يتوصَّلون بها إلى قوَّة الإدراك، وقوَّة الإرادة التي ينبني عليها قوَّة التَّأثير. وأمَّا وقوع بعض المسلمين في هذه الرِّياضة فمِن طريقين:
الأولى: الغُلُو.
الثانية (^١): النَّقل عن الأُمَم الأخرى.
وتفصيل ذلك: أنَّ الإسلام جاء بشرع الصِّيام والقيام، واجتناب الحرام والشُّبهات، وترك صُحبة أهل الشَّر والفساد، وحدَّد الصِّيام بعد الفَرْض بثلاثة أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ، إلى أن جعل منتهاه صيام يومٍ وإفطار يومٍ، ونهى عن صيام الدَّهر، وعن الوصال، وحضَّ على أكلة السَّحَر لمن يريد الصَّيام، ونهى عن قيام اللَّيل كلِّه، وعن العُزلة، وعن الترهُّب (^٢).
_________________
(١) في الأصل: «الثاني».
(٢) أمَّا شرعيَّة الصِّيام والقيام فأظهر وأكثر من أن تذكر دلائله. وأمَّا اجتناب الحرام والشُّبهات فورد في أحاديث، منها حديث النُّعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا: «إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات ..». أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) وهذا لفظه. وأمَّا النَّهي عن صحبة أهل الشَّرِّ ففي أحاديث، منها: حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «إنَّما مثل الجليس الصَّالح والجليس السُّوء كحامل المسك ونافخ الكير ..». أخرجه البخاري (٢١٠١) ومسلم (٢٦٢٨). وأمَّا تحديد الصِّيام بثلاثة من كلِّ شهر، وجعل منتهاه صيام يوم وإفطار يومٍ، والنَّهي عن صيام الدَّهر، والنَّهي عن قيام اللَّيل كلِّه ففي حديث عبد الله بن عمروٍ ﵄، وسيأتي ذكره في كلام المؤلِّف (ص ٢٨٩). وأمَّا النَّهي عن الوِصال ففي أحاديث، منها: حديث ابن عمر ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ واصل، فواصل الناس، فشقَّ عليهم، فنهاهم ..». أخرجه البخاري (١٩٢٢) ومسلم (١١٠٢). وأمَّا الحثُّ على التسحُّر ففي أحاديث، منها: حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركة». أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥). وأمَّا النَّهي عن التَّرهُّب ففي أحاديث، منها: حديث عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لعثمان بن مظعون: «إنَّ الرَّهبانية لم تكتب علينا ..» الحديث. أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٦)، وابن حبان (٩)، ويُنظَر: «الصَّحيحة» للألباني (١٧٨٢)، و«الإرواء» (٢٠١٥). وأصله في البخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢)، من حديث سعدٍ ﵁ قال: «ردَّ رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التَبَتُّل، ولو أذن له لاخْتَصَينا».
[ ٦ / ٢٧٧ ]
وبَلَغَه [- ﵌ -] عن ثلاثة من أصحابه العزم على الزِّيادة على ذلك فخطبهم، وقال في خطبته: «لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النِّساء؛ فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس منِّي» (^١).
وكان من سُنَّته أن يأكل الطَّعام الطَّيِّب إن تيسَّر له، فإن لم يتيسَّر اجتزأ بما حصل، فإن لم يجد شيئًا صبر على الجوع. وكان من دعائه: «وأعوذ بك من الجوع؛ فإنَّه بئس الضَّجيع» (^٢).
وكذلك سُنَّته في اللِّباس. وعلى نحو ذلك جَرَت سُنَّة أصحابه بعده.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١)، من حديث أنس ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٤٧)، والنَّسائي (٨/ ٢٦٣) وغيرهما، من طرق عن ابن إدريس عن ابن عجلان عن المقبريِّ عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. وقد صحَّحه ابن حبَّان (١٠٢٩)، والنَّووي في «الأذكار» (ص ٣١٣)، و«رياض الصالحين» (ص ٢٦٩)، وحسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود، النُّسخة الأم» (١٣٨٣) بشواهده.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
إلَّا أنَّ بعضهم تأوَّل خبرًا في الصِّيام، فسَرَد الصَّوم، وكان بعض أصاغرهم يواصل (^١).
ثم نشأ أفرادٌ من التَّابعين رغبوا في كثرة العبادة وحبِّ العُزلة، وظهر من بعضهم التَّخاشع في الهيئة والمشي والجلوس، والصَّعق عند الذِّكر، وظهر أثر السُّجود على الجبهة = فأنكر عليهم ذلك من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين.
فأنكرت عائشة وغيرها على الذين يتخاشعون في الهيئة والمشي (^٢).
وقال لهم قائلٌ: «لا تموِّتوا علينا ديننا» (^٣).
_________________
(١) هو عبد الله بن الزُّبير ﵄، وروي أيضًا عن غيره، كما في «المصنَّف» لابن أبي شيبة (٩٦٩٢) وغيره، قال الحافظ في «فتح الباري» (٤/ ٢٠٤): «بإسنادٍ صحيحٍ».
