من العلم بالشيء يسمى مثلًا له وصفة فالصورة الذهنية هي المثل الذي يسمى أيضًا صفة ومثلًا، ولهذا يقال تصورت الشيء وتمثلت الشيء وتخيلته إذا صار في نفسك صورته ومثاله وخياله كما يسمى مثاله الخارج صورة كما قال النبي ﷺ: «لعن الله المصورين» وقال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» وقال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» كما يسمى ذلك تمثالًا في مثل قول علي: «بعثني رسول الله ﷺ فأمرني أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته».
وقال العلماء: كابن عباس وعكرمة وأحمد وغيرهم الصورة هي الرأس فإذا قطع الرأس لم تبق صورة، ولهذا قال ابن عباس لمن استفتاه: «إن كنت مصورًا فصور الشجر وما لا روح فيه» وسيأتي في الصحيحين من حديث القيامة قال فيه: «ويحرم الله صورهم على النار» هذا في حديث أبي سعيد، وفي حديث أبي هريرة: «حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود» وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وقوله: لفظ الصورة يذكر ويراد به الصفة، إن أراد به أن الصورة توصف بالقول وأن لفظ الصورة يراد به ما يوصف بالقول من الصورة الخارجية أو ما يطابقه من الصورة الذهنية فهذا قريب ولكن هذا يوجب أن لفظ الصورة لا بد له من صورة خارجية وأن تطابقها الصورة الذهنية، وإن أراد به لفظ الصفة فقد لا يراد به إلا ما يقوم بالأعيان كالعلم والقدرة، فهذا باطل لا يوجد في الكلام أن قول القائل صورة
[ ٨٢ ]
فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة من العلم والقدرة ونحو ذلك بل هذا من البهتان على اللغة وأهلها.
وأيضًا فقول القائل: خلق آدم على صورة آدم بمعنى على صفة آدم لا يدل على أنه خلق على صفات الكمال ابتداء، ولو أريد بالصورة ما يتأخر عن وجوده فإن المخلوق على صفة من الصفات يخلق عليها في مدة وفي غير مدة، يبين ذلك أنه جعل أحد المحملين كونه خلق عارفًا تائبًا مقبولًا عند الله، ومعلوم أن هذه الصفة تأخر وجودها عن ابتداء خلقه، فإن التوبة كانت بعد الذنب، فإذا كان لا ينافي كونه مخلوقًا عليها فكذلك لا ينافي كونه مخلوقًا على صفة العلم والقدرة وإن تأخر ذلك عن وجوده، وإذا كان كذلك فلا فرق بينه وبين غيره.
وأيضًا فهذا الذي ذكره من معنى الخبر باطل فإن آدم لم يجعل ابتداء على صفة الكمال، بل بعد أن خلقه الله تعالى علمه الأسماء التي لم يكن بها عالمًا كما علم بنيه البيان بعد أن خلقهم، فهذه التأويلات التي هي ذكر دلالة اللفظ على معنى من المعاني، تارة يكون المعنى باطلًا، وتارة يكون اللفظ غير دال عليه، وتارة يكون اللفظ دالًا على نقيضه وضده، وتارة يجتمع من ذلك ما يجتمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد: نعوذ بالله من الغي والزيغ ونسأله الهدى والسداد.
وهذه التأويلات وإن كان المؤسس (١) مسبوقًا بها وهو إن كان قد نقل منها ما نقله من كتاب أبي بكر ابن فورك ونحوه، وهم أيضًا مسبوقون بأمثالها فقد كان من هو أقدم منهم يذكر من التأويلات ما هو أمثل من ذلك، إذ كل ما تقدم الزمان كان الناس أقرب إلى السداد في
_________________
(١) المؤسس هو الرازي، ترجع الحاشية في ص٦٩.
[ ٨٣ ]
الثبوتات والقياسات الشرعيات والعقليات، وكان قدماء الجهمية أعلم بما جاء به الرسول وأحسن تأويلًا من هؤلاء كما تقدم فيما ذكره المروذي عن أحمد أنه ذكر له عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال قول النبي ﷺ: «خلق آدم على صورته» قال: صورة الطين، قال: هذا جهمي وقال: نسلم الخبر كما جاء، فأخبر أحمد أن هذا جهمي كما أن من قال على صورة الأرحام فهو جهمي لأن الجهمية هم الذين ينكرون الصفات ويتأولون ما ورد في ذلك من الأخبار والآيات، وهذا التأويل أجود مما تقدم فإن قوله: على صورة آدم يقتضي أن يكون لآدم صورة خلق عليها وتلك هي صورة الطين فإن الله صور آدم طينًا حتى يبس فصار صلصالًا ثم نفخ فيه الروح، ومراد هؤلاء أنه خلقه على تلك الصورة المصنوعة من الطين، لكن هذا أيضًا فاسد، فإن قول القائل خلق على تلك الصورة يقتضي أن تكون له صورة أخرى خلقت على تلك الصورة. وآدم بعينه تلك الصورة التي خلق فيها الروح، بل تصويره هو خلقه من تراب ثم من طين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، فقدم الخلق على التصوير فكيف تكون الصورة لآدم سابقة على الخلق حتى يقال خلق آدم على تلك الصورة.
وأيضًا لو أريد أنه خلق من صورة الطين بعينها لا من أبوين ولا يجوز ذلك لقيل كما قال الله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [صّ: ٧١]، وقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨].
وكذلك إذا تأوله متأول على الصورة المقدرة له وهي ما سبق له في علم الله وكلامه وكتابه، أي خلق آم على الصورة التي قدرها له فإن الله وإن كان خلق كل شيء على ما سبق من تقديره فلا يصح تأويل الحديث على هذا لأن جميع الأشياء خلقها الله تعالى على ما قدره فلا اختصاص لآدم بذلك.
[ ٨٤ ]
وأيضًا فإنه لا يصلح أن يقول، لا تقبحوا الوجه ولا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على ما قدره فإن الوجه وسائر الأعضاء بل وسائر المخلوقات خلقها على ذلك فينبغي أن لا يصلح تقبيح شيء من الأشياء البتة لعموم العلة.
وأيضًا فإن قوله: «ووجه من أشبه وجهك» يمنع أن يكون المراد التقدير.
وأيضًا فإن هذه العلة لا تصلح أن تكون مانعة من التقبيح.
وأيضًا فإن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» يمنع أن يكون المراد التقدير فإن ذلك لا يختص بالوجه ولا بآدم ولا يصلح أن يعلل به منع ضرب الوجه ولو علل به وجب أن لا يضرب شيء من الأشياء.
وأيضًا فقوله: «خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا - إلى قوله- فكل من يدخل الجنة يدخلها على صورة آدم» صريح في أنه أراد صورة آدم المخلوقة لا المقدرة.
وأيضًا فتسمية ما قدر صورة ليس له أصل في كلام الله وكلام رسوله، فليس في هذا الخطاب أن صور الأشياء ثابتة في علم الله أو تقديره وإن كان من المتأخرين من يقول لفلان عند فلان صورة عظيمة وهذا الأمر مصور في نفسي لكن مثل هذا الخطاب لا يجوز أن يحمل عليه كلام الرسول ﷺ إلا أن يكون ذلك من لغته التي يخاطب بها أمته.
[ ٨٥ ]