فنقول: (أمَّا المسألة الأُولى) وهي قول السائل: (قد اشتهر عندكم بأنَّ أهل الكتابَيْن ما مَنَعَهُمْ من الدُّخول في الإسلام إِلَّا الرِّيَاسةُ والمَأْكَلَةُ لا غير) = فكلامُ جاهلٍ بما عند المسلمين (وبما عند الكفَّار) (^١).
أمَّا المسلمون؛ فلم يقولوا: إنَّه لم يمنعْ أهلَ الكتاب مِنَ الدُّخول في الإسلام إلا الرِّياسةُ والمأكلة لا غير. وإن قال هذا بعضُ عوامِّهم، فلا يلزم جماعتَهم.
والممتنعون (^٢) من الدخول في الإسلام من أهل الكتابين وغيرهم جزءٌ يسير جدًّا بالإضافة إلى الدَّاخلين فيه منهم، بل أكثر الأُمم دخلوا في الإسلام طوعًا ورَغْبَةً واختيارًا، لا كرهًا ولا اضطرارًا، فإن الله ﷾ بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى أهل الأرض، وهم خمسة أصناف، قد طبقوا الأرض: يهود، ونصارى، ومَجُوسٌ، وصَابِئَة (^٣)، ومشركون. وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها.
فأمَّا اليهود؛ فأكثر ما كانوا باليمن وخَيْبَر والمدينةِ وما حولها، وكانوا بأطراف الشام مُسْتَذَلِّين مع النَّصارى، (وكان منهم بأرض فارس فرقة مستذلَّة مع المجوس) (^٤)، وكان منهم بأرض المغرب (^٥) فِرْقَةٌ، وأعزَّ ما كانوا بالمدينة وخيبر، وكأن الله سبحانه قد قطَّعهم في الأرض
_________________
(١) في "ج": "والكفار".
(٢) في "غ": "والمنتفعون".
(٣) في "ب": "صابئية".
(٤) ساقط من "غ".
(٥) في "غ": "الغرب" وفي "ص": "العرب".
[ ٢٧ ]
أُممًا وسلبهم المُلْكَ والعِزَّ.
وأمَّا النصارى؛ فكانوا طَبَقَ (^١) الأرض؛ فكانت الشَّام كلُّها نصارى، وأرضُ المغرب كان الغالب عليهم النصارى، وكذلك أرض مِصْرَ، والحَبَشَةِ، والنُّوْبَةِ، والجزيرة، والمَوْصِل، وأرضِ نَجْرَانَ وغيرها من البلاد.
وأما المجوس؛ فهم أهل مملكة فارس وما اتَّصل بها.
وأمَّا الصَّابِئَةُ (^٢)؛ فأهلُ حَرَّانَ، وكثيرٌ من بلاد الروم.
وأما المشركون؛ فجزيرةُ العربِ جميعُها، وبلادُ الهندِ، وبلاد التُّرك وما جاورها.
وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة. ودينُ الحُنَفَاءِ لا يعرف فيهم البتَّة.
وهذه الأديان الخمسة كلُّها للشيطان، كما قال ابن عباس ﵄ وغيره: الأديان ستة، واحد للرحمن، وخمسة للشيطان (^٣).
وهذه الأديان الستة مذكورةٌ في آية الفصل، في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ
_________________
(١) في "غ": "أطبق".
(٢) في "ب": "الصابئية".
(٣) انظر: "تفسير الطبري": (٩/ ١٢٠) (طبعة دار الكتب العلمية)، وقال السيوطي في "الدر المنثور": (٦/ ١٦): "أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة".
[ ٢٨ ]
أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
فلما بعث الله رسوله ﷺ استجاب له، ولخلفائه بعده، أكثرُ أهل (^١) الأديان طوعًا واختيارًا، ولم يُكْرِه أحدًا قط على الدين، وإنما كان (يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه: فلم) (^٢) يقاتله ولم يُكْرِهْهُ على الدخول في دينه، امتثالًا لأمر ربِّه -سبحانه- حيث يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وهذا نفيٌ في معنى النهي، أي لا تكْرِهُوا أحدًا على الدِّين.
نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهوَّدوا وتنصَّروا (^٣) قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسْلَمَ الآباءُ وأرادوا إكراهَ الأولاد على الدِّين، فنهاهم اللهُ -سبحانه- عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام (^٤).
والصحيح أَنَّ الآية على عمومها في حقِّ كلِّ كافرٍ. وهذا ظاهرٌ على قول من يجوِّز أخْذَ الجزية من جميع الكفار، فلا يُكْرَهُونَ على الدخول في الدِّين، بل إمَّا أن يدخلوا في الدين، وإما أن يُعْطُوا الجزية، كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة، وإن استثنى هؤلاء بعضَ عَبَدَةِ الأوثان.
_________________
(١) ساقط من "ج، ب".
(٢) ساقط من "غ".
(٣) في "غ": "أو تنصروا".
(٤) انظر الروايات في: "سنن أبي داود"؛ كتاب الجهاد، باب الأسير يكره على الاسلام: (٤/ ٢٠)، "تفسير الطبري": (٥/ ٤٠٩ - ٤١٠)، "تفسير البغوي": (١/ ٢٧١ - ٢٧٢)، "تفسير النسائي": (١/ ٢٧٣ - ٢٧٦).
[ ٢٩ ]
ومَنْ تأمَّل سيرة النبيِّ ﷺ تبيَّن له أنه لم يُكْرِهْ أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله. وأما من هَادَنَهُ: فلم يُقاتِلْه مادام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يَفيَ لهم بعهدهم (^١) ما استقاموا له، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
ولما قَدِمَ المدينةَ صالح اليهودَ، وأقرَّهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم؛ فمنَّ على بعضهم، وأجلى بعضَهم، وقتل بعضهم (^٢).
وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين لم يبدأهم بقتالٍ حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم (^٣). وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم أُحُدٍ، ويوم الخَنْدَقِ، ويوم بَدْرٍ أيضًا، هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.
والمقصود: أنه ﷺ لم يُكْرِهْ أحدًا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناسُ في دينه اختيارًا وطوعًا؛ فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبيَّنَ لهم الهدى وأنَّه رسولُ الله حقًّا.
