فَصْلٌ: فِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِنَبِيٍّ أَصْلًا مَعَ جُحُودِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَهُوَ لِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ جَحْدًا، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ بَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، وَأَمَرُوا أُمَمَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَقَدْ كَذَّبَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَخَالَفَهُمْ فِيمَا أَوْصَوْا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، فَالتَّصْدِيقُ بِهِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ التَّصْدِيقِ بِهِمْ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى مَلْزُومُهُ قَطْعًا، وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا الْقَطْعَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَدْ ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى أَلْسُنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْمُلَازَمَةُ فَانْتِفَاءِ اللَّازِمُ مُوجِبٌ لِانْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي): أَنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ هِيَ دَعْوَةُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ.
فَالْمُكَذِّبُ بِدَعْوَتِهِ مُكَذِّبٌ بِدَعْوَةِ إِخْوَانِهِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جَاءُوا بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا كَذَّبَهُ الْمُكَذِّبُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ بَاطِلًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ صِدْقٌ، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا بِالْحَقِّ فَصَدَّقَهُمُ
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الْخَصْمُ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ شُهُودٌ عُدُولٌ صَادِقُونَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ سَوَاءٌ، فَقَالَ الْخَصْمُ: هَذِهِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهَا، فَذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِشَهَادَةِ جَمِيعِ الشُّهُودِ قَطْعًا، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ تَكْذِيبِهِمِ اعْتِرَافُهُ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ بِهَا كَاذِبٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ.
وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُصَدَّقْ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ): أَنَّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ آيَاتِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ آيَةٌ تُوجِبُ الْإِيمَانَ بِهِ إِلَّا وَلِمُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلُهَا، أَوْ مَا هُوَ فِي الدَّلَالَةِ مِثْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا.
فَآيَاتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، وَأَبْهَرُ وَأَدَلُّ، وَالْعِلْمُ بِنَقْلِهَا قَطْعِيٌّ لِقُرْبِ الْعَهْدِ وَكَثْرَةِ النَّقَلَةِ، وَاخْتِلَافِ أَمْصَارِهِمْ وَأَعْصَارِهِمْ، وَاسْتِحَالَةِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَالْعِلْمُ بِآيَاتِ نُبُوَّتِهِ كَالْعِلْمِ بِنَفْسِ وُجُودِهِ، وَظُهُورِهِ وَبَلَدِهِ، بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ الْمُكَابَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَالْمُكَابِرُ فِيهِ فِي غَايَةِ الْوَقَاحَةِ وَالْبَهْتِ، كَالْمُكَابَرَةِ فِي وُجُودِ مَا شَاهَدَ النَّاسُ، وَلَمْ يُشَاهِدْهُ هُوَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ وَالْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ.
فَإِنْ جَازَ الْقَدْحُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَفِي وُجُودِ مُوسَى وَعِيسَى وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِمَا أَجْوَزُ وَأَجْوَزُ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْقَدْحُ فِيهِمَا وَفِي آيَاتِ نُبُوَّتِهِمَا، فَامْتِنَاعُهُ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِ أَشَدُّ. وَلِذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِمُوسَى لَا يَتِمُّ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا، كَفَرَ بِالْجَمِيعِ وَقَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ كَمَا قَالَ
[ ٢ / ٥٧٨ ]
تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَيُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا فَغَضِبَ عَدُوُّ اللَّهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بِشْرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: وَيْحَكَ وَلَا مُوسَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بِشْرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الْآيَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْتَبٍ فَقَالُوا:
[ ٢ / ٥٧٩ ]
يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا تَأْتِيَنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى أَلْوَاحًا يَحْمِلُهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً الْآيَةَ.
فَجَثَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وَفِي لَفْظٍ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا عَلَى مُوسَى وَلَا عَلَى عِيسَى وَلَا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَبْوَتَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ؟.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا أَصْلَ الرِّسَالَةِ وَكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمْ يَجْحَدُوا نُبُوَّةَ مُوسَى وَعِيسَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، فَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَا يَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ الْإِقْرَارُ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَالْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرٌ عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مَوْصُولٌ بِهِ غَيْرُ مَفْصُولٍ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَيُقَوِّي قَوْلَهُ إِنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَهِيَ خَبَرٌ عَنْ زَنَادِقَةِ الْعَرَبِ الْمُنْكِرِينَ لِأَصْلِ النُّبُوَّةِ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَكَيْفَ يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ إِنْزَالِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى؟ وَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) وَلَا سِيَّمَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِتَاءِ الْخِطَابَ؟
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وَهَلْ ذَلِكَ صَالِحٌ لِغَيْرِ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ مَا لَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ وَأَغْرَاضَهُمْ، وَيُبْدُونَ مِنْهُ مَا سِوَاهُ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ صُورِيَا عِنْدَ إِحْضَارِ التَّوْرَاةِ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلِاسْتِشْهَادِ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ فِي حُكْمِ الرَّجْمِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَإِظْهَارِ ابْنِ سَلَامٍ زَيْفَهُ.
وَلَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ كِتَابِ مُوسَى، ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَانُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَخْفَوْا بَعْضَهُ وَأَظْهَرُوا بَعْضَهُ.
وَهَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنْ ذِكْرِ جَحْدِهِمُ النُّبُوَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ إِخْفَاءٌ لَهَا وَكِتْمَانٌ إِلَى جَحْدِ مَا أَقَرُّوا بِهِ كِتَابَهُمْ بِإِخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ، فَتِلْكَ سَجِيَّةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ لَا تُنْكَرُ، إِذْ مَنْ أَخْفَى بَعْضَ كِتَابِهِ الَّذِي يُقِرُّ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَيْفَ لَا يَجْحَدُ أَصْلَ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِالْوَحْيِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ هُمْ وَلَا آبَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى
فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَيِ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ، أَيْ إِنْ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوهُ فَصَدِّقْ بِهِ أَنْتَ وَأَقِرَّ بِهِ وَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: إِنَّ اللَّهَ ﷾ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّ بِهِ الْكِتَابِيُّونَ وَهُمْ أُولُو الْعِلْمِ دُونَ الْأُمَمِ الَّتِي لَا كِتَابَ لَهَا، أَيْ إِنْ جَحَدْتُمْ أَصْلَ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا، فَهَذَا كِتَابُ مُوسَى يُقِرُّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَاسْأَلُوهُمْ عَنْهُ.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، لِيَسْتَشْهِدَ سُبْحَانَهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِنْ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا فَمَنْ أَنْزَلَ كِتَابَ مُوسَى؟ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) فَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْيَهُودِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ لِلْخِطَابِ فَهُوَ خِطَابٌ لِهَذَا الْجِنْسِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، أَنْ تَجْعَلُونَهُ يَا مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا اعْتَمَدُوهُ فِي كِتَابِهِمْ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ، وَأَبْدَوْا بَعْضَهُ وَأَخْفَوْا كَثِيرًا مِنْهُ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِمْ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ) خِطَابًا لِمَنْ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَلْ هَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ وَشِبْهِهِ وَلَازِمِهِ.
وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَاسْتَطْرَدَ مِنَ الشَّخْصِ الْمَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ وَهُوَ آدَمُ ﵇ إِلَى النَّوْعِ الْمَخْلُوقِ مِنَ النُّطْفَةِ وَهُمْ أَوْلَادُهُ، وَأَوْقَعَ الضَّمِيرَ عَلَى الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ إِلَى آخِرِ
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الْآيَاتِ، وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ إِنْكَارُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُكَابَرَتُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الْجَحْدِ وَالتَّكْذِيبِ الْعَامِّ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ إِنْ أَقَرُّوا بِبَعْضِ النُّبُوَّاتِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْإِيمَانُ بِنَبِيٍّ وَجَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ نُبُوَّتُهُ أَظْهَرُ وَآيَاتُهَا أَكْبَرُ، وَأَعْظَمُ مِمَّنْ أَقَرُّوا بِهِ.
