في حكم المجتمع وتسيير نظامه، أما الإسلام فهو عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ ومن ثم وجب على الحاكم المسلم أن يصدر في الموافقة أو الرفض بالتوقيع على أي نظام عن مدى ملائمته أو منافرته ومضادته للشريعة الإسلامية، وبناءً على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متعارض مع الشريعة الإسلامية فقد رفضت حكومة المملكة العربية السعودية التوقيع عليه.
وإن عدم توقيع المملكة على الإعلان المذكور هو وسام شرف وفخر لها ولولاة الأمر فيها. وهذا واجب على كل مسلم.
والقول بعالمية حقوق الإنسان يمكن أن يناقش بما يلي:
أولًا: هل هذه الحقوق المعلنة إنسانية لأن الإعلان قال إنها كذلك، أم إن الإعلان قال إنها حقوق لأنها كانت حقوقًا قبل الإعلان؟ وبعبارات أخرى: هل الإعلان هو الذي جعل منها حقوقًا أم أنه كان مقرًا لكونها حقوقًا؟ هل كان الإعلان منشئًا ومانحًا لها أم كان معبرًا عنها؟ لابد أن يكون الأخير هو الصواب.
ثانيًا: هل هذه الحقوق جامعة مانعة بحيث لا يمكن أن يزاد عليها ولا ينقص منها أم إن ذلك ممكن؟ لابد أن يكون ممكنًا، فلا أحد يقول عن اجتهاد بشري إنه قد كتب له الكمال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون للداعي إلى إضافة أو حذف شيء منها حجة يعتمد عليها، فماذا يمكن أن يقول إذا لم يكن لهذه الحقوق المعلنة مستند غير كونها مما أعلنته هيئة الأمم المتحدة؟
ثالثًا: القول بعالميتها إما بناءً على إرسائها على قاعدة فلسفية مشتركة بين جميع الأمم، وهذا غير ممكن، وإما بناءً على إرسائها على فلسفة غربية، وحينئذ تفقد صفة العالمية، بل واتهم القائلون به بأنهم عملاء للاستعمار الثقافي.
[ ٤٣ ]
إن الأسس التي يقوم عليها التزام الناس بما يلتزمون به مما جاء في الإعلان هي:
أ - إن بعضهم - ككثير من الغربيين وكالمسلمين - يجد لكثير منها أسسًا في ثقافته الخاصة.
ب- إن بعضهم يلتزم بها تقليدًا للغرب؛ لأنه يرى أن الحضارة الغربية هي حضارة العصر، فكما أنهم يحاولون أن ينهجوا نهج الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، فكذلك يحاولون تقليدهم في التزامهم بهذه الحقوق (^١).
وإذا اعتقد الإنسان أن في القرآن، أو في السنة ما يتناقض مع مسائل عصرية يراها مهمة وضرورية لتحقيق مصالح الناس؛ فإنه بهذا يبطل إيمانه بأن القرآن كلام الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ؛ لأنه لا يمكن أن يعتقد الإنسان بإخلاص أن القرآن كلام الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ثم يعتقد مع ذلك أن فيهما ما هو باطل أو مضر.
إن كثيرًا من الغربيين يفترضون أن تصوراتهم ينبغي أن تكون هي التصورات العالمية التي تتجاوز الثقافات، وهذا الافتراض لا يلزم الآخرين بأن يعتقدوا أن التصورات الغربية هي التصورات العالمية أو المطلقة.
والحرية الدينية الواردة في المادة المذكورة هي أيضًا مما يختلف فيه التصور الإسلامي عن التصور الغربي؛ إن التصور الغربي يفسر الدين تفسيرًا يجعله محصورًا في إطار النظام العلماني، وبما أن الدولة الإسلامية دولة تقوم على الدين، لا على العلمانية، فمن حقها أيضًا أن تجعل حرية الدين وحرية الاعتقاد وحرية
_________________
(١) الإسلام وحقوق الإنسان مناقشة لأفكار غريبة ص ٥ و٦ بتصرف قليل، للدكتور جعفر شيخ إدريس.