فهؤلاء أهل اليمن، كانوا على دين اليهوديَّة أو أكثرهم، كما قال النبي ﷺ لمعاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فليكنْ
_________________
(١) في "غ": "بعدهم".
(٢) انظر الروايات في: "صحيح البخاري": (٦/ ٣٢٩)، "صحيح مسلم" (٣/ ١٣٨٧ - ١٣٨٨)، "أنساب الأشراف" للبلاذري: (١/ ٢٨٦).
(٣) انظر: "صحيح البخاري": (٥/ ٣١٢) و(٣٢٩ - ٣٣٣)، "صحيح مسلم": (٣/ ١٤٠٩ - ١٤١٣)، "مسند الإمام أحمد": (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٦).
[ ٣٠ ]
أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله" وذكر الحديث (^١). ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة.
وكذلك مَنْ أسلم من يهود المدينة، وهم جماعة كثيرون غير عبد الله (بن سلام) (^٢) مذكورون في كتب السِّيَر والمغازي؛ لم يُسْلِموا رغبةً في الدنيا، ولا رهبةً من السيف، بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سَوْطٍ ولا نَوْطٍ (^٣)؛ بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن مع ضعف (^٤) شوكة المسلمين وقلة (^٥) ذات أيديهم، فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام (^٦) لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار؛ مِنْ ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه.
فإنْ كان كثير من الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسِينَ ومَنْ ذكره هذا السائل قد اختاروا الكفر = فقد أسلم جمهور أهل الأَرض من فِرَقِ الكفَّار ولم يَبْقَ إلا الأقلُّ بالنسبة إلى من أسلم.
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن: (٨/ ٦٤)، ومسلم في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين برقم (١٠٩): (١/ ٤٣٩).
(٢) ساقط من "غ".
(٣) من غير ضربٍ لهم ولا تعليق.
(٤) ساقط من "ب، غ".
(٥) في "ج": "مع قلة".
(٦) في "ب، ج": "دين الإسلام".
[ ٣١ ]
فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء (^١) الشام ثم صاروا مسلمين إلا النادر، فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض.
وكذلك المجوس كانت أمةً لا يُحْصِي (^٢) عدَدَهُمْ إلا الله فأطبقوا على الإسلام لم يتخلَّفْ منهم إلا النادر، وصارت بلادهم بلاد إسلام، وصار مَنْ لم يُسْلِم منهم تحت الجزية والذلة (^٣).
وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يَبْقَ منهم إلا شِرْذِمَةٌ قليلة مقطَّعة في البلاد.
فقول هذا الجاهل؛ (إن هاتين الأمتين لا يحصي عددهم إلا الله كفروا بمحمد ﷺ) = كذبٌ ظاهر وبَهْتٌ مبين، حتى لو كانوا كلُّهم قد أجمعوا على اختيار الكفر لكانوا في ذلك أُسوةَ قومِ نوحٍ، وقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم، وقد أطبقوا على الكفر (^٤) إلا قليلًا (^٥) منهم كما قال تعالى:
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
وهم كانوا أضعافَ أضعافِ هاتين الأُمتين الكافرتين أهلِ الغضب وأهل الضَّلال.
_________________
(١) في "ب، ج": "أهل".
(٢) في "ب": "تحصى".
(٣) ساقط من "ج".
(٤) في "ب": "اختيار الكفر".
(٥) في "غ": "قليل".
[ ٣٢ ]
وعادٌ (^١) أَطبقوا على الكفر، وهم أمة عظيمة عقلاء، حتى (^٢) استؤصلوا بالعذاب.
وثمودُ (^٣) أطبقوا جميعهم على الكفر بعد رؤية الآية العظيمة التي يؤمن على مثلها البشر، ومع هذا فاختاروا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
فهاتان أُمَّتَان عظيمتان من أكبر الأُمم قد أَطْبَقَتَا على الكفر مع البصيرة، فأمة الغضب والضَّلال إذا أطْبَقَتَا على الكفر فليس ذلك بِبِدْعٍ.
وهؤلاء قوم فرعون مع كثرتهم قد أطبقوا على جحد نبوة موسى مع تظاهر الآيات الباهرة آيةً بعد آية؛ فلم يؤمن منهم إلا رجل واحد كان يكتم إيمانه.
وأيضًا، فيقال للنصارى: هؤلاء اليهود مع كثرتهم في زمن المسيح حتى كانوا ملء (^٤) بلاد الشام كما قال تعالى:
_________________
(١) في "ب، ج": "وقوم عاد".
(٢) في "ب، ج، غ": "حين".
(٣) في "ب، ج": "وقوم ثمود".
(٤) في "غ": "ملأوا".
[ ٣٣ ]
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وكانوا قد أطبقوا على تكذيب المسيح وجحدوا نبوته، وفيهم الأحبار والعُبَّاد والعلماء حتى آمن به الحَوَارِيُّون. فإذا جاز على اليهود -وفيهم الأحبار والعُبَّاد والزُّهَّاد وغيرهم- الإطباقُ على جَحْدِ نبوَّة المسيح والكفر به -مع ظهور آيات صدقه كالشمس- جاز عليهم إنكار نبوة محمدٍ ﷺ، ومعلومٌ أنَّ جواز ذلك على أُمَّة الضلال الذين هم أضلُّ من الأنعام -وهم النصارى- أَوْلَى وأَحْرَى.
فهذا السؤال الذي أَوْرَدَهُ هذا السائلُ واردٌ بعينه في حقِّ كلِّ نبيٍّ كذَّبَتْهُ أمةٌ من الأمم.
فإنْ صوَّبَ هذا السائلُ رأيَ تلك الأمم (^١) كلِّها فقد كفر بجميع الرسل، وإنْ قال: إنَّ الأنبياء كانوا على الحقِّ وكانت تلك الأمم -مع كثرتها ووفور عقولها- على الباطل فلأنْ (^٢) يكون المكذِّبون بمحمد ﷺ -وهم الأقلون الأذلون الأرذلون من هذه الطوائف- على الباطل أَوْلَى وأحرى.
وأي أمة من الأمم اعْتبَرْتَهَا وجدتَ المصدِّقين بنبوة محمدٍ ﷺ جمهورَهَا، وأقلُّها وأراذلُها (^٣) هم الجاحدون لنبوَّته.
