ويكرهُ غلاتُهم اللَّبن وغيره ممَّا يخرج من الحيوان (^١).
فأمَّا المتصوِّفة فقد حاولوا إلصاقه بالدِّين بأمرٍ يُحكى عن عمر ﵁، أنَّه نهى عن أكل اللَّحم كلَّ يومٍ، وقال: «إنَّ لهذا اللَّحم ضراوةً كضرواة الخمر» (^٢). وهذا إن صحَّ ليس فيه متمسَّك لهم.
أولًا: لأنَّهم لم يقتصرُوا على النَّهي عن أكله كلَّ يومٍ، أو نحو ذلك، بل منعوا منه مدَّة الخلوة، وهي أربعون يومًا على الأقل.
ثانيًا: أنَّ الكراهة التي في الأمر لا تخصيص فيها، وهم يخصُّون المرتاض أيَّام رياضته.
ثالثًا: أنَّ الأمر في اللَّحم فقط، وهم زادوا ما خرج من الحيوان كاللَّبن وغيره.
فصلٌ
وذكروا أنَّ المرتاض بالرِّياضة المعروفة بينهم إذا حصل له ما يسمُّونه بالفتح تحصل له القوَّة المذكورة، وأنَّه إن اطمأنَّ إليها كان ساحرًا هالكًا.
وذلك أنَّ رياضتهم كما اعترفوا به طريقٌ عاديَّةٌ لحصول الفتح، ولذلك
_________________
(١) يُنظر مذهب البراهمة في ذلك: كتاب «تحقيق ما للهند من مقولةٍ مقبولة في العقل أو مرذولة» لأبي الريحان البيروني (ص ٤٦٧ - ٤٦٩).
(٢) أخرجه مالك في «الموطَّأ» (٢/ ٩٣٥)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر ﵁، بلفظ: «إيَّاكم واللَّحم فإنَّ له ضراوة ..». وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٥٠١٨) من طريق وكيع عن حزام بن هشام عن أبيه عن عمر ﵁، فذكر نحوه. ثم أخرجه (٢٥٠١٩) عن عائشة ﵂ أيضًا بنحوه.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
قد يحصل الفتح للكافر والفاجر، إلَّا أنَّ المؤمن الصَّالح لا يطمئنُّ إلى ذلك الفتح، بل يثابر على الاجتهاد، فيرتقي بعد ذلك درجات لا ينالها الكفَّار والفجَّار، ولهم في ذلك كلامٌ طويلٌ.
أمَّا أنا فأقول: إنَّ رياضتهم من حيث المجموع غير شرعيَّة، بل [منها] (^١) ما هو غلوٌّ في العبادات الشَّرعيَّة، ومنها ما هو من المُحْدَثات والبِدَع، ومنها ما أخذوه من الأُمم الأخرى، كاليونان والبَرَاهِمة، فماذا عساه يُرجى من بركتها؟ !
وفي الحديث: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك» الحديث (^٢).
والنَّتيجة تتبع أخَسَّ المقدِّمتين، ومعيارُ قوَّة السِّلسلة إذا عُلِّق بها شيءٌ أو شُدَّ = قوةُ أَوْهَنِ حلقةٍ فيها.
اللَّهم إلَّا أنَّ مَن سَلَكها غير عارفٍ لحقيقتها، ولا مقصر تقصيرًا يقطع العذر، وكانت نيَّته حسنة، فلا يمتنع أن ينفعه الله تعالى بحُسن نيَّته. والله أعلم.
وهذا ممَّا يفسِّر لك ما أشكل على بعضهم من أنَّ الغرائب التي تُعَد كرامات يعزُّ ما يثبت منها عن الصَّحابة وكبار التَّابعين، وكثرت فيما بعدهم.
وممَّا يبيِّن لك صِحَّة فتوى من أفتى من الفقهاء بوجوب الضَّمان على مَن قتل بالحال المعروفة بين المتصوِّفة، وخطأ من ردَّه مستندًا إلى ما نُقِل
_________________
(١) في الأصل: «منهم».
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٢٩٣ ]
عن بعض خيار التَّابعين، أنَّه دعا على رجلٍ، فسقط الرجل ميِّتًا، فرُفِع الدَّاعي إلى الحاكم فخلَّى سبيلَه، قائلًا: «دعوة رجلٍ صالحٍ صادَفَت منيَّة رجلٍ» (^١).
ووجه الخطأ: أنَّه لم يكن من التَّابعيِّ إلَّا دعاء الله ﷿، فهو بمنزلة من شكا إنسانًا ظلمه إلى حَكَم عَدْلٍ فسطا الحَكَمُ بالظَّالم.
وأمَّا القاتل بالحال فإنَّه قتل بقوَّةٍ فيه، فهو كمَن ضرب بسيفه.
فأنَّى يشتبهان (^٢)؟ !
_________________
(١) تقدَّمت القصَّة (ص ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٢) هنا ينتهي ما وجد من هذه الرِّسالة.
[ ٦ / ٢٩٤ ]