مردودة بتصحيح الألباني لإسناد حديث أبي رافع عن أبي هريرة ﵁، ومردودة أيضًا بثناء أئمة الجرح والتعديل على سعيد بن أبي عروبة دون المثنى بن سعيد قال ابن أبي حاتم أخبرنا علي بن الحسين بن الجنيد أخبرنا المعلى بن مهدي قال: قال لي أبو عوانة ما كان عندنا في ذلك الزمان أحد أحفظ من سعيد بن أبي عروبة. وروى ابن أبي حاتم أيضًا عن أبي داود -يعني الطيالسي- قال كان سعيد بن أبي عروبة أحفظ أصحاب قتادة، وروى أيضًا عن ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول أثبت الناس في قتادة ابن أبي عروبة وهشام الدستوائي وشعبة فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة الحديث فلا تبال أن لا تسمعه من غيره. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول سعيد بن أبي عروبة قبل أن يختلط ثقة وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وقال أيضًا: سئل أبو زرعة عن سعيد بن أبي عروبة فقال ثقة مأمون، وقال أيضًا قلت لأبي زرعة سعيد بن أبي عروبة أحفظ أو أبان العطار فقال سعيد أحفظ، وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد، وروى أيضًا عن يحيى بن معين أنه قال سعيد بن أبي عروبة ثقة.
وقال ابن عدي سعيد بن أبي عروبة من ثقات الناس وله أصناف كثيرة وقد حدث عنه الأئمة، ومن سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه وهو مقدم في أصحاب قتادة ومن أثبت الناس رواية عنه وثبتًا عن كل من روى عنه إلا من دلس عنهم انتهى، وإذا كان سعيد بن أبي عروبة بهذه المنزلة العالية عند الأئمة فروايته عن قتادة مقدمة على رواية المثنى بن سعيد عن قتادة لأن المثنى وإن كان من الثقات فقد قال فيه ابن حبان إنه يخطئ، ومن كان موصوفًا بالخطأ فليست روايته عن قتادة مساوية لرواية من قيل فيه إنه أحفظ أصحاب قتادة. وأنه أثبت الناس فيه، وأنه أعلمهم بحديثه، وأنه مقدم في أصحابه. وأنه من أثبت الناس رواية عنه، وأن السماع
[ ٢٩ ]
منه قبل الاختلاط صحيح حجة فضلًا عن تقديم رواية الموصوف بالخطأ على رواية الموصوف بالصفات الحميدة.
وبما ذكرته يتبين لطالب العلم أن تعليل رواية ابن أبي عروبة عن قتادة بمخالفة المثنى بن سعيد له في الإسناد عن قتادة لا وجه له وإنما هو من التكلف.
الوجه الرابع: أن يقال إن رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قد تأيدت بما رواه ابن لهيعة عن أبي يونس عن أبي هريرة ﵁، وإسناد هذه المتابعة حسن كما تقدم تقريره، وتأيدت أيضًا بحديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره وذكر من صححه من الأئمة فهو شاهد قوي لرواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
وبما ذكرته في الأوجه الأربعة يعلم أن حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة صحيح محفوظ إسنادًا ومتنًا وأنه لا وجه لتعليله بمخالفة المثنى بن سعيد لابن أبي عروبة في الإسناد عن قتادة.
الوجه الخامس: أن يقال إنه لا منافاة بين المتن الذي جاء في رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وبين المتن الذي جاء في رواية المثنى بن سعيد عن قتادة. بل كل منهما مطابق للآخر في الدلالة على أن الله تعالى خلق آدم على صورته، وما جاء مضمرًا في رواية المثنى وغيرها من الروايات التي تقدم ذكرها في أول الكتاب فإن النص الصريح في حديث ابن عمر ﵄ وفيما رواه أبو يونس الدوسي وأبو رافع الصائغ عن أبي هريرة ﵁ يفسره ويرد ما قيل فيه من التأويلات المستكرهة.
الوجه الرابع: من وجوه الجواب عن تعليل ابن خزيمة والألباني لحديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره (١) أن يقال قد تقدم
_________________
(١) ص٢٠.
[ ٣٠ ]
قريبًا ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الذي سماه «تأويل مختلف الحديث» أنه قرأ في التوراة «أن الله جل وعز لما خلق السماء والأرض قال نخلق بشرًا بصورتنا فخلق آدم من أدمة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة» وذكر أيضًا هذا النص من التوراة في أول كتابه الذي سماه «المعارف» وهذا النص من التوراة مطابق للنص الذي جاء في حديث ابن عمر ﵄ وفيما رواه أبو يونس الدوسي وأبو رافع الصائغ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن» وفي حديث أبي رافع «على صورة وجهه» والذي أنزل التوراة على موسى ﵊ هو الذي أنزل الكتاب والحكمة على محمد ﷺ وأمره أن يبين للناس ما نزل إليهم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [لنجم: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال ابن قتيبة وكذلك حديث ابن عباس ﵄ أن موسى ﷺ ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر وقال: «اشربوا يا حمير» فأوحى الله ﵎ إليه «عمدت إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير» فهذا موافق لما تقدم في حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄ وفيما ذكرته من نص التوراة أبلغ رد على من تأول حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄ بالتأويلات المستكرهة وعلى من عللهما بالتعليلات الواهية.
وقد استشهد شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ بقول ابن عباس ﵄ الذي ذكره ابن قتيبة في رده على من علل حديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره. وقرر أن ابن عباس
[ ٣١ ]