إن الجذور التاريخية لنقد الكتاب المقدس، تمتد التي عمق الزمن، حيث مدرسة الاسكندرية الفلسفية، التي دخلت في صراع فكرى مع اليهود، حول العلاقة بين العقل والنقل، وأيهما يسبق الآخر (١).
وعندما تتبعت هذه المسيرة في مؤلفات علماء المسلمين، وجدت الفضل فيها أولا، يرجع إلى علماء الغرب، في القرن التاسع الميلادي، حيث بدأ نقد العهد القديم، على يد المؤلف اليهودي "حيوي البلخي"، وقد ظهرت بعده مؤلفات متفرقة هنا وهناك (٢).
ثم نشطت حركة النقد ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، وقام القسيس الفرنسى" ريتشارد سيمون" ووضع كتابًا موجها التي "اسبينوزا" (٣) نقد فيه الكتاب المقدس نقدًا عنيفًا، ثم قدم اسبينوزا نقده الشامل في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، وفي القرن الثامن عشر، حمل لواء النقد فولتير (٤).
وبعد هذه الفترة، توالى علماء الغرب في نقد الكتاب المقدس، حيث أخضعوه للدراسات النقدية، وتوالت العصور ودام الصراع بين الكنيسة والمحتجين عليها الخارجين على أحكامها، وكثرت المؤلفات النقدية الغربية للكتاب المقدس.
_________________
(١) انظر: النصوص المقدسة في الأديان الثلاثة: د/ سيد عبد التواب، ص ٢٠٩، ط/ دار الطباعة المحمدية، ١٩٨٢ م.
(٢) انظر: اليهود واليهودية والصهيونية، د/ عبد الوهاب المسيري، ٥/ ١٠١ - ١٠٢، ط/ دار الشروق، ١٩٦٨ م.
(٣) هو: فيلسوف هولندي، ولد سنة ١٦٣٢ م طردته الجالية اليهودية بأمستردام من مجمع اليهود، من مؤلفاته البحث اللاهوتي السياسى، ت ١٦٧٧ م، (انظر الموسوعة الفلسفية، م روزينتال، ي يودين، ت سمير كرم، ص ٢٤٢، ط / دار الطليعة بيروت، ط / ٢، ١٩٨٠ م).
(٤) فولتير: كاتب فرنسى، وفيلسوف ومؤرخ، أحد زعماء حركة التنوير الفرنسية، تعلم في الكلية اليسوعية، ولد سنة ١٦٩٤ م، وتوفي سنة ١٧٧٨ م، (انظر: المرجع السابق، ص ٣٥٧ - ٣٥٨).
[ ١٢ ]
هذا .. وفي أثناء هذه الحركة النقدية، وبعد أن جاء الإِسلام، وعرف المسلمون كيف حرف اليهود والنصارى، ما بين أيديهم من كتب، عن طريق ما ورد في القرآن الكريم، حيث يخبر رب العزة سبحانه وتعالي عن وجود التحريف في التوراة والإنجيل في آيات كثيرة، منها: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وفتح باب الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب، وكان للجدل المديني أهميته القصوى في العلاقة بينهم، وذلك من أجل مد جذور التواصل لطريق الهداية إلى الإِسلام، وقد وضعت الأسس الإِسلامية لهذا الجدال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
فلما جاء عصر التدوين، في منتصف القرن الثاني الهجري، وبدأ المسلمون يكتبون في الفقه والتفسير والحديث، واليهودية والنصرانية (٤) وغير ذلك، نشطت الحركة النقدية بعد ذلك على يد عمالقة الفكر الإِسلامى، وكثرت المؤلفات التي تهتم بدراسة الكتاب المقدس، من هذه المؤلفات:
١ - الرد على النصارى لأبي عثمان الجاحظ، ت ٢٥٥ هـ.
٢ - كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي، ت ٣٣٣ هـ.
٣ - رسالة الحسن بن أيوب، ت ٣٧٨ هـ.