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ يَتَعَالَى وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْكَارًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَحُكْمِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالظَّنِّ السَّيِّءِ بِهِ أَنَّهُ خَلَقَ خَلْقَهُ عَبَثًا بَاطِلًا، وَأَنَّهُ خَلَّاهُمْ سُدًى مُهْمَلًا، وَهَذَا يُنَافِي كَمَالَهُ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ كُلِّ مَا يُنَافِي كَمَالَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَ كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ وَإِرْسَالَهُ الرُّسُلَ إِلَى خَلْقِهِ فَمَا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَلَا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، مُعَطِّلٌ جَاحِدٌ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَإِرْسَالِ رُسُلِهِ، وَإِنْزَالِهِ كُتُبِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ جَحْدُ نُبُوَّةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَتَكْذِيبُهُ إِنْكَارًا لِلرَّبِّ تَعَالَى فِي
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الْحَقِيقَةِ وَجُحُودًا لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ، بَلْ وَلَا بِوُجُودِهِ، مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُنَاظَرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَلَا يُجَامِعُ الْكُفْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ أَصْلًا، كَمَا لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ بِالْمَعَادِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَصْلًا، وَقَدْ ذَكَرَ ﷾ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ.
وَالثَّانِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ.
فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِنَّمَا جَاءَ بِتَعْرِيفِ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالتَّعْرِيفِ بِحُقُوقِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ أَنْكَرَ رِسَالَتَهُ فَقَدْ أَنْكَرَ الرَّبَّ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ وَحُقُوقَهُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، بَلْ نَقُولُ: لَا يُمْكِنُ الِاعْتِرَافُ بِالْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مَعَ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا لِمَنْ تَأَمَّلَ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَدْيَانِهِمْ، فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَمْ يُمْكِنْهُمُ
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الِاعْتِرَافُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَتَفَاصِيلِهِمَا، وَتَفَاصِيلِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ مَعَ إِنْكَارِ النُّبُوَّاتِ، بَلْ وَالْحَقَائِقُ الْمُشَاهَدَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا، لَمْ يُثْبِتُوهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا أَثْبَتُوا حَقِيقَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا ثَمَرَةُ إِنْكَارِهِمُ النُّبُوَّاتِ.
فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِدْرَاكَ الْحَقَائِقِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّ عُقُولَهُمْ كَافِيَةٌ فِي إِدْرَاكِهَا، فَلَمْ يُدْرِكُوا مِنْهَا شَيْئًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَا الْمَاءَ وَلَا الْهَوَاءَ وَلَا الشَّمْسَ وَلَا غَيْرَهَا، فَمَنْ تَأَمَّلَ مَذَاهِبَهُمْ فِيهَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوهَا، وَإِنْ عَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَأَضَلُّ وَأَضَلُّ، وَأَمَّا عُبَّادُ الْأَصْنَامِ فَلَا عَرَفُوا الْخَالِقَ، وَلَا عَرَفُوا حَقِيقَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا مَيَّزُوا بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَبَيْنَ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْخَبِيثَةِ، وَبَيْنَ أَحْسَنِ الْحَسَنِ وَأَقْبَحِ الْقَبِيحِ، وَلَا عَرَفُوا كَمَالَ النَّفْسِ وَمَا تَسْعَدُ بِهِ، وَنَقْصَهَا وَمَا تَشْقَى بِهِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ عَرَفْتَ مَا الَّذِي أَدْرَكُوهُ مِنْ مَعْبُودِهِمْ وَمَا وَصَفُوهُ بِهِ، وَمَا الَّذِي قَالُوهُ فِي نَبِيِّهِمْ، وَكَيْفَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ أَلْبَتَّةَ، وَوَصَفُوا اللَّهَ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، وَوَصَفُوا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا عَرَفُوا اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ، وَالْمَعَادُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ حَقِيقَةٍ، إِذْ لَا أَكْلَ عِنْدِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا شُرْبَ وَلَا زَوْجَةَ هُنَاكَ، وَلَا حُورَ عِينٍ يَلَذُّ بِهِنَّ الرِّجَالُ كَلَذَّاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا عَرَفُوا حَقِيقَةَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا تَسْعَدُ بِهِ وَتَشْقَى، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي أَلْبَتَّةَ.
