قال قتادة عابوهم بغير عيب. يعني أنهم عابوهم بالتطهر من الفاحشة وليس ذلك بعيب لآل لوط وإنما تبجيل لهم في الحقيقة ومدح وثناء عليهم بالتخلق بخلق من أفضل الأخلاق وأكرمها وأحسنها إلى الله تعالى. قال الله تعالى ﴿والله يحب المطهرين﴾. والذين يعيبون أهل اللحى ويعيرونهم بها إنما يعيبونهم ويعيرونهم في الحقيقة بامتثال أمر رسول الله ﷺ واجتناب نهيه واتباع هديه الفاضل الكامل وليس ذلك بعيب لأهل اللحى وإنما هو مدح وثناء عليهم بلزوم الفطرة والتمسك بالسنة. والعيب راجع على من عابهم. ومن عاب أحد بشيء مما يمدح به فالعائب هو المعيب في الحقيقة ولا يعيب بالممدوح إلا من هو ناقص العقل أو منكوس القلب.
الثالث الاستهزاء بسنة من سنن النبي ﷺ وسنن الأنبياء والمرسلين قبله. وقد أطلق جمع من العلماء القول بردة من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو رد سنة من السنن الثابتة عنه قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في نواقض الإسلام.
السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، وذكر جمع من أئمة الشافعية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعده أو وعيده فإنه يكفر.
[ ٧٤ ]
وذكر بعض أئمة الحنفية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو أمر من أوامره أو وعيده أو وعده أو أنكرهما أنه يكفر إجماعًا سواء فعله عمدا أو هزلًا ويقتل إن أصر على ذلك وإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل.
وذكر ابن حجر الهيتمي أن من استخف بالرسول ﷺ أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرّض بذلك أو شبهه بشيء على طريق الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه أنه يكفر إجماعًا.
قال أو سخر باسم الله تعالى أو نبيه أو بأمره أو نهيه أو وعده أو وعيده. يعني أنه يكفر. ومن المعلوم أن إعفاء اللحى مما أمر الله به على لسان رسوله محمد ﷺ قال الله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، الآية.
فمن سخر من إعفاء اللحى وهو ممن لا يخفى عليه الأمر بإعفائها فلا يبعد القول بردته. وقد ذكر جمع من أئمة الشافعية أنه لو قيل لأحد قلّم أظافرك فإنه سنة رسول الله ﷺ فقال لا أفعل وإن كان سنة أنه يكفر. قال النووي والمختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء انتهى.
[ ٧٥ ]
والمستهزئ بإعفاء اللحى مثل المستهزئ بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأن كلًا من هذه الأفعال سنة ثابتة عن النبي ﷺ. ويتجه أن يقال أن الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من الاستهزاء بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأنه قد جاء في إعفاء اللحى من الأمر بمخالفة المشركين والنهي عن التشبه بهم ما لم يجئ مثله في تقليم الأظافر ولعق الأصابع فيكون الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من هذه الحيثية ويكون المستهزئ بإعفائها أولى بالتكفير من المستهزئ بتقليم الأظفار ولعق الأصابع والله أعلم.
الرابع بغض سنة من سنن النبي ﷺ الثابتة عنه من فعله وأمره فإن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها فرع عن بغضها وبغض ما أمر به النبي ﷺ من إعفائها ودليل ظاهر على ذلك وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على تكفير من أبغض الرسول ﷺ أو أبغض ما جاء به.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في نواقض الإسلام من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر.
الخامس مشاقة الرسول ﷺ ومعارضة أمره وذلك أن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها وعيب أهلها وتعييرهم بها من أعظم ما ينفر الناس عن امتثال أمر رسول الله ﷺ بإعفائها
[ ٧٦ ]
ومخالفة المشركين ويصدفهم عن الفطرة التي فطر الله عليها رسوله ﷺ وعن اتباع هديه الذي هو خير الهدي وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
السادس أن الاستهزاء بالذين يعفون اللحى يستلزم الاستهزاء بالنبي ﷺ لكونه إمام المعفين وقدوتهم وهم إنما أعفوا لحاهم امتثالًا لأمره واتباعًا لهديه صلوات الله وسلامه عليه. والاستهزاء بالنبي ﷺ كفر لا شك فيه قال الله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
السابع ما يتضمنه مثلهم القبيح وما يلزم عليه في حق النبي ﷺ وحق غيره الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فيقال للحمقى ما تقولون في لحية النبي ﷺ التي قد ثبت أنها كانت كثة ضخمة عظيمة وفي لحية إبراهيم خليل الرحمن وغيرهما من الأنبياء هل هي داخل فيما ضربتموه من المثل للحى أم لا؟ فإن قالوا بدخولها فذلك كفر صريح لما فيه من التنقص بالأنبياء والغض منهم. وإن لم يقولوا بدخولها طولبوا بالفرق بين المتبوعين والأتباع ولن يجدوا إلى الفرق سبيلًا أبدًا.
فليحذر المسلم الناصح لنفسه من معرة لسانه فإن إطلاق اللسان كثيرًا ما يورد الإنسان موارد العطب فربما قتل الإنسان
[ ٧٧ ]