[ص ٢٧]ــ ب ــ
ومن عوامده: أنه يعمد إلى كلام لا علاقة له بالجرح فيجعله جرحًا، فمن أمثلة ذلك:
١ و٢ - جرير بن عبد الحميد، وأبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله اليشكري.
قال الذهبي في خطبة "الميزان" (^١): "وفيه ــ يعني "الميزان"ــ من تُكُلِّم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لِين وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدي أو غيره من مؤلِّفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته".
وهكذا قد يَذْكر في الترجمة عبارةً لا قَدْح فيها ولا مدح، وإنما ذَكَرها لاتصالها بغيرها، فمن ذلك أنه ذكر جرير بن عبد الحميد فقال في أثناء الترجمة: "قال ابن عمار: كان حجة وكانت كتبه صحاحًا. قال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عَوانة يتشابهان، ما كان يصلح إلا أن يكونا راعيين. وقال ابن المديني: كان جرير بن عبد الحميد صاحب ليل وقال أبو حاتم: جرير يُحتجّ به، وقال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عوانة يصلحان أن يكونا راعيي غنم، كانا يتشابهان في رأي العين، كتبت عنه أنا وابن مهدي وشاذان بمكة".
لم يتعرض صاحب "التهذيب" مع محاولته استيعاب كل ما يقال من جرح أو تعديل لقضية التشابه ولا الصلاحية لرعي الغنم؛ لأنه لم ير فيها ما يتعلق بالجرح والتعديل.
_________________
(١) (١/ ٢).
[ ٩ / ٣٢ ]
وأما الذهبي فذكر ذلك لاتصاله بغيره، ولأنّ ذِكْر الصلاحية لرعي الغنم إنما فائدته تحقيق التشابه في رأي العين، وبيان أنهما كانا يتشابهان ربما تكون له فائدة ما.
والمقصود أن [ص ٢٨] مراد سليمان من بيان صلاحية الرجلين لرَعْي الغنم هو تحقيق تشابههما في رأي العين كما يبينه السياق، ووجه ذلك: أنّ من عادة الغنم أنها تنقاد لراعيها الذي قد عَرَفَتْه وأَلِفَته وأَنِسَت به وعرفت صوته، فإذا تأخَّر ذاك الراعي في بعض الأيام، وخرج بالغنم آخر لم تَعْهَدْه الغنم لقي منها شدَّة لا تنقاد له، ولا تجتمع على صوته، ولا تنزجر بزجره، لكن لعلَّه لو كان الثاني شديد الشبه بالأول لانقادت له الغنم، تتوهَّم أنه صاحبها الأول، فأراد سليمان أنَّ تشابه جرير وأبي عوانة شديد بحيث لو رعى أحدُهما غنمًا مدة حتى أَلِفَتْه وأَنِسَت به، ثم تأخّر عنها وخرج الآخر لانقادت له الغنم، تتوهم أنه الأول.
وقد روى سليمان بن حرب عن جرير (^١)، وقال أبو حاتم: "كان سليمان بن حرب قلَّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة".
أما الأستاذ فإنه احتاج إلى الطعن في هذين الحافظين الجليلين جرير وأبي عوانة، فكان مما تمحَّله للطعن فيهما تلك الكلمة، وقَطَعها وفَصَلها بحيث يَخْفى أصلُ المراد منها، فقال في (ص ١٠١) في جرير: "مضطرب
_________________
(١) كتب المؤلف أولًا: "الرجلين" ويبدو عليها آثار ضرب، وكتب في طرّة الصفحة ما هو مثبت، وعلق في الهامش: "وأُراه قد روى عن أبي عوانة ولكن لم أر من صرّح بذلك"اهـ.
[ ٩ / ٣٣ ]
الحديث لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم عند سليمان بن حرب ". وقال (ص ٩٢) في أبي عوانة: " كان يراه سليمان بن حرب لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم". وأعاد نحو ذلك (ص ١١٨).
هب أن الأستاذ لا يعرف عادة الغنم فقد كان ينبغي أن ينبّهه السياق، ولعله قد تنبه ولكن تعمَّد المغالطة، ولذلك قَطَع العبارة وفَصَلها. والله المستعان (^١).