فَلَا لِأَنْفُسِهِمْ عَرَفُوا وَلَا لِفَاطِرِهَا وَبَارِيهَا، وَلَا لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا فِي فَلَاحِهَا وَسَعَادَتِهَا، وَلَا لِلْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّهَا جَمِيعَهَا فَقِيرَةٌ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ نَاطِقُهَا آدَمِيُّهَا وَجِنُّهَا
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وَمَلَكُهَا، وَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبْدُهُ وَمِلْكُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مَرْبُوبٌ فَقِيرٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا.
وَأَمَّا الْيَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - فَقَدْ حَكَى اللَّهُ لَكَ عَنْ جَهْلِ أَسْلَافِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِلْعِجْلِ وَضَلَالِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ الَّتِي بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِنْ غَبَاوَتِهِمْ وَبَلَادَتِهِمْ أَنْ جَعَلُوهُ عَلَى صُورَةِ أَبْلَهِ الْحَيَوَانِ، وَأَقَلِّهِ فَطَانَةً الَّذِي يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِ فِي قِلَّةِ الْفَهْمِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْجَهَالَةِ وَالْغَبَاوَةِ الْمُجَاوِزَةِ لِلْحَدِّ، كَيْفَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ شَاهَدُوا مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَعَظَمَةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ مَا لَمْ يُشَاهِدْهُ سِوَاهُمْ؟!
وَإِذْ قَدْ عَزَمُوا عَلَى اتِّخَاذِ إِلَهٍ دُونَ اللَّهِ فَاتَّخَذُوهُ وَنَبِيُّهُمْ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، لَمْ يَنْتَظِرُوا مَوْتَهُ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَلَا مِنَ الْأَحْيَاءِ النَّاطِقِينَ، بَلِ اتَّخَذُوهُ مِنَ الْجَمَادَاتِ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْعُلْوِيَّةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْأَرْضِيَّةِ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي خُلِقَتْ فَوْقَ الْأَرْضِ عَالِيَةً عَلَيْهَا كَالْجِبَالِ وَنَحْوِهَا، بَلْ مِنْ جَوَاهِرَ لَا تَكُونُ إِلَّا تَحْتَ الْأَرْضِ، وَالصُّخُورُ وَالْأَحْجَارُ عَالِيَةٌ عَلَيْهَا! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنْ جَوْهَرٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الصَّنْعَةِ، وَإِدْخَالِ النَّارِ وَتَقْلِيبِهِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً، وَضَرْبِهِ بِالْحَدِيدِ وَسَبْكِهِ، بَلْ مِنْ جَوْهَرٍ يَحْتَاجُ إِلَى نَيْلِ الْأَيْدِي لَهُ بِضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ النَّارَ
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وَإِحْرَاقِهِ وَاسْتِخْرَاجِ خَبَثِهِ، وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَصُوغُوهُ عَلَى تِمْثَالِ مَلَكٍ كَرِيمٍ، وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلَا عَلَى تِمْثَالِ جَوْهَرٍ عُلْوِيٍّ لَا تَنَالُهُ الْأَيْدِي، بَلْ عَلَى تِمْثَالِ حَيَوَانٍ أَرْضِيٍّ، وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَصُوغُوهُ عَلَى مِثَالِ أَشْرَفِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَقْوَاهَا وَأَشَدِّهَا امْتِنَاعًا مِنَ الضَّيْمِ كَالْأَسَدِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهِمَا، بَلْ صَاغُوهُ عَلَى تِمْثَالِ أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَقْبَلِهِ لِلضَّيْمِ وَالذُّلِّ بِحَيْثُ تُحْرُثُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَيُسْقَى عَلَيْهِ بِالسَّوَاقِي وَالدَّوَالِيبِ، وَلَا لَهُ قُوَّةٌ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ، فَأَيُّ مَعْرِفَةٍ لِهَؤُلَاءِ بِمَعْبُودِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ وَبِحَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ؟
وَحَقِيقٌ بِمَنْ سَأَلَ نَبِيَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ إِلَهًا فَيَعْبُدَ الْأَصْنَامَ إِلَهًا مَجْعُولًا بَعْدَ مَا شَاهَدَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ أَنْ لَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ وَلَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتَهُ وَدِينَهُ، وَلَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْمَخْلُوقِ وَحَاجَتَهُ وَفَقْرَهُ، وَلَوْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مَعْبُودَهُمْ وَرَسُولَهُ لَمَا قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، وَلَا قَالُوا لَهُ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا.
