تفسير سورة النساء في عدد الأنبياء ليس فيها شيء من قول كعب الأحبار وإنما الذي ذكره عن كعب الأحبار هو في تكليم الله لموسى ﵊، فما قاله ابن محمود وهم وغلط.
وأما الثامن: وهو قوله في صفحة (٦) والذي عليه المحققون من السلف أن لله أنبياء كثيرين لا يعلم عددهم إلا الله، وقالوا: إن من عد الأنبياء فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به، ومثله قوله في عدد الرسل وأنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.
فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى ما في هذا القول من المجازفة والقول على السلف بما لم ينقل عن أحد منهم فيما أعلم.
الوجه الثاني: قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه (أصول الدين): أجمع أصحاب التواريخ من المسلمين على أن عدد الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، كما وردت به الأخبار الصحيحة.
أولهم أبونا آدم ﵇ وآخرهم نبينا محمد ﷺ وأجمعوا على أن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر - إلى أن قال - وإذا صح لنا أن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر قلنا: إن خمسة منهم من أولي العزم المذكورين في القرآن وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵈ وخمسة منهم من العرب وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد ﵈. انتهى.
وفيما ذكره من إجماع أصحاب التواريخ من المسلمين على عدد الأنبياء والرسل أبلغ رد على ابن محمود.
[ ١٤٩ ]
الوجه الثالث: أن يقال: قد تقدمت الأحاديث عن أبي ذر وأبي أمامة وعوف بن مالك ﵃ في عدد الأنبياء والمرسلين، وأحاديثهم يشد بعضها بعضا وتشهد لها الرواية الصحيحة في إثبات نبوة آدم ﵊ وعدد الرسل، وتقدم أيضا ما ذكره ابن قتيبة في كتاب (المعارف) عن ابن عباس ﵄ في عدد الأنبياء والرسل وهو موافق لما جاء في الأحاديث الثلاثة عن أبي ذر وأبي أمامة وعوف ابن مالك ﵃، وعلى هذا فهل يأمن ابن محمود أن يكون قد خطأ النبي ﷺ وقال فيه: إنه قد تكلف ما لا علم له به، وأن يكون أيضا قد خطأ حبر الأمة ابن عباس ﵄ وقال فيه: إنه قد تكلف ما لا علم له به، ولا يخفى أن هذا المحذور ليس ببعيد من ابن محمود.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم ما رواه الطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة ﵁ في عدد الرسل وأنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة عشر قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال الهيثمي في إسناد الطبراني: رجاله رجال الصحيح.
وهذا الحديث لا يرده إلا جاهل أو مكابر، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه ورددنا على الله أمره قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
[ ١٥٠ ]