّماء وتختلف إليه الملائكة بالوحي، ومع ذلك وقع في الذنب بسبب نظرة نظرها (^١) وبعض عباد بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين عامًا، ثم نظر إلى امرأة فافتتن بها وبرصيص العابد كان هلاكه بسبب النظر والنبي ﵇ لعليّ ﵁ "لا تتّبع النظرةَ النظرة، فإنّما الأولى [لك] وليس لك الثانية" (^٢)، وهو من سادات هذه الأمة ومحلّه من الدين والعلم والمعرفة بالله تعالى وبحقّه وبحدوده وحرماته بمكان، فمن أنت أيّها المغرور الجاهل بنفسه انظر أين أنت من هؤلاء المذكورين، وقد روى أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "ما تركتُ فتنةً بعدي أضرّ على الرجال من النساء" (^٣) [ق ١٢٢ / ب] وقد جاء في الأثر: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس" (^٤)
_________________
(١) يذكر المفسرون نحو هذه القصص عند قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) الآيات، وقال ابن كثير: " قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب إتباعه ".
(٢) حسن لغيره - أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٤٦٤) (٢٧٥١)، والدارمي في "سننه" (٣/ ١٧٧٩) (٢٧٥١)، وغيرهما من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبي الطفيل، عن علي ﵁ به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وللحديث شاهد من حديث بريدة عند أحمد وأبي داود يتقوى به.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧/ ٨) (٥٠٩٦)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ٢٠٩٧) (٢٧٤٠) من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد ﵁ به.
(٤) ضعيف جدا ورد مطولا بنحوه عن جماعة من الصحابة: فورد عن ابن عمر عند أبي نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠١) بسند فيه أبو مهدي سعيد بن سنان، قال عنه في "التقريب": " متروك، ورماه الدارقطنى وغيره بالوضع" .. ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ١٩٦) (٢٩٣) من طريق أبي حمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي، أبنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا إبراهيم، يعني ابن سليمان، ثنا أرطاة بن حبيب، ثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر مطولا بنحوه، وفيه إبراهيم بن سليمان ضعفه الدرقطني، وهشيم مدلس وقد عنعنه، وفيه أيضا عبدالرحمن بن إسحاق وهو الواسطي قال عنه الذهبي في "الكاشف" ك "ضعفوه"، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف". وورد من حديث حذيفة: فروى الخرائطي في "اعتلال القلوب" (ص/١٣٧) (٢٧٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٤٩) (٧٨٧٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ١٩٥) (٢٩٢) من طريق إسحاق بن عبدالواحد عن هشيم بنفس الإسناد السابق إلا أنه قال عن صلة عن حذيفة، وإسحاق بن عبد الواحد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه أبو على الحافظ النيسابورى: متروك الحديث. وقال الخطيب - بعد أن روى من طريق عبد الرحمن بن أحمد الموصلى عنه عن مالك خبرا باطلا ـ: الحمل فيه على عبد الرحمن، وإسحاق بن عبد الواحد لا بأس به. وقال صاحب " الميزان ": بل هو واه. وفيه أيضا عنعنة هشيم وضعف الواسطي كما سبق. وورد من حديث ابن مسعود فروى الطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٧٣) (١٠٣٦٢) من طريق أحمد بن زهير التستري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود مطولا بنحوه، ومداره على عبدالرحمن بن إسحاق الواسطي أيضا. وورد أيضا من حديث أنس عند ابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص/٩١) بسند فيه عبدالعزيز بن عبدالرحمن الجزري قال أحمد اضرب على احاديثه فإنها كذب أو قال موضوعه وقال النسائي ليس بثقة وقال الدارقطني منكر الحديث. وورد من حديث علي عند الخرائطي في "إعتلال القلوب" (ص/١٣٧) (٢٧٤) ومن طريقه ابن بشران في "أماليه" (ص/٣٣) (٢٤) بسند فيه عنبسة بن عبدالرحمن القرشي قال عنه الذهبي في "الكاشف": "قال البخاري: "تركوه". وقال ابن حجر: "متروك رماه أبو حاتم بالوضع". وعليه فالنفس لا تطمئن إلى نسبة هذا القول للنبي ﷺ.
