﵄ إنما قاله توقيفًا من النبي ﷺ. وسيأتي كلامه على هذا الأثر في ضمن كلامه المنقول من كتابه المسمى «نقض أساس التقديس» إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: أن أقول قد ذكرت في الوجه الثاني أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر ﵄ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وذكرت أيضًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي أنهما صححاه. وقال ابن حجر في «فتح الباري» أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني بإسناد رجاله ثقات. وعلى هذا فإنه يجب أن يقابل بالقبول والتسليم وأن يمر كما جاء بلا تفسير، وقد تقدم قول الإمام أحمد لا نفسره، ما لنا أن نفسره، كما جاء الحديث. وروى الخلال في «كتاب السنة» عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا أمروها كما جاءت. وروى أيضًا عن الوليد بن مسلم قال سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف. وقد رواه الآجري في كتاب «الشريعة» بإسناده عن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي والثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا أمروها كما جاءت بلا تفسير.
وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه. ثم روى بإسناده عن الأوزاعي قال كان مكحول والزهري يقولان أمروا هذه الأحاديث كما جاءت، قال وقد روينا عن مالك بن أنس والأوزاعي
[ ٣٢ ]
وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد في الأحاديث في الصفات أنهم كلهم قالوا أمروها كما جاءت نحو حديث النزول وحديث «أن الله خلق آدم على صورته» وأنه يدخل قدمه في جهنم وما كان مثل هذه الأحاديث. قال أبو عمر بن عبد البر: رواها السلف وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علمًا وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا، ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر انتهى.
وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «الفتوى الحموية الكبرى» ما رواه الخلال عن الأوزاعي والوليد بن مسلم مما ذكراه عن الأئمة الذين تقدم ذكرهم وأنهم قالوا في أحاديث الصفات. أمروها كما جاءت بلا كيف، ثم قال فقولهم ﵃ «أمروها كما جاءت» رد على المعطلة، وقولهم «بلا كيف» رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما - إلى أن قال في قولهم، أمروها كما جاءت بلا كيف - إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى. وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضًا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول بلا كيف. فمن قال إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف. فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف. وأيضًا فقولهم أمروها بلا كيف كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني. فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد. أو
[ ٣٣ ]
أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة. وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول انتهى.
وذكر شيخ الإسلام أيضًا ما رواه أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في «أصول السنة» بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. لأنه قد وصفه بصفة لاشيء.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا، وقوله من غير تفسير. أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
وذكر الشيخ أيضًا ما رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال في أحاديث الصفات هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدًا يفسرها.
قال شيخ الإسلام: وأبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة
[ ٣٤ ]
والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف. وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يفسرها أي تفسير الجهمية انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وما ذكره محمد بن الحسن عن الفقهاء من الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، وقوله أيضًا أنهم لم يصفوا، فالمراد به أنهم لم يكيفوا الصفة. بل أمروا ما جاء في الآيات والأحاديث كما جاء، وهذا هو معنى ما رواه الخلال بإسناده عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.
وروى البيهقي وغيره عن يحيى بن يحيى قال كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يخرج.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا. الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم انتهى.
وقال أبو بكر الآجري في كتاب «الشريعة» باب «الإيمان بأن الله
[ ٣٥ ]
﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف» ثم روى في الباب عدة أحاديث، منها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته».
ومنها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته».
ومنها حديث ابن عجلان عن سعيد - يعني المقبري- عن أبي هريرة ﵁ قال: «لا تقل قبح الله وجهك ولا وجه من أشبه وجهك فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته» ورواه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته».
ومنها حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ﷿»
قال الآجري: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال حدثنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها وقال: «تلقتها العلماء بالقبول» تسلم الأخبار كما جاءت.
وقال أبو بكر المروذي وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثنا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية فقال
[ ٣٦ ]