(٢) اشتهر نسبة ذلك إليها في كتب ذمِّ البِدَع، وغريب الحديث، واللُّغة والأدب، ففيها: أنَّ رجلًا مرَّ بعائشة ﵂ متماوتًا، فقالت: مالَهُ؟ قالوا: متخشِّعٌ! قالت: «هو أخشع من عمر! وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع». ولم أره مسندًا. ويُنظَر: «الفائق» للزمخشري (١/ ٢٨٠)، و«النِّهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٧٠)، و«محاضرات الأدباء» للراغب (٢/ ٤٢٨)، و«الباعث» لأبي شامة (ص ٨٢)، وغيرها. وهو مسندٌ بنحوه عن الشفاء بنت عبد الله ﵂، كما أخرجه عنها ابن سعد في «الطَّبقات» (٣/ ٢٩٠)، ومن طريقه الطَّبري في «تاريخ الرسل والملوك» (٤/ ٢١٢)، وغيرهما.
(٣) اشتهر في كتب ذمِّ البِدَع، وغريب الحديث واللُّغة والأدب نسبة ذلك إلى عمر ﵁. ففيها: أنَّ عمر ﵁ رأى رجلًا متماوتًا في إظهار النُّسك، فعلاه بالدِّرَّة، وقال: «لا تُمِت علينا ديننا». وفي بعضها: «ارفع رأسك؛ فإنَّ الإسلام ليس بمريضٍ». ولم أره مسندًا. ويُنظَر: «النِّهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٧٠)، و«محاضرات الأدباء» للرَّاغب (٢/ ٤٢٨)، و«الباعث» لأبي شامة (ص ٨٢). ورأيته مسندًا عن عمر بنحو معناه، ولكن دون ذكر التَّماوت، فأخرج الدينوري في «المجالسة» (١٦٩١)، ومن طريقه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (١/ ٣٥٥)، بسنده عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال: «نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شابٍ قد نكس رأسه، فقال له: يا هذا ارفع رأسك؛ فإنَّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنَّما أظهر نفاقًا على نفاقٍ». وأخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الإخلاص والنيَّة» (٤٣)، وفي «الرِّقَّة والبكاء» (١٥٤)، ومن طريقه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (١/ ٣٥٥) بسنده عن كهمس بن الحسن: «أنَّ رجلًا تنفَّس عند عمر بن الخطاب ﵁ كأنَّه يتحازن، فلَكَزَه عمر ــ أو قال: ــ لكمه».
[ ٦ / ٢٧٩ ]
وأنكرت أختها أسماء وغيرها على الذين يصعقون عند الذِّكر (^١). وقال بعض المنكرين: «إنَّه من الشَّيطان» (^٢).
_________________
(١) أسنده ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ٣١٠) وغيره ــ كما في «الدُّر المنثور» (١٢/ ٦٤٩) ــ عن حصين بن عبد الرحمن قال: قلتُ لأسماء بنت أبي بكر ﵄: إنَّ ههنا رجالًا إذا قُرِئ على أحدهم القرآن غشي عليه! فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! وفي الباب عن أنسٍ وابن عمر وابن الزُّبير ﵃ وغيرهم، يُنظَر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص ٣١٠)، و«الدُّر المنثور» للسيوطي (١٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠).
(٢) أخرج عبد الرزاق في «تفسيره» (٣/ ١٧٢) وغيره [كما في «الدُّر المنثور» ١٢/ ٦٤٩] عن معمر قال: «تلا قتادة: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] قال: «هذا نعت أولياء الله، نَعَتَهم الله بأن تقشعرَّ جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئنَّ قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنَّما هذا في أهل البِدَع، وهذا من الشيطان».
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وأنكر ابن عمر وغيره على من رُئِي بجبهته أثر السُّجود (^١).
وعن ابن مسعودٍ: أنَّ بعض المتعبِّدين جعلوا لهم مسجدًا في عُزلتهم = فقال: «قوموا بنا نهدم مسجد الضِّرار»، فخرج وهَدَمه (^٢).
وكان الحسن البصري يُنكر على الذين يُخَشِّنون على أنفسهم في المَطْعَم والمَلْبَس (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣١٥٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٢٨٦)، وغيرهما، من طُرُقٍ عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن ابن عمر ﵄: أنَّه رأى أثرًا فقال: «يا عبد الله إنَّ صورة الرجل وجهه، فلا تُشِن صورتك». وفي الباب عندهما وغيرهما عن أبي الدَّرداء، ومجاهد، وغيرهما.
(٢) لم أره مسندًا. وقد ذكره ابن سعد في «الطَّبقات» (٦/ ٢٠٦) قال: «وفي غير هذا الحديث: أنَّ عمرو بن عتبة ومعضد بن يزيد العجلي بَنَيَا مسجدًا بظهر الكوفة، فأتاهم ابن مسعود ﵁ فقال: جئتُ لأكسر مسجد الخبال ..». وقد ذكره الطُّرطوشي في «الحوادث» (ص ١٤٥) ثم أبو شامة في «الباعث» (ص ٦٥) بنحوه. وأصل الخبر في إنكار ابن مسعود ﵁ على القوم الذين اجتمعوا للذِّكر بهيئةٍ مخترعةٍ في المسجد، لكن دون ذكر هدمه، أخرجه الدَّارمي في «مسنده» (٢٠٤) وغيره.
(٣) أسنده أحمد في «الزُّهد» (ص ٢٦٧) وابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ٢٤٠) أنَّ الحسن رأى فرقدًا وعليه جُبَّة صوف، فقال له: إنَّ التقوى ليس في هذا الكساء، إنَّما التَّقوى ما وَقَر في القلب وصدَّقَه العمل. وعنه أثران آخران كما في «تلبيس إبليس» (ص ٢٤١).
[ ٦ / ٢٨١ ]