[ ١٦ ]
العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد:
قبل عرض الجهود النقدية لعلماء المسلمين حول الكتاب المقدس سندًا ومتنًا، لا بد من إلقاء الضوء على ما قام به النقاد من علماء المسلمين، في البحث عن السبب الذي جعل النصارى يضمون العهد الجديد إلى جوار العهد القدىم في كتاب واحد، وأطلقوا عليه اسم "الكتاب المقدس" رغم ما يوجد بين اليهود والنصارى من عداوة وتناحر على مر العصور، ولذلك يتساءل كثير من الناس هل هناك علاقة بين العهدين (القديم والجديد) أم أن كلًا منهما مستقل عن الآخر؛ وما مدي اعتراف اليهود والنصارى بالكتاب المقدس جملة وتفصيلًا؟ هذا سيتضح إن شاء الله تعالى في الصفحات التالية: (يعتمد اليهود في إثبات عقائدهم واستخراج شرائعهم وعباداتهم على مصدرين أساسيين:
الأول: العهد القديم أو التوراة (١) الكتابية.
الثاني: التلمود (٢) أو التوراة الشفهية (٣).
أما النصارى فالكتاب المقدس برمته يشكل عقائدهم وتشريعاتهم إلا أن التوراة تعد المصدر الأساسى للتشريع عند النصارى؛ لأن عيسى - ﵇ - أعلن أنه غير ناسخ للتوراة فقد ورد في الإنجيل "لاتظنوا أني جئت لأنقض (٤) الناموس (٥) أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (٦) (٧).
ولذلك فإن عيسى ﵇ جاء مصدقًا للتوراة في العقيدة والشريعة باستثناء بعض التعديلات والتشريعات فقال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٨) وجاء في التوراة: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (٩) وجاء في الإنجيل: "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأي أنه أجابهم حسنًا فسأله أية وصية هى أول الكل "فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هى:
_________________
(١) هي: كلمة مستعربة أصلها العبري (تورا). بمعني القانون والتعليم والشريعة والهداية والإرشاد، وقد سميت في بعض الأسفار (الناموس) وفي اليونانية سميت (بنتاتيك) أي الكتاب ذو الأسفار الخمسة، (انظر: إظهار الحق: رحمة الله الهندي، ١/ ٩٩، ط / دار التراث العربي، ١٩٧٨، واليهودية: د/ أحمد شلبي، ص ٢٣٠.
(٢) هو: الكتاب الذي يحتوي على التعاليم اليهودية ويفسرها ويبسطها، وهو مأخوذ من كلمة (لامود) بالعبرية وتعني تعاليم (انظر: جذور النبلاء: أ/ عبد الله التل، ص ٧٢ ط، المكتب الإِسلامي بيروت).
(٣) تأثر اليهودية بالأديان الوثنية: د/ فتحى محمَّد الزغبي، ص ٤٧ ط، دار البشير ط ١، ١٩٩٤م.
(٤) المناقضة: تعني المخالفة، (لسان العرب ٦/ ٤٥٢٤) ط، دار المعارف، بدون.
(٥) هو: جبريل ﵇، وأهل الكتاب يسمون جبريل ﵇، الناموس، (لسان العرب ٦/ ٤٥٤٧).
(٦) متي: (٥/ ١٧ - ١٨) إ كمال النامرس.
(٧) انظر: التعصب الصلبى د/ عمر عبد العزيز القرشي، ٢/ ٢٢ ط /دار الاستقامة ط ١ - ١٩٩٦ م.
(٨) سورة آل عمران الآية: (٥٠).
(٩) تثنية (٦/ ٤) - أحب الرب إلهك-.
[ ١٧ ]
اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد) (١) وعلى هذا الأساس سار عيسى -﵇ومن كان معه وكان - ﵇ - يزيل تشدد علماء بني إسرائيل ويصحح لهم تفسير ما اختلفوا فيه (٢).
وبهذا يتضح أن العلاقة بين العهدين علاقة تكاملية أي أن العهد الجديد جاء مكملًا لما في العهد القدم ومزيلًا لما فيه من تشدد ومصححًا لما اختلفوا فيه.
