فكما افترى بعض المتكلمين على الحنابلة السابقين، بأن رموا بعضهم بالتمثيل والتشبيه والتجسيم، وبعضهم بهذه الفرية، فقد افترى كثير من معاصري الشيخ المجدد المصلح الشهير محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي عليه وعلى أتباعه، وتناقلها كثير من الناس ممن نسب نفسه إلى العلم ومن العوام، ونسبوا إليه -﵀- وإلى أتباعه أنهم لا يجعلون للرسول حرمة، بل يقول أحدهم: عصاي خير من الرسول، ولا يرون للعلماء والصالحين مقامًا، وينكرون شفاعة الرسول، ويحرمون زيارة قبره وقبور سائر المؤمنين، ولا يرون الصلاة على الرسول -ﷺ- ولا يعتنون بكتب الأئمة، بل يحرقونها ويتلفونها، ولا يرون تقليدهم جائزًا، ويكفرون المسلمين من قرون عديدة، سوى من كان على معتقدهم، ويحرمون قراءة المولد النبوي.. إلى غير ذلك من المزاعم.
[ ٥٧ ]
والجواب: أن هذه الأشياء المنسوبة إليهم كلها كذب لا نصيب لها من الصحة أبدًا، وهذه كتبهم مطبوعة تباع وتوزع، فمن أراد أن يعرف كذب هذه المزاعم فليقرأ كتبهم.
وكل ما في الأمر أن الشيخ محمد عبد الوهاب -﵀- رأى أكثر أهل نجد وأهل الحجاز وأهل البصرة والعراق، كما سمع بالنقل المتواتر عن سائر الأقطار الأخرى أنهم يؤلهون قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، بل وكثيرًا من الكهوف والغيران والأشجار، يعتقدون فيها الضر والنفع، ويطوفون حول قبورهم، وينذرون لتلك القبور وتلك الأشجار، ويقدمون لها القرابين، ويحلفون بالأنبياء والصالحين، ويستغيثون بهم في الشدائد والملمات لدفع الكربات، وكشف البليات وقضاء الحاجات. ورأى تهاون أهل نجد بالصلاة ودفع الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زيادة على بدعهم وضلالهم، كما رأى علماء الأقطار وسكوتهم على تلك الترهات والمنكرات إلا من قل وندر، فقويت عزيمته وإرادته بتوفيق من الله أن يدعو الناس إلى الطريق المستقيم، فدعاهم إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وبين لهم أن اعتقادهم بأن الله، وإفراده بالعبادة، وبين لهم اعتقادهم بأن اللَّه هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، لا
[ ٥٨ ]
ينجيكم من عذاب اللَّه ما دمتم لا تخلصون لله، ولا تفردونه بالقصد والإرادة في عباداتكم بل تشركون معه نبيا أو صالحا أو شجرًا.
وبين لهم أقسام التوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، ووضح لهم أن اعتقاد توحيد الربوبية لا يكفي لدخول الإنسان في الإسلام، لأن المشركين السابقين يعتقدون هذا الاعتقاد، ولم يدخلهم في الإسلام، قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ .
بل لا بد من توحيد العبودية، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال، فالصلاة والصوم والزكاة والحج والطواف والنذر والخشية والرغبة والتوكل والذبح والاستغاثة كلها من أفراد العبادة. فمن نذر لغير اللَّه أو استغاث بغيره أو طاف بالقبور أو اعتقد بواسطتها ينال خيرا ونفعًا، أو أنها تقربهم إلى الله، فإنه بذلك الاعتقاد يكون مشركًا.
واستدل الشيخ على دعوته بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾،
[ ٥٩ ]
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
فكلمة من دون اللَّه تشمل كل معبود غيره من نبي أو ملك أو ولي أو غيرهم، واستدل الشيخ في نهيه عن عبادة الصالحين والأولياء بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وسيسأل اللَّه المسيح ﵊ يوم القيامة ليبكت المسيحيين الذين عبدوه وجعلوه إلها من دون الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهنا يتبرأ المسيح ويجيب: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾،
[ ٦٠ ]
فإذا كان اللَّه ينكر على عُباد المسيح وهو من النبيين المرسلين فكيف بمن يعبد غيره.
وبالجملة - حثهم على التمسك بالكتاب والسنة، وترك الشرك والبدع، فقامت عند ذلك قيامة الجهال، وأهل البدع والضلال، وعلماء السوء، وشنعوا على الشيخ ورموه بهذه الافتراءات، وجرى ما جرى مما سجله التاريخ.
وإلى القارئ تفنيد تلك المزاعم:
فنقول: بل يعتقدون أن رسول اللَّه -ﷺ- أفضل الأنبياء والمرسلين -فضلا عن سائر المخلوقين - ويؤمنون بشفاعته العظمى وغيرها من سائر الشفاعات.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- في رسالته التي كتبها لأهل القصيم: وأومن بشفاعته -ﷺ- وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من
[ ٦١ ]