[ ٢٦٣ ]
وقال النبي ﷺ: "العينان تزنيان"، قلت: وزناهما النظرة" (^١)، "وقال الفضل بن عياض رحمة الله عليه: "الغناء رقية الزنا" (^٢)، فإذا اجتمعت رقية الزنا وداعيته ورائده فقد كملت أسبابه. عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنّه قال: بلغني عن الثقات من حملة العلم وقد تقدم الحديث بطوله، فمن أراد النجاة غدًا والمصاحبة لأئمة الهدى والسلامةَ من طرق الردى والخلاص من أيدي العدا والخلود في النعيم الدائم أبدًا فعليه بكتاب الله ﷿ متّبعًا ما فيه رشدًا وليعمل بما فيه متّبعًا لرسوله ﷺ وصحابته، ولينظر ما كانوا عليه ولا تكن عنه من اعتدى من قولهم وفعلهم (^٣)، وليجعل عبادته واجتهاده على سننهم وسلوكهم في طريقهم فيما فرغ منه من كلّ عمل صالح وما فيه من الأعمال ابتدأ ولتكنّ همّته في اللّحاق بهم، فإن طريقهم الصراط المستقيم لمن اهتدى الذي علّمنا الله ﷿ سؤاله وجعل صحّة صلاتنا موقوفة على الدعاء به، فسحقًا (^٤) لمن كان عنه من البعد، فقال ﷿ في فاتحة كتابه [ق ١٢٣ /أ] إلينا ليلهمنا الهدى، ومن لم يترك الإنسان سُدى قوله ﷿: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. وأقول شعرا (^٥):
_________________
(١) هذا الحديث له ألفاظ كثيرة، وأقرب الألفاظ لما ذكره الماتن ما رواه أحمد في "مسنده" (١٤/ ٢١٠) (٨٥٢٦) من طريق عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «لكل بني آدم حظ من الزنا، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه»، وأصل الحديث في صحيح البخاري (٨/ ٥٤) (٦٢٤٣)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٦٤) (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة بنحوه.
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٥٥) (٥٥) من قول الفضيل، قال محققه: "فيه الحسين بن عبدالرحمن الجرجرائي وهو مجهول الحال".
(٣) كذا بالأصل، وهي في فتيا ابن قدامة بلفظ: "فلا يعدوه بقول ولا فعل".
(٤) وبالحاشية: "أي بعد".
(٥) وهذا وتاليه مقحم في الفتوى وليس من نظم ابن قدامة.
[ ٢٦٤ ]
(^١) من كان يرغب في النجاة فما له غير إتباع الهاشمي المُنْتَجَب (^٢)
مختار ربّ العرش ثم صحابة ومن أتبعهم قاصدًا كسب
تابعا ومتابعًا تباعهم فهم الهداة بديننا عند النجب
فاتّبع كتاب الله والسنن التي صحّت عن المختار واجعلها السبب
ذاك الصراط المستقيم وغيره سُبل تؤدّي للضلالة والتبب (^٣)
ودع المرا ثم الجدال بديننا بالكيف أو كم إذ هما باب العطب
فالدّين ما قال النبي المصطفى وصحابه وسواه للنّار الحطب
فاتبع لما قال الهداة لنهتدي بالاقتدا من ساجد فيما اقترب
واعمل على حكم الذي عملوا به وعن المخالف أمرهم ممّن هرب
_________________
(١) بالأصل زيادة كلمة: "يستحب" قبل بدابة هذه القطعة، والأقرب أنها مقحمة في النص.
(٢) أي المختار.
(٣) أي الخسارة الهلاك.
[ ٢٦٥ ]
فمن شك أن البنيّ ﵇ كان على (^١) الصراط المستقيم فقد مرق من الدّين وفارق فريق المهتدين وخرج من جملة المسلمين وانتظم في عدّة المجرمين، ومن علم ذلك وصدّق به ورضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﵇ نبينا، وعلم أنّ الله ﷿ قد أمر بإتباع رسوله ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [ق ١٢٣ / ب] [الأعراف: ١٥٨]، وغير ذلك من الآيات وقول النبي ﵇: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدث بدعة وكلّ بدعة ضلالة" (^٢)، وقوله ﵇: "خير الهدي هدي محمد وشرّ الأمور محدثاتها" (^٣) فما باله يلتفت عن طريقه يمينًا وشمالًا، وينصرف عنها حالًا فحالًا ويطلب الوصول إلى الله ﷿ من سواها ويبتغي رضاه فيما عداها عن استواءها أتراه يجده أهدى منها سبيلًا ويتّبع خيرًا من رسول الله ﵇ دليلًا، كلَاّ لن يجد سوى سبيل الله ﷿ إلا سبيل الشيطان ولن يصل من غيرها إلا إلى سخط الله القوي السلطان، قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، قال بعض العلماء: وروي عن النبي ﵇ أنّه خطّ خطًا مستقيمًا فقال: "هذا سبيل الله ﷿" وخطّ من ورائه خطوطًا فقال: "هذه سبل الشيطان على كلّ سبيل شيطان يدعوا إليه، فمن أجابهم قذفوه في النار" (^٤)
_________________
(١) بالأصل: "كان على غير".
(٢) سبق تخريجه.
(٣) طرف من حديث جابر في خطبة الحاجة، وقد سبق تخريجه.
(٤) حسن - أخرجه الطيالسي في "مسنده" (ص/١٩٧) (٢٤١)، وأحمد في "مسنده" (٧/ ٢٠٧) (٤١٤٢)، والدارمي في "سننه" (١/ ٢٨٥) (٢٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٩٥) (١١٠٩)، وغيرهم من طريق حماد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود بنحوه، وإسناده حسن من أجل ابن أبي النجود ..
