وأما اتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول ﷺ وهو لم يقلها واستشهاده ب (اقتلوا كل من غير دينه)
فأقول للكاتب إن قولك هذا لا يخضع لمعايير البحث العلمي السليم، فلو أنك قلت إن هذا الحديث لا يصلح الاحتجاج به، وعللت قولك بتعليل صحيح، لكان من المناسب أن نناقشك فيه، أما وأنك تزعم أن الفقهاء نسبوا الحديث للرسول فهذا الأسلوب وسيلة للطعن في سنة رسول الله ﷺ كلها، والتشكيك فيها، وبالتالي عدم الاعتداد بحجيتها.
ونقول للكاتب -هدانا الله وإياه-: إن الحديث المذكور حديث صحيح لا يتطرق الشك إليه بأي حال من الأحوال، فقد رواه البخاري في صحيحه، وهو أصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن الكريم، كما روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده (^١).
أما قول الكاتب: (وأصبح هذا السلاح ضروريًا لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية … الخ).
فنجيب عليه بما قاله المستشرق محمد أسد:
(لقد أصبح من قبيل الزي في أيامنا هذه أن ينكر المرء -مبدئيًا- صحة الحديث، ثم هو من أجل ذلك ينكر نظام السنة كله.
هل هنالك أساس علمي لهذا الاتجاه؟ أم هل هنالك مبرر علمي لرفض الحديث على أنه مصدر يستند إليه الشرع الإسلامي؟
_________________
(١) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري، ١٢/ ٢٦٧؛ سنن أبي داود، ٤/ ٥٢١ تحقيق الدعاس، والسيد؛ سنن الترمذي، ٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣؛ سنن النسائي، ٧/ ١٠٩؛ سنن ابن ماجه، ٢/ ٨٤٨؛ مسند الإمام أحمد، ١٩٠، تحقيق أحمد شاكر.
[ ١٩ ]
إننا نظن أن خصوم الرأي الصحيح -مذهب أهل السنة فيما يتعلق بالحديث- لا يمكن أن يأتوا بأدلة مقنعة فعلًا تثبت مرة واحدة عدم الثقة بالأحاديث المنسوبة إلى الرسول، ولكن ليس هذا موضوعنا، إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي، وإنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك؛ لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصًا الإمامين البخاري ومسلمًا، قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضًا أشد كثيرًا من ذلك الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوروبيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم.
إننا نتخطى نطاق هذا البحث إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون -علماء الحديث- الأولون يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي -من أجل ما نحن هنا بصدده- أن نقول إنه نشأ من ذلك علم ثابت الأصول تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول وشكلها وطريقة روايتها، ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذُكروا على أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يُعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تمامًا مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة؛ فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه، أو على الحديث جملة فإن عليه هو
[ ٢٠ ]
وحده، أن يُثبت ذلك، وليس ثمة مبرر مطلقًا من الناحية العلمية أن يجرح أحد صحة مصدر تاريخي ما، ما لم يكن باستطاعته أن يبرهن على أن هذا المصدر منقوض، فإذا لم تقم حجة معقولة أي علمية على الشك في المصدر نفسه أو في أحد رواته المتأخرين، وإذا لم يكن ثمة من الناحية الثانية خبر آخر يناقضه، كان حتمًا علينا حينئذ أن نقبل الحديث على أنه صحيح (^١).
ونجيب عليه أيضًا بأن علماء الشريعة الإسلامية لم يخضعوا، ولا يستطيعون أن يخضعوا أحكام الشريعة الإسلامية لأهواء الحكام، ولا أن يؤلفوا أحاديث من عند أنفسهم وينسبوها للرسول ﷺ، ولا يطعنوا في الأحاديث من تلقاء أنفسهم ولكن عندهم علم مضبوط بموازين دقيقة هو علم الجرح والتعديل، وهو علم اختصت به الأمة الإسلامية، ولا مثيل له في أمة سبقت أو لحقت يعرف به المختصون درجة الحديث من حيث الصحة والحسن والضعف ونحو ذلك، ويحكمون عليه بناءً على هذه القواعد الدقيقة، والتي لا يتصدر للكلام فيها إلا الخاصة من علماء الحديث، ونظرًا لأن هذا الحديث المستدل به حديث صحيح فإنه لا يمكن لأحد من علماء الشريعة الطعن فيه، فالأحاديث الصحيحة ليست ألعوبة في أيدي أحد من الناس فلا تتحول إلى ضعيفة بعد أن كانت صحيحة.