وَلَا قَتَلُوا نَفُسًا، وَطَرَحُوا الْمَقْتُولَ عَلَى أَبْوَابِ الْبَرَاءِ مِنْ قَتْلِهِ وَنَبِيُّهُمْ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالْوَحْيُ يَأْتِيهِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَكَأَنَّهُمْ جَوَّزُوا أَنْ يَخْفَى هَذَا عَلَى اللَّهِ كَمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟!
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وَلَوْ عَرَفُوا مَعْبُودَهُمْ لَمَا قَالُوا فِي بَعْضِ مُخَاطَبَاتِهِمْ لَهُ: يَا أَبَانَا انْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِكَ لَا تَنَمْ.
وَلَوْ عَرَفُوهُ لَمَا سَارَعُوا إِلَى مُحَارَبَةِ أَنْبِيَائِهِ وَقَتْلِهِمْ وَحَبْسِهِمْ وَنَفْيِهِمْ، وَلَمَا تَحَايَلُوا عَلَى تَحْلِيلِ مَحَارِمِهِ وَإِسْقَاطِ فَرَائِضِهِ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ.
وَلَقَدْ شَهِدَتِ التَّوْرَاةُ بِعَدَمِ فَطَانَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ مِنَ الْأَغْبِيَاءِ.
وَلَوْ عَرَفُوهُ لَمَا حَجَرُوا عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ فِي وَقْتٍ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ يُزِيلَ الْأَمْرَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ، وَيُبَدِّلَ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَنْهَى عَنْهُ، ثُمَّ يُبِيحَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، كَمَا هُوَ شَاهِدٌ فِي أَحْكَامِهِ الْقَدَرِيَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ نِظَامُ الْعَالَمِ وَلَا مَصْلَحَتُهُ إِلَّا بِتَبَدُّلِهَا وَاخْتِلَافِهَا بِحَسْبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ، فَلَوِ اعْتَمَدَ طَبِيبٌ أَنْ لَا يُغَيِّرَ الْأَدْوِيَةَ وَالْأَغْذِيَةَ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَحْوَالِ لَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَعُدَّ مِنَ الْجُهَّالِ، فَكَيْفَ يُحْجَرُ عَلَى طَبِيبِ الْقُلُوبِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَتَبَدَّلَ أَحْكَامُهُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا قَدْحٌ فِي حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمُلْكِهِ التَّامِّ وَتَدْبِيرِهِ بِخَلْقِهِ؟
وَمِنْ جَهْلِهِمْ بِمَعْبُودِهِمْ وَرَسُولِهِ وَأَمْرِهِ، أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ الْمَدِينَةِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُجَّدًا، وَيَقُولُوا حِطَّةٌ، فَيَدْخُلُوا مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ سَائِلِينَ مِنْهُ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَائِهِمْ بَدَلَ السُّجُودِ لِلَّهِ، وَيَقُولُونَ: حِنْطًا سُقْمًا، أَيْ حِنْطَةٌ سَمْرَاءُ، فَذَلِكَ سُجُودُهُمْ وَخُضُوعُهُمْ، وَهَذَا اسْتِغْفَارُهُمْ وَاسْتِقَالَتُهُمْ مِنْ
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ذُنُوبِهِمْ، وَمِنْ جَهْلِهِمْ وَغَبَاوَتِهِمْ أَنَّ اللَّهَ ﷾ أَرَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ آيَاتِ قُدْرَتِهِ وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كِتَابَهُ وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِقُوَّةٍ، فَيَعْبُدُونَهُ بِمَا فِيهِ، كَمَا خَلَّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ وَالْقِبْطِ، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَنَتَقَ الْجَبَلَ الْعَظِيمَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ عَلَى قَدْرِهِمْ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا طَبَقْتُهُ عَلَيْكُمْ فَقَبِلُوهُ مِنْ تَحْتِ الْجَبَلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: رَفَعَ اللَّهُ الْجَبَلَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَلِ وُجُوهِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْبَحْرُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَنُودُوا إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا أَرْضَخْتُكُمْ بِهَذَا، وَأَحْرَقْتُكُمْ بِهَذَا، وَأَغْرَقْتُكُمْ بِهَذَا، فَقَبِلُوا وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَلَوْلَا الْجَبَلُ مَا أَطَعْنَاكَ، وَلَمَّا آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا الْآيَاتِ، وَرَأَوُا الْعَجَائِبَ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَى بَعْضِهَا الْبَشَرُ، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً.