[ ٤٤ ]
الممارسة في نطاق نظامها الديني، لكن شيوع النظام العلماني جعل الناس ينسون هذه الحقيقة، ويفترضون أن النظام العلماني هو النظام الوحيد المناسب للبشرية، فما يبيحه هو المباح، وما يحرمه هو المحرم، وهذا أمر ينكره المسلم الملتزم بدينه (^١).
إن حقوق الإنسان في الإسلام من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، فهي ليست حقوقًا دستورية فحسب، وهي ليست نتاجًا فكريًا يمثل مرحلة من تطور العقل الإنساني، وليست حقوقًا طبيعية كما يعبر عنها في القانون الوضعي، ولكنها في التعاليم الإسلامية واجبات دينية محمية بالضمانات التشريعية والتنفيذية، وليست وصايا تدعى الدول لاحترامها والاعتراف بها من غير ضامن لها، بل هي مرتبطة بالإيمان بالله، وتقواه، يكلف بها الفرد والمجتمع كل في نطاقه وفي حدود المسؤولية التي ينهض بها، وبذلك فإن الفرد في المجتمع الإسلامي يتشرب هذه الحقوق ويتكيف معها بحيث تصبح جزءًا من مكوناته النفسية والعقلية والوجدانية، ويحافظ عليها؛ لأن في المحافظة عليها أداء لواجب شرعي، ولا يجوز له أن يفرط فيها؛ لأن التفريط فيها تقصير في أداء هذا الواجب (^٢).
بل إن الارتباط بين هذه الحقوق وبين الإيمان بالله وتقواه هو مصدر قوة هذه الحقوق في الإسلام.
وإنه من الخطر الكبير في مفهومنا الإسلامي إضعاف هذا الارتباط، وذلك لأن مفعول «العقيدة الإلهية» في ذلك أقوى من مفعول «القانون المادي»، خاصة ونحن نرى أن معظم الاضطراب والشذوذ في حياة الناس في العالم المتقدم ماديًا،
_________________
(١) حقوق الإنسان والقضايا الكبرى ص ٤، ٥ للأستاذ كامل الشريف.
(٢) حقوق الإنسان في التعاليم الإسلامية ص ٨، ٩ للدكتور عبد العزيز التويجري.
[ ٤٥ ]
إنما سببه فقدان العقيدة الإلهية، والانصراف إلى حياة مادية بحتة تزايدت معها الجرائم، وحياة الشذوذ في تلك المجتمعات.
وفي الإسلام كل حق إنما هو واجب على آخر، فحق الوالدين في البر هو واجب على الأبناء، وحق الأولاد في الرعاية هو واجب على الآباء، وحق الزوجة في الرعاية والنفقة واجب على زوجها، وحق الرعية في العدل واجب على الحكام، وحق الفقراء في الكفاية من العيش واجب على الأغنياء. وهكذا نجد الحقوق في الإسلام إنما هي واجبات وفروض، فإذا روعيت هذه الواجبات وأديت هذه الفروض لأهلها استقر الأمر واستقام المجتمع، والمسلمون وحدهم هم الذين يفهمون الإنسان بمعناه الصحيح؛ لأنهم أتباع محمد ﷺ، ومحمد وحده هو الذي أعلن حقوق الإنسان بهذا المعنى؛ لأنه رسول الله، والله وحده هو الذي ألهم رسوله وأوحى إليه هذه الحقوق؛ لأنه أرسله رحمة للعالمين كافة.
أرسله رحمة للذين استضعفوا في الأرض لقلة المال كالمساكين، أو لفقد العشير كالموالي، أو لضعف النصير كالأرقاء، أو لطبيعة الخلقة كالنساء، فكفل الرزق للفقير بالزكاة، وضمن العز للذليل بالعدل، ويسر الحرية للرقيق بالعتق، وأعطى الحق للمرأة بالمساواة.
والمستضعفون الذين ﵏ برسالة محمد لم يكونوا من جنس مبين، ولا من وطن معيّن؛ إنما كانوا أمة من أشتات الخلق وأنحاء الأرض، اجتمع فيها العربي والفارسي والرومي والتركي والهندي والصيني والبربري والحبشي على شرع واحد هو الإسلام، والإسلام الذي يقول شارعه العظيم «ولقد كرمنا بني آدم» لم يخص بالتكريم لونًا دون لون، ولا طبقة دون طبقة، إنما ربأ ببني آدم جميعًا
[ ٤٦ ]
أن يسجدوا لحجر أو شجر أو حيوان، وأن يخضعوا مكرهين لجبروت كاهن أو سلطان (^١).