٤ - التمهيد للقاضى أبو بكر الباقلاني، ت ٤٠٣ هـ.
٥ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، ت ٤٥٦ هـ.
٦ - شفاء العليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل، لأبي المعالى الجوينى، ت ٥٨٩ هـ.
_________________
(١) سورة المائدة: الآية (١٣).
(٢) سورة العنكبوت: الآية (٤٦).
(٣) سورة آل عمران: الآية (٦٤).
(٤) اليهوديه: د/ أحمد شلبى، صـ٢٧، ط/مكتبة النهضة المصرية، ط/٧ - ١٩٨٤م
[ ١٣ ]
٧ - النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، للمهتدي نصر بن يحيي، ت ٥٨٩ هـ.
٨ - الرد على النصارى، لأبي البقاء الجعفرى، ت ٦٣٢ هـ.
٩ - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، للقرافي، ت ٦٨٤ هـ.
وغير ذلك من المؤلفات، وهناك من الدراسات الحديثة من استوعب هذه المؤلفات وغيرها، بالعرض والتقويم (١).
وتواصلا لهذه المسيرة تابع هؤلاء العلماء في نقد الكتاب المقدس، علماء فترة البحث وسوف أتناول مؤلفاتهم بإذن الله تعالى بالعرض والتقويم (٢) بداية من القرن الثامن الهجري التي العصر الحاضر، وذلك من أجل إبراز الجهود النقدية القيمة لهؤلاء العلماء تكملة للفترة السابقة.
والجدير بالذكر، أن ما قام به علماء فترة البحث من جهود، ما هو إلا امتداد لتلك الحركة النقدية التي سبقت، غربية كانت أو إسلامية، فقد استفادوا من كتب السابقين عليهم في هذا المجال، وكان علماؤنا الأجلاء في نقدهم، بين متأثر بمن سبقه وبين مجتهد له رؤيته الخاصة، التي تتميز بالإبداع والابتكار في الأسلوب والطريقة النقدية، فكان معظم من نقد الكتاب المقدس، من علماء المسسلمين له رؤيته النقدية التي يتميز بها عن غيره، ولذلك تعددت هذه الرؤى تبعًا لتعدد مشارب العلماء وثقافاتهم المختلفة.
_________________
(١) مثل: كتاب، النصوص المقدسة في الأديان الثلاثة: "دراسة في تاريخ الأديان" د/ سيد عبد التواب، الأستاذ بجامعة الأزهر، ومقدمة كتاب: العلامة ديدات، هل الكتاب المقدس كلام الله؟ حيث تناول فيها أ. د/ نجاح الغنيمي، الأستاذ مجامعة الأزهر، فرع البنات- تقييم كتاب إظهار الحق، وكتاب أحمد ديدات السابق ذكره، ورسالة الدكتوراه د/ ياسر أبو شبانه، "جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن السابع الهجري عرض ونقد".
(٢) مثل: كتاب: إظهار الحق، للعلامة رحمة الله الهندي، والجواب الصحيح، لابن تيمية، وهداية الحيارى، لابن القيم، والجواب الفسيح، للألوسى، والجوهر الفريد لأيوب بك صبري، والإِسلام للدكتور/المطعني، والفارق بين المخلوق والخالق، للبغدادي، وغير هذه الكتب كثير سيأتي ذكرهم في ثنايا البحث.
[ ١٤ ]
ومازالت الحركة النقدية في تطور مستمر، حيث اتجه النقاد في العصر الحديث إلى الدراسات الأكاديمية، وأنشأت الجامعات في الدول العربية والإِسلامية، الأقسام الخاصة بدراسة الأديان، واهتمت هذا التخصص الدقيق، كل ذلك من أجل بيان عظمة الإِسلام، وتميزه عن غيره، وعالميته وخلوده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كتابه محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١).
_________________
(١) سورة الحجر: الآية (٩).
[ ١٥ ]