وَكَانَ اللَّهُ ﷾ قَدْ أَمَرَ كَلِيمَهُ مُوسَى ﵊ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ خِيَارِهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِهِ، فَاخْتَارَهُمْ مُوسَى وَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْحِجَابِ، وَقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوا الرَّبَّ ﷾ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى، وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَيَعْهَدُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْغَمَامُ، قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً.
وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ هَارُونَ ﵇ لَمَّا مَاتَ وَدَفَنَهُ مُوسَى قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، حَسَدْتَهُ عَلَى خُلُقِهِ وَلِينِهِ مِنْ مَحَبَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، قَالَ: فَاخْتَارُوا
[ ٢ / ٥٨٩ ]
سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَقَفُوا عَلَى قَبْرِ هَارُونَ، فَقَالَ مُوسَى: يَا هَارُونُ، أَقُتِلْتَ أَمْ مُتَّ؟ فَقَالَ: بَلْ مُتُّ وَمَا قَتَلَنِي أَحَدٌ.
فَحَسْبُكَ مِنْ جَهَالَةِ أُمَّةٍ وَجَفَائِهِمْ أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا نَبِيَّهُمْ وَنَسَبُوهُ إِلَى قَتْلِ أَخِيهِ، فَقَالَ مُوسَى: مَا قَتَلْتُهُ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ وَبَرَّأَهُ أَخُوهُ مِمَّا رَمَوْهُ بِهِ.
وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ ﷾ شَبَّهُهُمْ فِي حَمْلِهِمُ التَّوْرَاةَ، وَعَدَمِ الْفِقْهِ فِيهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا بِالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ مِنَ النِّدَاءِ عَلَى جَهَالَتِهِمْ وُجُوهٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
أَنَّ الْحِمَارَ مِنْ أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْبَلَادَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ غَيْرَ الْأَسْفَارِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَلَقٍ أَوْ مَاءٍ لَكَانَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ مَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حِينَ حُمِّلُوهَا حَيْثُ حُمِّلُوهَا تَكْلِيفًا وَقَهْرًا لَا أَنَّهُمْ حَمَلُوهَا طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، بَلْ كَانُوا كَالْمُكَلَّفِينَ لَمَّا حُمِّلُوا لَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حَيْثُ حُمِّلُوهَا تَكْلِيفًا وَقَهْرًا لَمْ يَرْضَوْا بِهَا وَلَمْ يَحْمِلُوهَا رِضَاءً وَاخْتِيَارًا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا، وَأَنَّهُمْ إِنْ حَمَلُوهَا اخْتِيَارًا كَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْتِزَامِ مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ إِلَى ضِدِّهِ مِنْ غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ، وَعَدَمِ الْفَطَانَةِ، وَمِنْ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ طَلَبُوا عِوَضَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى
[ ٢ / ٥٩٠ ]
اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَطْيَبِ الْأَطْعِمَةِ وَأَنْفَقِهَا وَأَوْفَقِهَا لِلْغِذَاءِ الصَّالِحِ: الْبَقْلَ وَالْقِثَّاءَ وَالْفُومَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ، وَمَنْ رَضِيَ بِاسْتِبْدَالِ هَذِهِ الْأَغْذِيَةِ عِوَضًا عَنِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى لَمْ يُسْتَكْثَرْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَالضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَالْغَضَبَ بِالرِّضَى، وَالْعُقُوبَةَ بِالرَّحْمَةِ، وَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَلَا كِتَابَهُ، وَلَا رَسُولَهُ، وَلَا نَفْسَهُ.