فرقعة الإِسلام قد اتَّسعتْ في مشارق الأرض ومغاربها غايةَ الاتِّساع
_________________
(١) في "ب": "الأمة".
(٢) في "ب، ص، ج": "فلئن".
(٣) في "ج، غ": "رذالها".
[ ٣٤ ]
بدخولِ هذه الأمم في دينه (وتَصديقِهم برسالته، وبقي مَنْ لم يدخلْ منهم في دينه، وهم من كلِّ أمةٍ أقلُّها) (^١). وأين يقع النصارى المكذِّبون برسالته اليومَ من أمة النصرانيَّةِ الذين كانوا قبله؟!
وكذلك اليهودُ والمجوسُ والصَّابِئَةُ؛ لا نسبة للمكذِّبين برسالتهِ بعد بَعْثِهِ إلى جملة تلك الأمة قبل بَعْثهِ.
وقد أخبر -تعالى- عن الأمم التي أطبقت على تكذيب الرسل ودمَّرها الله -تعالى- فقال تعالى:
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤].
فأخبر عن هؤلاء الأمم أنهم تطابقوا على تكذيب رسلهم وأنه عمَّهم بالإهلاك.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
ومعلوم قطعًا أنَّ الله -تعالى- لم يهلك هذه الأُممَ الكثيرةَ إلا بعد ما تبيَّن لهم الهدى، فاختاروا عليه الكفْرَ، ولو لم يتبيَّنْ لهمُ الهدى لم يُهْلِكْهُمْ، كما قال تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا
_________________
(١) ساقط من "ب".
[ ٣٥ ]
آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
أي فلم يكن قريةٌ آمنت فنفعها إيمانُها إلَّا قوم يونس.
ومعلوم قطعًا أنَّه لم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ولم يتبعه من الأُمم ما صُدِّقَ محمدُ بنُ عبدِ الله ﷺ. والذين اتَّبعوه من الأمم أضعاف (^١) هاتين الأمتين المكذِّبتين مما لا يحصيهم (إلا الله) (^٢)، ولا يستريب من له مُسْكة من عقل أنَّ الضلال (^٣) والجهل والغيَّ وفساد العقل إلى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه إلى أتباعه ومَنْ أقرَّ بنبوته.
وحينئذ فيقال: كيف جاز على هؤلاء الأمم -التي لا يحصيهم (^٤) إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم- الإطباقُ على اتِّباع من يكذب على الله (وعلى رسله، و) (^٥) على العقل، ويحلُّ ما حرَّمَ الله (ورسُلُه، ويحرِّم ما أحلَّه الله ورسلُه.
ومعلوم أنَّ الكاذب على الله) (^٦) في دعوى الرسالة (^٧) هو شَرُّ خلقِ الله وأفْجَرُهم (^٨) وأظلمهم وأكذبهم.
_________________
(١) في "ج": "أضعاف أضعاف".
(٢) ساقط من "ج".
(٣) في "غ": "الفساد".
(٤) في "غ": "يحصيها". وجاءت العبارة هكذا في جميع النسخ: "التي لا … ".
(٥) في "غ": "بلا وقوف".
(٦) ساقط من "غ".
(٧) ساقط من "غ".
(٨) في "غ": "وفاجرهم".
[ ٣٦ ]
ولا يشكُّ مَنْ له أدنى عقلٍ أن إطباقَ أكثر الأمم على متابعة هذا النبيِّ محمدٍ ﷺ، وخروجَهم عن ديارهم وأموالهم، ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته، وبذلهم نفوسهم بين يديه = من أمحل المحال، فتجويز اختيارِهم الكُفْرَ بعد تَبَيُّنِ الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أوْلى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها، وهم أَعْقَلُ الأمم وأكملُها (^١) في جميع خصال الفضل.
وأين عقول عُبَّادِ العجل وعُبَّاد الصَّليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلُّوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين؟!!.
وإذا جاز اتِّفاقُ أمةٍ -فيها من قد ذكره هذا السائل- على أنَّ ربَّ العالمين وخالقَ السمواتِ والأَرَضِيْن نزل عن عرشه وكرسيِّ عظمتِه ودخل في بطن امرأةٍ في محل الحيض والطمث عِدَّةَ شهور ثم خرج من فرجها (^٢) طفلًا يمصُّ الثدي ويبكي، ويكبر شيئًا فشيئًا، ويأكل ويشرب ويبول، ويصحُّ (^٣) ويمرض، ويفرح ويحزن، ويَلَذُّ ويألم، ثم دبَّر حيلةً على عدوه إبليس بأنْ مكَّن أعداءَه اليهود من نفسه، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما، وهم يجرُّونه إلى الصلب، والأَوباشُ والأرذال (^٤) قدَّامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وهو يستغيث ويبكي
_________________
(١) في "غ": "أعقلها".
(٢) في "غ": "خرجها".
(٣) في "ب، ج": "يصيح".
(٤) في "غ": "الأراذل".
[ ٣٧ ]
فقرَّبوه (^١) من الخشبتين، ثم توَّجُوه بتاج من الشوك، وأوجعوه (^٢) صفعًا، ثم حملوه على الصليب وسَمَرُوا يديه ورِجْليْه وجعلوه بين لصين (^٣)، وهو الذي اختار هذا كلَّه لتتمَّ له الحيلة على إبليس ليخلِّص آدم وسائر الأنبياء من سجنه، ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن إبليس.
وإذا جاز اتِّفاقُ هذه الأُمةِ -وفيهم الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسُون والزُهَّاد والعُبَّاد والفقهاء ومن ذكرتم- على هذا القول في معبودهم وإلهِهِم حتى قال قائلٌ منهم وهو من أكابرهم عندهم: "اليد التي (^٤) خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصَّلْب"، فكيف لا يجوز عليهم الاتِّفاقُ على تكذيب مَنْ جاء بتكفيرهم وتضليلهم، ونادى سرًّا وجهرًا بكَذِبِهِمْ على الله وشَتْمِهمْ له أقْبَحَ شتمٍ، وكذبهم على المسيح، وتبديلهَم دينه، وعادَاهمِ وقاتَلَهم، وبرَّأهم من المسيح وبرَّأه منهم، وأخبر أنهم وَقُودُ النَّار وحصَبُ جهنَّم، فهذا أحد الأسباب التي اختاروا لأجلها الكُفْرَ على الإيمان. وهو من أعظم الأسباب!
