وأما نقض دعواهم فيتلخص في الآتي:
أولًا: أن الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على خلاف ما قرّروه، وانضاف إلى تلك الدلائل الإجماع الذي سبق سَوْقُه. وقد جرى السَّلف -﵏على زَبْر ذلك في مصنفاتهم (^١)، والتنصيص عليه؛ فالخروج عن إجماعهم هلكه قاصمة، وشذوذ يوجب لصاحبه الهلاك.
ثانيًا: أن الاعتراض على وجودهما، وعدُّ ذلك من العبث الذي يجب على الله التنزه عنه: حَجْرٌ على الرب ﵎ في أفعاله، وسوء أدب يُنبئ عن قلةٍ في الدِّيانة، وذهول عن الفارق بين الخالق الحكيم، والمخلوق المتطبع بالجهل والظلم؛ فالله تعالى له الحكمة البالغة في أفعاله وأحكامه، وما عِلْمُ المخلوقِ إلا نزرٌ ضئيل مما وهبه الله إيَّاه من علمه الذي أحاط بكل شيء، فأنّى يصح القياس حينئذٍ؟ وكيف تجري أحكام العبيد على ربِّ العبيد؟
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الزمر: ٦٧ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ نوح.
ثالثًا: أن العقل لا يُحيل تحقق وجود الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن. وما زعموا من أنَّ وجودهما الآن، وتعطيلهما من
_________________
(١) انظر: "أصول السنة"لابن أبي زَمَنين (٣٤)،"الحجة في بيان المحجة"للأصبهاني (٢/ ٤٦٣)،و"الشريعة" للآجُرِّي (٣/ ١٣٤٣).
[ ٥٨٧ ]
الناس، وعدم تمكينهم من دخولهما مُددًا متطاولة؛ ينافي الحكمة = غَلَطٌ ودعوى.
بل يقال: إن وجودهما الآن جارٍ على مقتضى الحكمة، ففي خلقهما ووجودهما قبل يوم القيامة = ترغيبٌ وترهيب؛ بمنزلة ما يُعِدُّه ملوكُ الدُّنيا وسلاطينُها من آلات العقوبة؛ تنفيرًا للنَّاسِ من مُقَارَفَةِ ما يستوجب حلولها عليهم، وآلاتِ الثواب والإنعام؛ تحفيزًا للأَبرار، وتَرْغيبًا للأَخيار على شَدِّ السّير؛ لنيل الإكرام في دار القَرار (^١) .
_________________
(١) انظر:"الإشارات الإلهية"للطوفي (١/ ٢٤٩) .
[ ٥٨٨ ]