ومع وضوح تلك الدلائل؛ أَبَتْ طوائف من المعتزلة - فيما حكى عنهم أهل المقالات والتَرَاجم، وقد نسبوا ذلك على جهة الخصوص لِـ "بشر المريسي" (^١)، و"ضرار بن عمرو" (^٢) - القبولَ بما تضمَّنته تلك النُّصوص. فأنكروا وجود الجنة والنار في الخارج وأنهما مخلوقتان الآن، و" زعموا " أن وجودها في العِلم لا أنَّه متحقق في الخارج، وإنما ينشئهما الله تعالى يوم القيامة.
والباعث لهم على هذه المُنَابذه الصريحة لمجموع تلك البراهين: توظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة؛ حيث قاسوا الله على خلقه، فأوجبوا عليه -﵎- أُمورًا، وحَظَروا عليه - تعالى - أُخرى. ولذلك نُعتوا بأنهم "مشبهة في الأفعال "؛ لتشبيهم الله تعالى بخلقه. فجمعوا بين النقيضين: التشبيه، والتعطيل.
ومستندهم في إنكار أن تكون الجنة والنار مُتَحَقِّقتَي الوجود في الخارج لا في العلم؛ أنهم قالوا: إن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة، فوجودهما قبل تلك الحاجة عبثٌ؛ لأنهما ستبقيان مُعطِّلتين مُددًا طويلة!!
وفي تقرير مذهبهم يقول الجويني - ﵀ -: (وقد أنكرت طوائف من المعتزلة خلق الجنة والنار، وزعموا أن لا فائدة في خلقهما قبل يوم
_________________
(١) انظر:"تاريخ بغداد" (٧/ ٥٣٤).
(٢) انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٥٤٥).
[ ٥٨٥ ]
الثواب والعقاب، وحملوا ما نصّت الآية (^١) عليه في قصة آدم ﵇ على بساتين من بساتين الدُّنيا، وهذا تلاعُب بالدين، وانسلالٌ عن إجماع المسلمين) (^٢) .
ويقول الإمام ابن القيِّم - ﵀ - أيضًا: (لم يزل أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته [أي وجود الجنة] إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة، فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل الله يُنشئها يوم المعاد. وحمَلهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله تعالى، وأنَّه ينبغي له أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله. فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات) (^٣) .
وقد نَسَب البغداديُّ هذا القولَ أيضًا إلى الجهميَّة (^٤) .
_________________
(١) يعني: قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ البقرة: ٣٥،وغيرها من الآيات الدالة على مسكن آدم وزوجه الجنة قبل حصول المعصية منهما.
(٢) "الإرشاد"للجويني (٣٧٨) .
(٣) "حادي الأرواح" (١/ ٢٤ - ٢٥)، وانظر:"شرح العقيدة الطحاوي"لابن أبي العز (٢/ ٦١٥) .
(٤) انظر:"أصول الدين" (٢٣٧) .
[ ٥٨٦ ]