فقولكم: إنَّ المسلمين يقولون إنهم لم يمنعْهُمْ من الدخول في الإسلام إلا الرِّيَاسة والمأكلة لا غير = كذبٌ على المسلمين.
بل الرياسة والمأكلة من جملة الأسباب المانعة لهم من الدخول في الدين.
_________________
(١) في "ص، غ": "فقدموه".
(٢) في "ج": "صفعوه".
(٣) إشارة إلى ما جاء في إنجيل متى: إصحاح (٢٧): أن اليهود صلبوه ومعه لصَّان واحد عن يمين وواحد عن يسار. وانظر فيما سيأتي ص (٢٥٢).
(٤) في "غ": "الذي".
[ ٣٨ ]
وقد نَاظَرْنَا (^١) -نحن وغيرُنَا- جماعةً منهم، فلما تبين لبعضهم فَسَادُ ما هم عليه قالوا: لو دخلنا في الإسلام لَكُنَّا من أقلِّ المسلمين لا يُؤْبَهُ لنا، ونحن مُتَحَكِّمون في أهل ملَّتِنا، في أموالهم ومناصبهم، ولنا بينهم أعظم الجاه!
وهل مَنَعَ فرعونَ وقومَهُ من اتِّباع موسى إلا ذلك؟!.
والأسباب المانعة من قَبُول (^٢) الحقِّ كثيرة جدًّا.
فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله.
فإِنِ انْضَافَ إلى هذا السبب بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بالحقِّ ومُعاداتُهُ له وحَسَدُهُ كان المانع من القَبُول أقوى.
فإنِ انْضَاف إلى ذلك إِلْفُهُ وعادتُه ومَرْبَاهُ على ما كان عليه آباؤه ومن يحبُّه ويعظِّمه: قَوِيَ المانعُ.
فإنِ انْضافَ إلى ذلك توهُّمُه أنَّ الحقَّ الذي دُعِيَ إليه يحول بينه وبين جاههِ وعزهِ وشهواتِه وأغراضهِ: قويَ المانعُ من القَبول جدًّا.
فإنِ انْضَاف إلى ذلك خوفُه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه، كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ = ازداد المانع من قَبُول الحقِّ قوةً، فإنَّ هِرَقْلَ عرف الحقَّ وهَمَّ
_________________
(١) في "غ": "ناظر".
(٢) في "ب": "قبل" وفي "ج": "قول".
[ ٣٩ ]
بالدخول في الإسلام فلم يُطَاوِعْهُ قومُه، وخافَهمْ (^١) على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبيَّن له الهدى، كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى (^٢).
ومِنْ أعظم هذه الأسباب: الحَسَدُ؛ فإنه داءٌ كامنٌ في النَّفْسِ، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فُضِّل عليه، وأُوْتِيَ ما لم يُؤْتَ نظيرُهُ فلا يَدَعُهُ الحَسَدُ أن ينقاد له ويكونَ من أتباعه.
وهل مَنَعَ إبليسَ من السجود لآدم إلا الحَسَدُ؟! فإنَّه لما رآه قد فُضِّل عليه ورُفِعَ فوقه غَصَّ بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.
وهذا الدَّاء هو الذي منع اليهودَ من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا عِلْمًا لا شَكَّ فيه أنَّه رسولُ الله جاء بالبيِّنات والهدى؛ فحَمَلَهُمُ الحَسَدُ على أنِ اختارُوا الكُفْرَ على الإيمان، وأطبقُوا عليه، وهُمْ أمةٌ فيهم الأحبارُ والعلماء والزهَّاد والقُضَاة والملوك والأُمراء.
هذا؛ وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعةٍ (^٣) تخالفها، ولم يُقاتِلْهُمْ، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّمَ (^٤) عليهم تخفيفًا ورحمةً وإحسانًا، وجاء مكمِّلًا لشريعةِ التوراة، ومع هذا فاختاروا كلُّهم الكفرَ على الإيمان.
_________________
(١) في "غ": "خالفهم".
(٢) انظر فيما سيأتي ص (٧٦) وما بعدها.
(٣) في "ج": "بشرعة".
(٤) في "ج": "ما حرم الله .. ".
[ ٤٠ ]
فكيف يكون حالُهم مع نبيٍّ جاء بشريعةٍ مستقلَّةٍ ناسخةٍ لجميع الشرائع، مُبَكِّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومُخْرِجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنْصَرُ عليهم ويَظْفَرُ بهم، ويعلُو (^١) هو وأصحابُه، وهم معه دائمًا في سَفَالٍ.
فكيف لا يملك الحسدُ والبغيُ قلوبَهُمْ؟! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى!
وهذا السبب -وحده- كافٍ في ردِّ الحق؛ فكيف إذا انْضَاف إليه زَوَالُ الرِّياسَاتِ والمَآكلِ كما تقدَّم؟!
وقد قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ -وهو ابن أخت أبي جهل- لأبي جهل: يا خالي هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال! يا ابن أختي! والله لقد كان (^٢) محمد فينا وهو شاب يُدْعى الأمين، فما جرَّبنا عليه كذبًا قط. قال: يا خال! فما لكم لا تَتَّبعُونَهُ؟! قال: يا ابن أختي تنَازَعْنَا نحن وبنو هاشمٍ الشَّرَفَ، فأطعَمُوَا وأطعَمْنَا، وسَقَوا وسَقَيْنَا، وأجَارُوا وأَجَرْنَا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكُنَّا كَفَرَسَي رِهَانٍ قالوا: مِنَّا نبيٌّ. فمتى نُدْرِك مثلَ هذه!!
وقال الأَخْنَسُ بن شريق يوم بدر لأَبي جهل: يا أبا الحكم! أخْبِرْني عن محمدٍ: أصادقٌ هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كَذَبَ محمدٌ قَطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيّ باللواء والحجابةِ
_________________
(١) في "ب، ج": "يعلم".