وليس معني إقرار المسيح ﵇ للعهد القديم الاتباع الحرفي لكل ما جاء في الإنجيل: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب علي أخيه باطلًا يكون مستوجا الحكم" (٣) ويقول أيضًا "قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هذا" (٤). (هذا وقد اعتبرت الكنيسة (٥) الأولى العهد القديم هو كاتبها المقدس حتى القرن الثاني للميلاد حيث تم جمع العهد الجديد واعتبرت منذ هذا العصر كتبًا مقدسة وقد روعى في قبولها اتفاقها مع العهد القدىم وبهذا أصبح للكنيسة عهدان مقدسان: عهد قديم وعهد جديد (٦).
والذي يؤكد تلك العلاقة الوثيقة بين العهد القديم والعهد الجديد اقتباس كتَّاب الأناجيل من التوراة وبيان ذلك كالتالي:
أ. أن الله تعالى يقول لبني إسرائيل علي لسان النبي هوشع (٧): "إني أريد رحمة لا ذبيحة" (٨) يعني أنه لا يريد ذبائح وقرابين والقلوب قاسية على خلق الله.
ب. " بينما كان عيسى - ﵇ - في بيت متي -وهو واحد من الحواريين - جلس معه على المائدة كثيرون من الخطاة والمذنبين فلما رأي ذلك علماء بني إسرائيل استنكروا؛ لأنم كانوا يترفعون عن مخالطة هؤلاء وقالوا للحواريين: لماذا يأكل معلمكم مع العشارين (٩) والخطاة؟ فلما سمع يسوع قال لهم:
_________________
(١) مرقس: (٢٨/ ١٢ - ٢٩) الوصية العظمى.
(٢) التعصب الصليى د/ عمر عبد العزيز، ٢/ ٢٢ مرجع سابق بتصرف.
(٣) متي: (٥/ ٢١) الغضب.
(٤) متي: (١٩/ ٨) الزواج والطلاق، وانظر: النصوص المقدسة في الأديان الثلاثة د/سيد عبد التواب ص ٧٢.
(٥) المراد بالكنيسة: العقيدة والمذهب والدين. يجمعهم في الاعتقاد: دستور ايمانهم المخلص من الإنجيل (مقدمة الفارق بين المخلوق والخالق- للبغدادي- ص ١٦، ١٧ ط مكتبة الثقافة الدينية تعليق د/السقا ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م.
(٦) النصوص المقدسة في الأديان الثلاثة ص ٧٢، ٧٣ مرجع سابق.
(٧) هو: نبي من الأنبياء، دامت فترد نبوته أربعين سنة في القرن الثاني قبل الميلاد (قاموس الكتاب المقدس د/ بطرس عبد الملك وآخرون، ص ١٠٠٥) ط دار مكتبة العائلة- القاهرة.
(٨) هرشع: (٦/ ٦) شعب إسرائيل غير التائب.
(٩) هم: من يتعهدون بجمع الضرائب، (قاموس الكتاب المقدس ص ٦٢٩).
[ ١٨ ]
"لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب بل المرضى فاذهبوا وتعلموا ما هو: إنما أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة التي التوبة (١) " (٢).
وهنا يظهر مدي التماثل بين النصين وإلى أي حد وصل الاقتباس من التوراة ومن ينظر في الآية "إنما أريد الرحمة لا الذبيحة" وهي من سفر هوشع يجد عيسى -﵇ - قد نطقها كما هى واستدل بها على المعني الخلقى الذي يريد تقريره وإذاعته في الناس فالنص الثاني مقتبس من التوراة أي منقول منها للاستشهاد به في الإنجيل (٣).
وبناء على ذلك (يقرر علماء النصارى أن الترابط الوثيق بين العهدين جعل منهما في الحقيقة كتابًا واحدًا لا ينفصل متدرجًا في الإعلان ومتنوعًا في طرق الوحى، ويصرح البعض الآخر بما يفيد أفضلية وأكملية العهد الجديد فيقرر أن في العهد القدم يستتر العهد الجديد وفي العهد الجديد ينكشف القديم وأن العهد القديم إنما كان بمثابة طريق التي غاية لم يُكشف عنها إلا في العهد الجديد) (٤).