وَأَمَّا نَقْضُهُمْ مِيثَاقَهُمْ وَتَبْدِيلُهُمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، وَتَحْرِيفُهُمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَأَكْلُهُمُ الرِّبَا، وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلُهُمُ الرِّشَا، وَاعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَكْذِيبُهُمْ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، وَرَمْيُهُمْ لَهُ وَلِأُمِّهِ بِالْعَظَائِمِ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَتَفَرُّدُهُمْ دُونَ الْأُمَمِ بِالْخُبْثِ وَالْبَهْتِ، وَشِدَّةُ مُكَالَبَتِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا، وَقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ وَحَسَدُهُمْ، وَكَثْرَةُ سِحْرِهِمْ فَإِلَيْهِ النِّهَايَةُ.
وَهَذَا وَأَضْعَافُهُ مِنَ الْجَهْلِ وَفَسَادِ الْعَقْلِ قَلِيلٌ عَلَى مَنْ كَذَّبَ رُسُلَ اللَّهِ، وَبَاءَ بِمُعَادَاتِهِ وَمُعَادَاةِ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَأَهْلِ وِلَايَتِهِ.
فَأَيُّ شَيْءٍ عَرَفَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ وَرُسُلَهُ؟ وَأَيُّ حَقِيقَةٍ أَدْرَكَ مَنْ فَاتَتْهُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ؟ وَأَيُّ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ حَصَلَ لِمَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَالْعَمَلُ بِمَرْضَاتِهِ وَمَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهِ وَمَا لَهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
فَأَهْلُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالْبَغْيِ إِلَّا مَنْ أَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ النُّبُوَّةِ، كَمَا فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ
[ ٢ / ٥٩١ ]
ضَلَّ فَكَذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْعِلْمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ لِيُخْرِجُوا النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، فَمَنْ أَجَابَهُمْ خَرَجَ إِلَى الْفَضَاءِ وَالنُّورِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ بَقِيَ فِي الضِّيقِ وَالظُّلْمَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا، وَهِيَ ظُلْمَةُ الطَّبْعِ وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ وَظُلْمَةُ الْهَوَى وَظُلْمَةُ الْغَفْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَكَمَالِهَا وَمَا تَسْعَدُ بِهِ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا.
فَهَذِهِ كُلُّهَا ظُلُمَاتٌ، خُلِقَ فِيهَا الْعَبْدُ فَبَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ لِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا إِلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى الَّذِي لَا سَعَادَةَ لِلنَّفْسِ بِدُونِهِ أَلْبَتَّةَ، فَمَنْ أَخْطَأَهُ هَذَا النُّورُ أَخْطَأَهُ حَظُّهُ وَكَمَالُهُ وَسَعَادَتُهُ، وَصَارَ يَتَقَلَّبُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَقَوْلُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَقَصْدُهُ ظُلْمَةٌ، وَهُوَ مُتَخَبِّطٌ فِي ظُلُمَاتِ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ وَجَهْلِهِ، وَوَجْهُهُ مُظْلِمٌ، وَقَلْبُهُ مُظْلِمٌ، لِأَنَّهُ مُبَقًّى عَلَى الظُّلْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْعَقَائِدِ إِلَّا ظُلُمَاتُهَا، فَلَوْ أَشْرَقَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ عَلَى بَصَائِرِ الْخَفَّاشِ.
بَصَائِرُ غَشَّاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ وَلَاءَمَهَا قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ
يَكَادُ نُورُ النُّبُوَّةِ يُلَمِّعُ تِلْكَ الْأَبْصَارَ، وَيَخْطَفُهَا لِشِدَّتِهِ وَضَعْفِهَا، فَتَهْرُبُ إِلَى الظُّلُمَاتِ لِمُوَافَقَتِهَا لَهَا وَمُلَاءَمَتِهَا إِيَّاهَا.
وَالْمُؤْمِنُ عَمَلُهُ نُورٌ وَقَوْلُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَقَصْدُهُ نُورٌ، فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي النُّورِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ ٢ / ٥٩٢ ]
ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الْكُفَّارِ وَأَعْمَالَهُمْ وَتَقَلُّبَهُمْ فِي الظُّلُمَاتِ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[ ٢ / ٥٩٣ ]