بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين البابين وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله لوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، ويمتنع أن تقوم بغيره.
الوجه الثالث: أن الأعيان المضافة إلى الله لا تضاف إليه لعموم كونها مخلوقة ومملوكة له إذ ذلك يوجب إضافة جميع الأعيان إلى الله تعالى لاشتراكها في الخلق والملك فلو كان قوله في ناقة صالح ناقة الله بمعنى أن الله خلقها وهي ملكه لوجب أن تضاف سائر النوق إلى الله بهذا المعنى فلا يكون حينئذ لها اختصاص بالإضافة، وكذلك قوله طهر بيتي لو كان المراد به خلقي وملكي لوجب إضافة سائر البيوت إلى الله لمشاركتها في هذا المعنى فلا بد أن يكون في العين المضافة معنى يختص بها يستحق بها الإضافة، فبيت الله هو الذي اتخذ لذكر الله تعالى وعبادته وهذه إضافة من جهة كونه معبودًا فيه فهو إضافة إلى إلهيته لا إلى عموم ربوبيته وخلقه كما في لفظ العبد فإن قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]،
[ ٩٥ ]
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، هو إضافة إليهم (١) لأنهم عبدوه لا لعموم كونه عبّدهم بخلقه لهم فإن هذا يشركهم فيه جميع الناس وهو قد خصهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، ونحو ذلك. كذلك الناقة فيها اختصاص بكون الله جعلها آية ففيها معنى الإضافة إلى إلهيته، وأما قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، ففي الإضافة تخصيص للأرض التي هي باقية على ما خلقها الله تعالى فلم يستول عليها الكفار والفجار من عباده ومنعوا باستيلائهم عليها من عبادة الله عليها، ولهذا لم تدخل أرض الحرب في هذا العموم، وقد يقال الإضافة لعموم الخلق لأن الأرض واحدة لم تتعدد الأرض كما تعددت النوق والبيوت والعبيد.
وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، تضاف إلى الله من الوجهين من جهة أن الله خلقها فتكون إضافة إلى جهة ربوبيته. ومن جهة أنه فطرها على الإسلام الذي هو عبادة الله فيكون في الإضافة معنى الإضافة إلى إلوهيته، وإذا كان كذلك فالصورة المخلوقة هي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله.
وأيضًا فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه فينبغي أن تضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك لكون أن الله خلقه.
الوجه الرابع: أن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» لو كانت الإضافة إضافة خلق وملك لوجب أن لا
_________________
(١) كذا في المخطوطة والصواب إليه.
[ ٩٦ ]
يضرب شيء من الأعضاء لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء.
الوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب هذا لكونه ذاك لكان هذا التشبيه من باب العيب لأن العلة في المشبه به مثل من يقول لأحد ابنيه إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الأخر في معنى العبودية وهما مشتركان في هذا.
الوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب من الموجودات ويشتم هو من مخلوق الله مملوك وهذا يوجب أن لا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق.
الوجه السابع أن قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته» يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله فلو أريد صورة يخلقها الله لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبهًا لما خلقه الله فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها.
الوجه الثامن أنه لو قال: لا تضرب وجه هذا فإن الله خلقه على صورته كان قد يقال فإن الله خلق هذا على صورة مشرفة مكرمة. بل قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» «ولا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» فخلق المخلوق على صورته هو آدم وهذا من بنيه فمعلوم أن صورته كصورة آدم، فذكر ثلاثة أشياء الصورة المضروبة المشتومة المنهي عن ضربها وشتمها وهي وجوه الآدميين. وآدم الذي خلقه الله،
[ ٩٧ ]