ما يزال الشيطان يعلن العداوة لبني الإنسان منذ أن لُعن وطُرد من رحمة الله ﷾ ولقد طلب من الله ﷿ الإنظار وطول الحياة ليضل العباد ويفتنهم عن دينهم.
ولقد توعد العدو باتخاذ كافة السبل لذلك قال الله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:١٣ـ ١٧].
توعد عدو الله بأن يصد الناس عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله بسلوكه وحذرنا المولى سبحانه من الحياد عنه واتخاذ السبل والضلالات مكانه كما قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].يقول عبدالله بن مسعود ﵁: "إن الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبدالله هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل الله فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله" (١).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٤/ ٢١) «الشريعة» للاجري (١/ ٢٩٧).
[ ١ / ٤٢ ]
وما زال الشيطان بآدم ﵇ حتى أخرجه من الجنة وما زال ببني آدم حتى أوقع بينهم الفرقة والعداوة بصدهم عن الإيمان بالله تعالى وإيقاع الكفر والشرك الذي فرقهم قال تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ١٩].قال ترجمان القرآن عبدالله بن عباس ﵄: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً: كانوا على الإسلام كلهم (١).ويذكر الإمام عبدالرحمن بن الجوزي ﵀ كيد الشيطان لآدم ﵇ ثم كيده لأحد ولدي آدم بقتل أخيه ثم يذكر أن الأمر جرى بعد ذلك على السداد والاستقامة وكانت الأمة واحدة والدين واحد والمعبود واحد كما قال قتادة ﵀: " كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا فكادهم العدو إبليس وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين: كفارا ومؤمنين (٢) فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث (٣) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بما لم أنزل به سلطانا ..» (٤)
فالشيطان حريص على تفريق الناس وتحزيبهم بصدهم عن توحيد الله ﷿ الذي يجمعهم وإلقاء الشرك ونشره بينهم فهو كفيل بتفريقهم.
يقول ابن الجوزي ﵀: اعلم أن الأنبياء جاءوا بالبيان الكافي وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي وتوافقوا على منهاج لم يختلف فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبها وبالدواء سما وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة وبدع قبيحة فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام فابتعث الله ﷾ محمدا ﷺ فرفع القابح وشرع المصالح فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات فعادت الأهواء تنشئ بدعا وتضيف سبيلا ما زال متسعا ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعا ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح (٥).يقول عبدالله بن عباس ﵄: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها (٦)
_________________
(١) رواه أبو يعلى (٤/ ٤٧٣)، والطبراني (١١/ ٣٠٩). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» بعد أن رواه عن أبي يعلى (٦/ ٥٨): هذا إسناد رواته ثقات. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢١): رواه أبو يعلى والطبراني باختصار ورجال أبى يعلى رجال الصحيح. وقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٩٢): صحيح. وقال السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٢)، والشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٣١٧): سنده صحيح.
(٢) انظر «كيد الشيطان قبل خلق آدم ﵇» لابن الجوزي (٤٧ - ٤٩) باختصار والتصرف.
(٣) انظر «إغاثة اللهفان» لابن قيم الجوزية (٢/ ٢١٨).
(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.
(٥) انظر «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (١٠/ ١١) باختصار يسير.
(٦) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ٥٥).
[ ١ / ٤٣ ]
ويقول المولى سبحانه محذرا المؤمنين من أن تنطلي عليهم حيل الشيطان ومكائده يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون [المائدة:٩٠ـ ٩١].فالشيطان حريص على إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ليفترقوا وهو يسلك كل سبيل ليصل إلى هدفه بل إن من الأعمال المحببة إليه التفريق بين الرجل وزوجته وبضعف الأسرة يضعف المجتمع ويضعف أفراده ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت» (١).
بل إن التفريق بين الناس جماعات وأفرادا هي من مكائده وحبائله منذ قديم الزمان فهاهو ذا يسعى بالتفريق بين يوسف ﵇ وإخوته إذ يلقي العداوة والبغضاء في نفوس إخوة يوسف لأخيهم يوسف ﵇ فيقدمون على التخلص منه بإلقائه في البئر يقول تعالى حاكيا عن يوسف: وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: ١٠٠] وفي الحديث عن رسول الله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (٢).ومعناه: أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها (٣).ولذلك حرص الإسلام أشد الحرص على سد هذه الطرق في وجه الشيطان فلا يستطيع أن يلج منها ليفرق بين المؤمنين فاعتنى الإسلام بغرس معنى المحبة الإيمانية في القلوب وجعلها من أوثق عرى الإيمان وصان وحافظ على الحقوق الأخوية بالنهي عن التباغض والتحاسد والتجسس وكل ما يورث عداوة وفرقة بين المسلمين بل جعل شرط كمال الإيمان أن يحب المرء ما يحبه لنفسه ودلنا على كل ما يوطد الحب في الله ليتحقق الجسد الواحد والبناء المتراص المتلاحم الذي يصمد ويتصدى لخطط الشيطان ومكائده في التحريش بين المسلمين (٤)
يقول الله تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: ٥٣] يقول الحافظ إسماعيل بن كثير ﵀ عن هذه الآية: يأمر ﵎ عبده ورسوله أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم وأخرج الكلام إلى الفعال ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده أي: فربما أصابه (٥)
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨١٣). من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) رواه مسلم (٢٨١٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٥٦).
(٤) انظر «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٥).
(٥) انظر «تفسير القرطبي» (٣/) ١٧.
[ ١ / ٤٤ ]
ولقد دعا الله سبحانه المؤمنين كافة بالدخول في الإسلام وطاعة الله ﷿ والتمسك بها وأمرهم بلزومها وحذرهم من خطوات الشيطان وخطراته التي يوسوس بها ليصدهم عن دين الله ويفرقهم عن صراطه المستقيم فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] ولقد تفطن علي بن أبي طالب ﵁ إلى مكائد الشيطان وحيله ونبه عليها فقال حينما قتل الخوارج بالنهروان: بؤسًا لكم! لقد ضركم من غركم فقالوا: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم أنهم ظاهرون (١).
وبين الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية كيد الشيطان وحيله أنه بإلقاء الشبهات فيها وتزيين الآراء والبدع لها فيقول ﵀: ومن مكائده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيّل له أنه يضره فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان؟! وكم حال بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان؟ وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين؟ فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك في مهلكٍ بعد مهلك (٢)
أسأل الله ﷿ أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٧٨ - ١٨٤
_________________
(١) انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٢٨٨).
(٢) «إغاثة اللهفان» (١/ ١٣٠) باختصار.
[ ١ / ٤٥ ]