(٢) في "ب، ج": "كان فينا".
[ ٤١ ]
والسقايةِ والنبوَّةِ فماذا يكون لسائر قريش (^١)؟!.
وأما اليهود؛ فقد كان علماؤهم يعرفونه (^٢) كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق (^٣) حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ عن شيخٍ من بني قُرَيْظَةَ. قال: هل تدري عمَّ كان إسلام أسدٍ وثعلبةَ ابْنَي سَعْيَةَ، وأسد بن عُبَيْد؟ -لم يكونوا من بني قُريظةَ ولا النَّضير، كانوا فوق ذلك-، فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهَيَّبَان فأقام عندنا. والله ما رأينا (رجلًا يصلي) (^٤) خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنا إذا قَحِطْنَا وقلَّ علينا المَطَرُ نقول: يا ابن الهَيَّبان اخْرُجْ فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا والله حتى تُقَدِّموا أمام مَخْرَجِكم صدقةً، فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّيْن من شعير. فنخرجُه، ثم يخرج إلى ظاهر حَرَّتِنا ونحن معه نستسقي. فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمرّ السحابُ ونُسْقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحَضرَتْهُ الوفاة واجتمَعْنَا إليه، فقال: يا معشرَ يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري": (١١/ ٣٣٣) "تفسير البغوي": (٢/ ١٨ - ١٩)، "أسباب النزول" للواحدي، ص (٢٤٩)، "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٣١٦).
(٢) في "غ": "يعرفوننا".
(٣) "السيرة النبوية": (١/ ٢١٣)، وانظر: "الطبقات الكبرى": (١/ ١٦٠)، "دلائل النبوة" لأبي نعيم: (١/ ١٨١).
(٤) في "السيرة": "رجلًا قط لا يصلي الخمس"، وفي "ب، ج": "رجلًا قط يصلي الخمس".
[ ٤٢ ]
قالوا: أنت أعلم! قال: فإني إنما خرجت أتوقَّعُ خروجَ نبيٍّ قد أظل زمانُه، هذه البلاد مُهَاجَرهُ. فاتَّبعُوه ولا يسبقنَّ إليه غيرُكم إذا خرج يا معشر اليهود؛ فإنه يبعث بسَفكَ الدِّماء وسَبْي الذَّرَارِي والنساء مِمَّنْ يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كانت الليلة التي فُتِحَتْ فيها قريظةُ، قال أولئك الثلاثةُ الفِتْيَةُ -وكانوا شبانًا أحداثًا-: يا معشر اليهود، واللهِ إنَّه للذي ذكر لكم ابنُ الهَيَّبَان، فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى والله، إنه لصفته (^١)، ثم نزلوا وأسلموا وخلَّوا (^٢) أموالهم وأهليهم (^٣).
قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فُتِحَ رُدَّتْ عليهم (^٤).
وقال ابن إسحاق: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيم بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن محمودِ بنِ لَبيْد (^٥)، قال كان بين أبياتنا (^٦) يهوديٌّ، فخرج على نادي قومه بني عبد الأَشْهَل ذات غداةٍ، فذَكَرَ البعثَ والقيامةَ والجنَّةَ والنَّار والحسابَ والميزان، فقالَ ذلكَ لأصحاب وثنٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بعثًا كائنٌ (^٧) بعد الموت؛ وذلك قُبَيْلَ مبعث النبيِّ ﷺ.
_________________
(١) في السيرة: "لهو بصفته".
(٢) في السيرة: "أحرزوا".
(٣) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٢١٣).
(٤) المصدر نفسه.
(٥) في السيرة: "عن محمود بن لبيد عن سلمة بن وقش قال … ".
(٦) في "ب، ج، غ": "أبنائنا".
(٧) في "غ": "كائنًا".
[ ٤٣ ]
فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أنَّ الناس يُبْعَثُونَ بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونارٌ يُجْزَوْنَ بأعمالهم؟!
قال: نعم، والذي يُحْلَف به لوددت أَنَّ حَظِّي من تلك النار أن توقدوا أعظم تَنُّورٍ في داركم فتحمونه ثم تقذفوني فيه، ثم تطبقون عليَّ، وأَنِّي أنجو من النار غدًا.
فقيل: يا فلان! ما علامة ذلك؟
قال: نبيٌّ يُبْعَثُ من ناحيةِ هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكةَ واليمن.
قالوا: فمتى نراه؟ فرمى بطَرْفِهِ فرآني -وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أَحْدَثُ القوم- فقال: إنْ يَسْتنفِد هذا الغلام عُمرَهُ يُدْرِكْهُ. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللهُ رسولَه ﷺ وإنه لحيٌّ بين أَظْهُرِنَا، فآمنَّا به وصدَّقْنَاه، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: يا فلان ألستَ الذي قلتَ ما قلتَ وأخبرتنَا به؟! قال: ليس به (^١).
قال ابن إسحاق: وحدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بن قَتَادةَ قال: حدَّثني أشْيَاخٌ منّا، قالوا: لم يكن أحدٌ من العرب أعلمَ بشأنَ رسول الله ﷺ منَّا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنَّا أصحابَ وَثَنٍ، وكنَّا إذا بَلَغْنَا منهم ما يكرهون قالوا: إنَّ نبيًّا مبعوثًا الآن، قد أظلَّ زمانُه، نتبعه فنقتلكم (^٢) قَتْلَ عاد وإرم، فلما بعث الله ﷿ رسوله ﷺ اتَّبَعْنَاه،
_________________
(١) "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٢١٣)، وأخرجه الإمام أحمد في "المسند": (٣/ ٤٦٧)، والحاكم: (٣/ ٤١٧)، وأبو نعيم في "الدلائل": (١/ ٧٤ - ٧٥). وانظر: "مجمع الزوائد": (٨/ ٢٣٠).
(٢) في "ب، ج، غ": "فيقتلكم".
[ ٤٤ ]
وكَفَرُوا به. ففينا وفيهم أنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (^١).
وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نَجيْح عن عليٍّ الأزْدِيّ، قال: كانت اليهود تقول: اللهمَّ ابعثْ لنا هذا النبيَّ يَحكم بيننا وبين الناس (^٢).