[ ٢٦٦ ]
أو كما جاء [ق ١٢٤ /أ] الخبر فأخبر أنّ ما نسوي سبيل الله ﷿ سبيل الشيطان من سلكها قذف في النار وسبيل الله تعالى هي التي عليها رسول الله ﵇ وأوليائه والسابقون الأوّلون واتبعهم فيها التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدّين ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فمن سلكها سعد، ومن تركها بعد، وطريق رسول الله ﵇ وسنّته وأخلاقه وسيرته وما كان عليه في عبادته وأحواله مشهور بين أهل العلم ظاهر لمن [أحب] الاقتداء به واتّباعه وسلوك منهجه والحقّ الواضح لمن أراد الله هدايته وسلامته، و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وأقول شعرا (^١):
ترك التكلّف في التصوف واجب ومن المحال تكلّف الفقراء
قوم إذا جنّ الظلام رأيتهم يتركعون تركع القراء
فالوجد منهم في الوجوه محله ثم السّماع يحلّ في الأعضاء
لا يرفعون بذلك صوتًا مجهّرًا يتجنّبون مواقع الأهواء
ويواصلون الدهر صومًا دائمًا في حالة [ق ١٢٤ / ب] السراء والضراء
أو تراهم بين الأنام إذا أتوا مثل النجوم الزهراء في الظلماء
صدّقت عزائمهم وعز مرامهم وعنت بهم همم على الجوزاء
صدّقوا الإله حقيقة وعزيمة ورَعوا حقوق الله في الآناء
والرقص نقص عندهم وسفاهة ثم القضيب بغير ما إخفاء
هذا شعار الصالحين ومن مضى من سادة الزهاد والعلماء
وإذا رأيت مخالفًا لفعالهم فأنكر عليه بمعظم الإغواء
_________________
(١) هذه الأبيات أنشدها لنفسه أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ.
[ ٢٦٧ ]
ثبتنا الله وإيّاكم على صراطه المستقيم، وحمانا وإياكم من أهوال اليوم العقيم، وجعلنا وإيّاكم ممّن يبشرهم ربّهم برحمة منه ورضوان وجنّات لهم [فيها] نعيم مقيم خالدين فيها أبد إن الله عنده أجر عظيم. فيا أيها الآدمي المسكين المخلوق لأمر عظيم وخطب جليل جسيم الذي خلفت من أجله الجحيم وجنات النعيم إذا أنت أصغيت إلى الملاهي بسمعك، ونظرت إلى محارم الله ﷿ ببصرك، وجمعك ورضيت لنفسك برقصك ونقصك (^١) وأذهبت أوقاتك العزيزة التقية في هذه الأحوال الدنية الخسيسة، وضيّعت عمرك الذي ليس [له] قيمة في هذه الخصال الحقيرة الذميمة وشغلتَ [ق ١٢٥ / أ] بدنك المخلوق للعبادة بما نهى الله ﷿ عنه عادة وجلست مجالس البطالين، وعملت أعمال الفاسقين الجاهلين وسوف نرى إذا كشف الغطاء ونزل القضاء ماذا يحلّ بك من الندم حين ترى منازل السابقين وأجور العاملين وأنت مع الخالفين المفرطين معدود من جملة المبطلين الغافلين قد زل بك القدم ونزل بك الألم واشتد بك الندم، فيومئذ لا ُيرحم من بكى ولا يُسمع من شكى ولا يُقال من ندم ولا ينجو من عذاب الله ﷿ إلا من رحم، أيقظنا الله وإياكم من شدة الغفلة (^٢) واستعملنا وإيّاكم بطاعته في أيام المهلة، وسلك بنا وبكم إلى جنته الطريق المسهلة وبصر كلا منا ومنكم بما عليه وله بمنّة وكرامه. ألا فهذه أما نقلناه من كتاب الله ﷿ ومن سنة رسوله ﷺ ومن أقاويل الصّحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء العارفين المحققين المرضيين وعبادهم الذين هم أئمة الدين وهداة الإسلام المهتدين ونصحتكم جهدي فمن قيل فحظّه أصاب، وفي ردّ نصيحتي فحظّه أخطأ فجار، والموعد بيننا [ق ١٢٥ / ب] يوم المآب، يوم يجمع الله الخلق للعرض والحساب. [ولو ذكرنا كل] ما ورد في أخلاق الأولياء والصّالحين من العلماء والعباد والمشايخ والفقراء وكلامهم وسيرهم وآدابهم وذكر عباداتهم وحفظ أوقاتهم خلافًا لأخلاق المشايخ والفقراء من أهل زماننا وخلافًا لسيرتهم وآدابهم لطال ذلك على النّاظر وقصرت الهمة عن ذلك والله أعلم.،
تمت الكتابة بحمد الله وعونه وحسن توفيه، الحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل سنة مائة وألف.
تم
_________________
(١) بالأصل: من رقصك بنقصك.
(٢) انتهى النقل عن فتيا ابن قدامة.
[ ٢٦٨ ]