إن الأصل الثابت الذي تقوم عليه التعاليم الإسلامية هو الاحترام الكامل والوافر للكرامة الإنسانية، التي يتسم المفهوم الإسلامي لها بخاصيتي الشمول والعموم، فيكتسب هذا المفهوم عمقًا ورحابة وامتدادًا في الزمان والمكان، وكما هو مقرر شرعًا، فإن المفهوم الإسلامي للكرامة الإنسانية يرتقي إلى قمة عالية من العدل المطلق، ومن المساواة الكاملة، ومن الحق والإنصاف اللذين لا تشوبهما شائبة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾] الإسراء: ٧٠ [، ويدل سياق الآية أن التكريم هو التفضيل للترابط والتكامل بين بدء الآية وختامها ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ و﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ وبهذا التكريم والتفضيل تأصلت الكرامة في الأصل الإنساني تأصيلًا، فتكريم الله لعباده هو تشريف لهم ما بعده تشريف (^٢).
لقد وضع الإسلام القواعد الثابتة والمبادئ الراسخة لكرامة الإنسان، ولمبدأ المساواة وعدم التمييز وللدعوة إلى التعاون بين الشعوب، ولحرية الإنسان في العبادة ولحق الحياة، ولحق الحرية، ولحرمة العدوان على مال الإنسان، وحصانة بيته، ولقاعدة أن الأصل في الإنسان هو البراءة، ولمبدأ التكافل الاجتماعي، وهذه هي المبادئ العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي كان الإسلام سباقًا إلى إقرارها، وكان المجتمع الإسلامي سباقًا إلى ممارستها، والحياة في كنفها.
_________________
(١) وحي الرسالة ص ٧، ٦ لحسن الزيات.
(٢) حقوق الإنسان في التعاليم الإسلامية ص ٩.
[ ٤٧ ]
ومن هذا المنظور الشمولي إلى حقوق الإنسان، وبهذا الفهم العميق لمقاصد الشريعة ومكارمها يتجلى لنا بالوضوح الكامل كيف أن الإسلام كفل للإنسان حقوقًا لم يكفلها له دين من الأديان، ولا مذهب من المذاهب، ولا فلسفة من الفلسفات، كما يتضح لنا أن المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان هو الأكثر عمقًا وأصالة، والأشد انسجامًا وتوافقًا مع الفطرة الإنسانية؛ لأنه مستمد من هدي الله تعالى الذي هو رحمة للعالمين (^١).
وفي الندوة التي عقدت في الرياض حول الشريعة الإسلامية، بين فريق من كبار علماء المملكة العربية السعودية وبين آخرين من كبار رجال الفكر والقانون في أوروبا.
وبعد بيان علماء المملكة لحقوق الإنسان في الإسلام، تعاقب الخطباء من الوفد الأوروبي وفي مقدمتهم معالي الرئيس المستر ماك برايد وأعلن إعجابه بما سمع من حقائق عن الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها، وقال: من هنا ومن هذا البلد الإسلامي يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره من البلدان، وأنه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقائق المجهولة عند الرأي العام العالمي، والتي كان الجهل بها سببًا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين، وألح أن تكتب للوفد هذه الأجوبة القيمة لتكون في أيديهم وثيقة مخطوطة يدافعون بها عن الإسلام، ويشرحون بها الحقيقة لكل راغب في المعرفة.
كما أعلن زميل له بكلمة أخرى تهنئة لهذه الدولة الفتية على ما حققته من مفاخر حقوق الإنسان بفضل الإسلام، إلى أن قال: وإني بصفتي مسيحيًا أعلن أنه
_________________
(١) المصدر السابق ص ١١، ١٢.
[ ٤٨ ]
هنا في هذا البلد الإسلامي يعبد الله حقيقة، وأنه مع السادة العلماء بأن أحكام القرآن في حقوق الإنسان بعد أن سمعها ورأى في الواقع تطبيقها - هي بلا شك تفوق على ميثاق حقوق الإنسان (^١).