وقال سعيد بن جبير عن ابنِ عباسٍ ﵄: كانت يهود خَيْبَرَ تقاتل غَطَفَانَ، فكلما (^٣) التَقَوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، فقالت: اللهمَّ إئَا نسألك بحقِّ محمدٍ النبيِّ الأمِّيِّ الذي وَعَدْتنَا أنْ تُخْرِجَه لنا في آخِر الزمان إلَّا نَصَرْتنَا عليهم. قال: فكانوا إذا التَقَوا دَعَوا بهذا الدعاء، فهزَموا غَطَفَانَ، فلما بُعث النبيُّ ﷺ كفروا به (^٤)، فأنزل اللهُ ﷿:
﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]. يعني بك يا محمد ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
"يَسْتَفْتِحُوْنَ" أي: يستنصرون.
وذكر الحاكم وغيره: أنَّ بني النَّضِيْر لما أُجْلُوا من المدينة، أقبل
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق. انظر "السيرة النبوية": (١/ ٢١٤).
(٢) انظر: "المستدرك" للحاكم: (٢/ ٢٦٢).
(٣) في "ص": "فلما".
(٤) أخرجه الحاكم في "المستدرك": (٢/ ٢٦٣) والبيهقي في "الدلائل": (٢/ ٧٦). وقال الحاكم: هو غريب. وقال الذهبي: في السند عبد الملك بن هارون، وهو متروك هالك.
[ ٤٥ ]
عمرو بن سعد (^١) فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، ففكَر ثم رجع إلى بني قُرَيْظَةَ فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بُوْقِهِم فاجتمعوا، فقال الزُّبَيْرُ بنُ بَاطَا: يا أبا سعيد أين كنتَ منذ اليوم فلم نَرَكَ؟ -وكان لا يفارقُ الكنيسة وكان يَتَألَّهُ في اليهودية- قال: رأيت اليوم عِبَرًا اعتبرنا بها، رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العزِّ والجَلَد والشَّرَف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم ومَلَكَها غيرُهم، وخرجوا خروجَ ذلٍّ، ولا -والتوراة- ما سُلِّط هذا على قوم قَطُّ لله بهم حاجة.
وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشْرَفِ (في عزة بنيانه) (^٢) في بيته آمنًا، وأوقع بابن سُنَيْنَةَ، سيِّدِهم، وأوقع ببني قَيْنُقَاع فأجلاهم (^٣) وهم جلُّ اليهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم النبيُّ ﵇، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسَهُ حتى سَبَاهُم، فكُلِّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يَثْرِبَ، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالَوا نَتَّبِعْ محمدًا، فوالله إنكم لتعلمون أنَّه نبيٌّ وقد بَشَّرَنَا به وبأمره: ابنُ الهَيَّبان وأبو عمرو بن حوَّاس، وهما أعلم اليهود، جاءا من بيت المقدس يتوكفان قُدُومَهُ، وأَمَرَانَا باتِّباعه، وأَمَرَانَا أنْ نُقْرِئَه منهما السَّلامَ، ثم ماتا على دينهما ودَفنَّاهُمَا بحَرَّتِنَا، فأسكت القوم (^٤)، فلم يتكلَّمْ منهم متكلِّمٌ. فأعاد هذا الكلامَ ونحوه وخوَّفهم بالحرب والسِّبَاء والجلاء.
فقال الزُّبَيْرُ بن بَاطَا: قد -والتوراةِ- قرأت صفته في كتاب التوراة
_________________
(١) في "ج": "سعد بن باطا". والصواب: سُعْدَى.
(٢) في "ب، ج": "في غيره ببنائه".
(٣) في "ب، ج": "فجلاهم".
(٤) في "غ": "اليوم".
[ ٤٦ ]
التي أُنزلتْ على موسى، ليس في المثاني التي أَحْدَثْنَا.
فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتِّباعه؟ قال: أنت. قال: ولِمَ؟ فوالتوراة ما حُلْتُ بينَك وبينَه قط! قال الزبير: بل أنتَ صاحبُ عَهْدِنَا وعَقْدِنَا؛ فإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وإن أَبَيْتَ أَبَيْنَا.
فأقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أنْ قال كعبٌ: ما عندي في ذلك إلا ما قلتُ، ما تطيبُ نفسي أنْ أصير تابعًا (^١).
وهذا المانع هو الذي مَنعَ فرعونَ من اتِّباع موسى، فإنه لما تبيَّن له الهدى عزم على اتِّباع موسى ﵇ فقال له وزيرُه هامان: بينا أنت إلهٌ تُعْبَد تصبح تَعْبُد ربًّا غيرك (^٢)؟! قال: صدقتَ.
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حُدِّثْتُ عن صَفِيَّةَ بنت حُيَيّ أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عَمِّي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غَدَوا عليه، ثم جاءا من العشي، (فسمعت عمي) (^٣) يقول لأبي أهو هو؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت (^٤).
فهذه الأُمّةُ الغضبيَّةُ معروفة بعداوة الأنبياء قديمًا.
_________________
(١) في "ج": "تبعًا" وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام: (٢/ ٥٤ - ٥٦)، "الطبقات الكبرى": (١/ ١٥٩)، "الدلائل" لأبي نعيم: (١/ ٧٩) وما بعدها.
(٢) في "ج": "تعبد غيرك ربًّا".
(٣) في "ج": "فسمعته".
(٤) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٥١٨)، والبيهقي في "الدلائل": (٢/ ٥٣٣)، وأبو نعيم: (١/ ٧٧ - ٧٨). وانظر "البداية والنهاية": (٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥).
[ ٤٧ ]
وأسلافُهم وخيارهم قد أَخْبَرَنا الله -سبحانه- عن أذاهم لموسى، ونَهانَا عن التشبُّه بهم في ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وأما خَلَفُهم: فهم قَتَلَةُ الأنبياء؛ قتلوا زكريا وابنه يحيى وخَلْقًا كثيرًا من الأَنبياء، حتى قتلوا في يومِ سبعينَ نبيًّا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئًا (^١).
واجتمعوا على قتل المسيح وصَلْبِه، فصانَهُ الله من ذلك وأكرمه أن يُهِيْنَه على أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على غيره فقتلوه وصلبوه، ورَامُوا قَتْلَ خاتَمِ النبيِّيْن مرارًا عديدة والله يعصمه منهم.
