(إلزام المتكلمين لأهل السنة في قولهم بأن اللَّه على عرشه استوى يلزم منه التجسيم والتشبيه ورد الحنابلة عليهم وإلزامهم بما لا مفر منه)
فقالت الحنابلة، (أولًا) معاذ اللَّه أن نقول بالجسمية، أو أن نشبهه بخلقه، أو أن نقول يحويه عرش أو مكان.
ولكن نقول: استوى على عرشه كما يليق بجلاله، وأنتم إذا نفيتم أن يكون اللَّه عاليًا على خلقه، بل إنكم صرحتم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال يلزمكم أن يكون معدوما؛ لأن هذه صفات المعدوم وبهذا خالفتم صريح الكتاب والسنة، وعقائد الصحابة والتابعين وجميع المسلمين بل والكتابيين.
(ثانيًا): هذا الإلزام ليس بلازم لنا، لأن لازم المذهب ليس بلازم، فإن كان إلزامكم لازمًا لنا، فكذلك إلزامنا لكم ولا محيص لكم.
(ثالثًا): هذا الإلزام، أو نقول هذه الشبهة لا ترد على اللَّه من حيث هو مستو على العرش، ومن حيث هو في السماء، بل هي واردة عليه،
[ ٣٨ ]
من حيث هو موجود ولا شك. كأن يقال: اللَّه موجود، والموجود إما أن يكون جسمًا قائمًا بنفسه، أو عرضًا قائمًا بغيره، ولا ثالث لهذين الأمرين؛ إذ الموجودات كلها كذلك.
والله موجود، فإما أن يكون جسمًا، وإما أن يكون عرضًا، وباطل أن يكون عرضًا، فلم يبق إلا أن يكون جسمًا فهو جسم إذن، سواء أقيل أنه في السماء أم لا في السماء ولا في غيرها.
فلا ضرر إذا من القول بأنه في السماء، أو بأنه مستو على العرش، لأنه لا يلزم هذا معنى فاسد من حيث الصفة.
وحينئذ يقال: إن أمكن أن يكون ثم موجود ليس جسمًا، أمكن أن يكون ثم موجود في السماء.
أو نقول فوق العرش وليس جسمًا بالضرورة وتعالى اللَّه عن الجسمية والتشبيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
[ ٣٩ ]