ومَنْ هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذَكَرْنَا بعضها، أو سببين أو أكثر.
وقد ذكرنا اتِّفاق أمة الضَّلال وعُبَّاد الصليب على مَسَبَّة ربِّ العالمين أقبح مَسَبَّة، على ما يُعْلَم بطلانه بصريح (^٢) العقل، فإنْ خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مَسَبَّةٌ لله وأنَّ العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وَهْلة: لم يكثر على تلك العقول السخيفة أنْ تَسُبَّ بشرًا أرْسَلَه الله، وتجحدَ (^٣) نبوَّتَه، وتُكَابِرَ ما دَلَّ عليه صريحُ العَقْلِ من صِدْقه وصحَّةِ رسالته. فلو قالوا فيه ما قالوا لم يَبْلُغْ بعضَ قولهم في ربِّ الأرض والسموات الذي صاروا به
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري": (٦/ ٢٨٥)، "تفسير البغوي": (١/ ٣٣٥)، "الدر المنثور" للسيوطي: (٢/ ١٦٨).
(٢) في "ج": "تصريح".
(٣) في "ج": "يجحدوا" وفي "ب": "يجحد".
[ ٤٨ ]
ضُحْكَةً بين جميع أصناف بني آدم.
فأمَّةٌ أطبقت على أنَّ الإلَهَ الحقَّ -سبحانه عما يقولون- صُلِبَ وصُفِع وسمر ووضع الشَّوك على رأسه ودفن في التراب، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس (^١) على عرشه يُدَبِّر أمر السموات والأرض = لا يكثر عليها أن تُطْبِقَ على جحد نبوة مَنْ جاء بسَبِّها ولَعْنِها ومحاربتِها وإبداءِ معايبها، والنداءِ على كُفْرِهَا بالله ورسولَه، والشهادةِ على براءة المسيح منها ومعاداته لها، ثم قاتَلَها وأذلَّها، وأخْرَجَهَا من ديارها، وضرب عليها الجزْيَةَ، وأخبر أنَّها من أهل الجحيم خالدةً مخلَّدة، لا يغفر الله لها، وأنهَا شَرٌّ من الحمير؛ بل هي شَرُّ الدوابِّ عند الله.
وكيف ينكَرُ لأمةٍ أطْبَقَتْ على صَلْب معبودِها وإلهِهَا، ثم عَمَدَتْ إلى الصليب فعَبَدَتْهُ وعظَّمَتْه، وكان ينبغيَ لها أنْ تحرق (^٢) كلَّ صليبٍ تقدر على إحراقه، وأنْ تهينَهُ غايةَ الإهانةِ؛ إذْ صُلِب عليه إلهُهَا الذي يقولون تارةً: إنَّه الله، وتارةً يقولون: إنه ابنه، وتارةً يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، فجحدتْ حقَّ خالِقِهَا، وكَفَرَتْ به أعْظَمَ كُفْرٍ، وسبَّتْه أقْبَحَ مَسَبَّةٍ = أن تجحدَ حقَّ عبدِه ورسولهِ وتَكْفُرَ به.
وكيف يكثر على أمة قالتْ في ربّ الأرض والسموات: إنه ينزل من السماء ليكلِّم (^٣) الخلق بذاته، لئلا يكون لهم حُجَّةٌ عليه، فأراد أن يقطع حُجَّتَهم بتكليمه (^٤) لهم بذاته لترتفع المعاذير عمَّن ضيَّع عهده بعد ما
_________________
(١) في "غ": "وأُجلس".
(٢) في "غ": "تخرق".
(٣) في "غ": "عليهم".
(٤) في "ب، ج": "بتكاليمه".
[ ٤٩ ]
كلَّمه بذاته، فهبط بذاته من السماء، والتحم (^١) في بطن مريم، فأخذ منها حجابًا، وهو مخلوقٌ من طريق الجسم، وخالقٌ من طريق النفس، وهو الذي خلق جسمَه (^٢) وخَلَق أُمَّه، وأمُّه كانت من قبله بالنَّاسوت، وهو كان من قبلها باللَّاهُوت، وهو الإله التَّام، والإنسان التَّام، ومن تمام رحمته ﵎! (^٣) - على عباده: أنَّه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب، فَمَكَن أعداءَه اليهودَ مِنْ نَفْسِه ليتمَّ سخطه عليهم، فأخذوه، وصلبوه وصفعوه، وبصقوا في وجهه، وتوَّجوه بتاجٍ من الشَّوْك على رأسه، وغار دمُهُ (^٤) في إصبعه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض لَيَبِسَ كلُّ ما كان على وجهها، فنَبَتَ (^٥) في موضع صَلْبِه النُّوَّارُ (^٦).
ولما لم يكن في الحكمة الأزليَّة أنْ ينتقم الله مِنْ عَبْدِه العاصي الذي ظَلَمَه أو استهانَ بِقَدْره؛ لاعتلاء منزلة الربِّ وسقوطِ منزلة العَبْد = أراد -سبحانه- أن ينتصف من الإنسان الذي هو إلهٌ مِثْلُه، فانتصف من خطيئة آدم بصلب (عيسى المسيح الذي هو إلهٌ مساوٍ له في الإلهيَّة، فصلب ابن الله) (^٧) -الذي هو الله- في الساعة التاسعة من يوم الجمعة. هذه ألفاظُهم في كتبهم!!.
_________________
(١) في "غ": "وتلحم".
(٢) في "غ": "حشمه".
(٣) هكذا في السياق، وهذا تهكم من المؤلف بأولئك الذين قالوا تلك المقالة.
(٤) في "غ، ص": "وفار".
(٥) في "غ": "فثبت".
(٦) في "غ": "النور". والنُّوّار كالنَّور: زهر النبت.
(٧) ساقط من "غ".
[ ٥٠ ]
فأمةٌ أَطْبَقَتْ (^١) على هذا في معبودها، كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله: إنَّه ساحرٌ وكاذبٌ، وملك مسلَّط ونحو هذا؟!!.
ولهذا قال بعض ملوك الهند: أمَّا النصارى؛ فإن كان أعداؤهم من أهل الملل يجاهدونهم بالشَّرْع فأنا أرى جهادَهُمْ بالعقل، وإنْ كنَّا لا نرى قتالَ أحدٍ، لكني أستثني هؤلَاء القومَ من جميع العالم؛ لأنهم قصدوا مُضَادَّة العقلِ، وناصَبُوه العداوةَ، وشَذُّوا عن جميع مصالح العالم الشرعيَّة والعقليَّة الواضحةِ، واعتَقَدُوا كل مستحيلٍ ممكنًا، وبَنَوا من ذلك شرعًا لا يؤدِّي إلى صلاحِ نوعٍ من أنواع العالم؛ ولكنه يصير العاقلُ إذا شرع به أَخْرَقَ، والرشيدُ سفيهًا، والحَسَنُ قبيحًا، والقبيحُ حَسَنًا؛ لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشؤه عليها: الإساءة إلى الخلاق والنيل منه، وسبّه أقْبَحَ مسبَّةٍ، ووصفه بما يغيِّر صفاتِه الحُسْنَى، فأخْلِقْ به أن يستسهل الإساءةَ إلى مخلوق، وأنْ يصفَه بما يغيِّر صفاتِه الجميلة!
فلو لم تجب مجاهدةُ هؤلاء القوم إلا لعموم إضرارهم الذي (^٢) لا تحصى وجوهه، كما يجب قَتْلُ الحيوان المؤذي بطبعه = لكانوا أهلًا لذلك (^٣).
والمقصود: أن الذين اختاروا هذه المقالة في ربِّ العالمين على تعظيمه وتنزيهه وإجلاله ووصفه بما يليق به = هم الذين اختاروا الكُفْرَ
_________________
(١) في "ج": "طبقت".
(٢) في "ب، ج": "التي".
(٣) قال هذا الكلام أحد ملوك الهند لما ذكرت له الملل الثلاثة. انظر: "بين الإسلام والمسيحية: رسالة أبي عبيدة الخزرجي" تحقيق محمد شامة، ص (١٢٣ - ١٢٤).
[ ٥١ ]
بعبده ورسوله وجَحْدَ (^١) نبوَّته.
والذين اختاروا عبادة صورٍ خَطُّوها بأيديهم في الحيطان مزوَّقةً بالأحمر والأصفر والأزرق؛ لو دنت منها الكلاب لَبَالَتْ عليها، فأعْطَوْها غايةَ الخضوع والذلِّ والخشوع والبكاء، وسألوهَا المغفرةَ والرَّحمةَ والرِّزقَ والنَّصر = هم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرُّسل على الإيمانِ به وتصديقهِ واتِّباعِه. والذين نزَّهوا مطارنتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد، ونحلوهما (^٢) للفرد الصمد = هم الذين أنْكَرُوا نبوَّة عبدِهِ وخاتمِ رسله.
والذين اختاروا صلاةً، يقوم أَعْبَدُهُمْ وأزهدُهُمْ إليها والبَوْلُ على ساقه (^٣) وأفخاذِه، فيستقبلُ الشَّرْقَ، ثم يُصَلِّبُ على وجهه، ويعبد الإله المصلوب، ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي في السموات تقدس اسمك وليأت (^٤) ملكك، ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض، أعْطِنَا خبزنا الملائِم لنا (^٥).
ثم يحدِّث مَنْ هو إلى جانبه، وربما سأل عن سعر الخمر والخنزير وعمَّا كسب في القمار وعمَّا طبخ في بيته. وربما أحدث وهو في صلاته، ولو (^٦) أراد لَبَالَ في موضعه إن أمكنه، ثم يدعو تلك الصورة
_________________
(١) في "ج": "وجحدوا".
(٢) في "ج": "ونحلوها".
(٣) في "ج": "ساقيه".
(٤) في "ب، ج": "وآيات".
(٥) إنجيل متى: (٦/ ٩ - ١٣).
(٦) في "ب، ج": "وهو لو … ".
[ ٥٢ ]
التي هي صنعة يد الإنسان!
فالذين اختاروا هذه الصَّلاةَ على صلاةِ مَنْ إذا قام إلى صلاته طَهَّر أطرافَه وثيابَهُ وبدنَهُ من النَّجاسة، واستقبل بيتَه الحرامَ، وكبَّر الله وحمده وسبَّحه، وأثْنَى عليه بما هو أهلُه، ثم ناجاه (^١) بكلامه المتضمِّن لأفضل (^٢) الثَّناء عليه وتحميده وتمجيده وتوحيده، وإفراده بالعبادة والاستعانة وسؤاله أجَلَّ مسؤول -وهو الهداية إلى طريق رضاه التي خصَّ بها مَنْ أنعم الله عليه دون طريق الأُمَّتَيْن المغضوبِ عليهم وهم اليهود، والضَّالين وهم النصارى- ثم أعطى كل جارحةٍ من الجوارح حظَّها من الخشوع والخضوع والعبودية، مع غاية الثناء والتمجيد لله ربِّ العالمينِ، لا يلتفت عن معبوده بوجهه، ولا قلبه، ولا يكلِّم أحدًا كلمة، بل قد فزَغ قَلْبَهُ لمعبوده وأقبلَ عليه بقلبه ووجهه، ولا يُحْدِث في صلاته، ولا يجعل بين عينيه صورة مصنوعة يدعوها ويتضرَّع إليها.
فالذين اختاروا تلك الصلاةَ -التي هي في الحقيقة استهزاءٌ بالمعبود لا يرضاها المخلوق لنفسه فضلًا أن يرضى بها الخالق- على هذه الصلاة التي لو عُرِضَتْ على من له أدنى مُسْكَةٍ مِنْ عقل لظهر له التفاوت بينهما = هم الذين اختاروا تكذيبَ رسولهِ وعَبْدِه على الإيمان به وتصديقه!!
فالعاقل إذا وَازَنَ بين ما اختاروه ورغبوا فيه، وبين ما رغبوا عنه = تبيَّن له (أنَّ القوم) (^٣) اختاروا الضلالة على الهدى، والغيَّ على الرَّشاد،
_________________
(١) في "ج": "ثم نجاه".
(٢) في "ب، ج": "لا لفضل".
(٣) في "ج": "أنهم".
[ ٥٣ ]