وتَكْرَاره ذلك عليهم مرةً بعد مرة في كل مجمع، وتعريفهم (^١) بذلك وتوبيخهم والنداء عليهم به = من أقوى الأدلة القطعيَّة على وجوده من وجهين: "أحدهما": قيام الدليل القطعيِّ على صدقه.
"الثاني": دعوته لهم بذلك إلى تصديقه، ولو لم يكن له وجود لكان ذلك من أعظم دواعي تكذيبه والتنفير عنه.
فصل
وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل، (ولم يبدِّلوا شيئا منها) (^٢)، فيسلكها بعض نُظَّار المسلمين معهم من غير تعرُّضٍ إلى التبديل والتحريف.
وطائفة أخرى تزعُم أنهم بدَّلوا وحرَّفوا كثيرًا من ألفاظ الكتابين، مع أنَّ الغرض (^٣) الحامل لهم على ذلك دون الغرض الحامل لهم على تبديل البشارة برسولِ الله ﷺ بكثير، وأن البشارات لكثرتها لم يمكنهم إخفاؤها كلِّها وتبديلها، ففَضَحَهم ما عجزوا عن كتمانه أو تبديله.
وكيف يُنْكَرُ (^٤) من الأمة الغضبيَّة -قَتَلَةِ الأنبياء الذين رموهم بالعظائم- أنْ يكتموا (^٥) نَعْتَ رسولِ الله ﷺ وصِفَتَه، وقد جحدوا نبوة المسيح ورموه وأمَّه بالعظائم، ونعتُه بالبشارة به موجودٌ في كتبهم، ومع
_________________
(١) في "ص": "وتفريقهم".
(٢) في "غ، د": "ولم يبدلوها".
(٣) في "ج": "العارض".
(٤) في "ص، غ": "تنكر".
(٥) في "د، غ": "ينكروا".
[ ٢٤٠ ]
هذا أطبقوا على جحد نبوته وإنكارِ بشارة الأنبياء به، ولم يفعل بهم ما فعلَه بهم محمد ﷺ من القتل والسَّبْي، وغنيمة الأموال، وتخريب الديار، وإجلائهم منها، فكيف لا تتواصى هذه الأمةُ بكتمان نَعْتِه وصفتِه وتُبَدِّله مِنْ كتبها؟
وقد عاب (^١) الله سبحانه عليهم ذلك في غير موضع من كتابه ولعنهم عليه.
ومن العجب أنهم والنصارى يقرُّون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحْدَه، واليهود تقرُّ أن السبعين كاهنًا اجتمعوا على اتِّفاقٍ من جميعهم على تبديل ثلاثةَ عَشَر حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قَهْرِهِم حيث زال المُلْك عنهم، ولم (يَبْقَ لهم) (^٢) مَلِكٌ يخافونه ويأخذ على أيديهم (^٣). ومَنْ رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يُؤْمَن منه تحريفُ غيره، واليهود تقرُّ أيضًا أنَّ السامرة حرَّفوا مواضع من التوراة وبدَّلوها تبديلًا ظاهرًا وزادوا ونقصوا. والسَّامرةُ تدَّعي ذلك عليهم.
وأما الإنجيل؛ فقد تقدَّم أن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة من تأليف أربعة رجال: يُوحَنَّا (^٤)، ومَتَّى، ومَرْقُسْ، ولُوقًا، فكيف يُنْكَر تطرُّق التبديل والتحريف إليها، وعلى ما فيها من ذلك؛ فقد
_________________
(١) في "د": "نعى" وتصحفت في "ص، غ" إلى: "بغى".
(٢) في "ص": "يتولهم".
(٣) في "د" زيادة: "ومنهم من يقول: بلى، وهو بختنصر، حيث ألزمهم بكتابة التوراة لطائفة من جماعته".
(٤) في "غ، ص" يكتبها هكذا: "يُحَنَّا" و"مركش".
[ ٢٤١ ]
صرفهم الله عن تبديل ما ذَكَرْنا من البشارات بمحمد بن عبد الله ﷺ وإزالتِهِ، وإن قدروا على كتمانه عن أتباعهم وجُهَّالهم.
وفي التوراة التي بأيديهم من التحريف والتبديل وما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء؛ مما لا يشكُّ (^١) فيه ذو بصيرة. والتوراةُ التي أنزلها الله على موسى بريئةٌ من ذلك (^٢)، ففيها عن لوطٍ -رسولِ الله- أنَّه خرج من المدينة وسكن في كهف الجبل، ومعه ابنتاه، فقالتِ الصغرى للكبرى: قد شاخ أَبونا فَارْقُدي بنا معه لنأخذ منه نسلًا، فرقدتْ معه الكبرى ثم الصغرى، ثم فَعَلَتا ذلك في الليلة الثانية وحَمَلَتَا منه بولدين: مواب (^٣) وعمون (^٤).
فهل يحسن أن يكون نبيٌّ رسولٌ كريمٌ على الله يوقعُه الله -سبحانه- في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره، ثم يذيعها (^٥) عنه ويحكيها للأمم؟!
وفيها: "أنَّ الله تجلَّى لموسى في طورِ سيناء" وقال له بعد كلام كثير: "أدخل يدك في حِجرك وأخْرِجْها مبروصةً كالثلج" (^٦).
وهذا من النمط الأول، والله سبحانه لم يتجلَّ لموسى، وإنما أمره
_________________
(١) في "ج": "يكشف".
(٢) ذكر أبو عبيدة الخزرجي هذا التحريف وأمثلته في كتابه "بين الإسلام والمسيحية"، ص (٢٣٨) وما بعدها.
(٣) في "غ، ص": "تواب".
(٤) كما جاء في سفر التكوين من العهد القديم: (١٩/ ٣٠ - ٣٧).
(٥) في "ب، ج": "لم يدفعها".
(٦) سفر الخروج: (٤/ ٦ - ٨).
[ ٢٤٢ ]
أن يُدْخِل يده في جيبه، وأخبره أنَّها تخرج بيضاءَ من غير سُوءٍ. أي من غير بَرَصٍ.
وفيها: أنَّ هارون هو الذي صاغ لهم العجل (^١).
وهذا -إن لم يكن من زياداتهم وافترائهم فهارون اسم السامري الذي صاغه- ليس هو بهارون أخي موسى.
وفيها: أنَّ الله قال لإبراهيم: "اذبح ابنَك بِكْرَك إسحاقَ" (^٢).
وهذا من بَهْتِهم وزيادتهم في (كلام الله) (^٣)، فقد جمعوا بين النقيضين، فإنَّ بكرَه هو إسماعيل؛ فإنه بِكْرُ أولاده، وإسحاق إنما بُشِّر به على الكِبَر بعد قصة الذبح.
وفيها: "ورأى الله أن قد كثر فساد الآدميين في الأرض فنَدِم علىِ خلقهم، وقال سأُذهِبُ الآدميَّ الذي خلقتُ على الأرض والخشاش وطيورَ السماء؛ لأني نادم على خلقها (^٤) جدًّا" (^٥)! تعالى الله عن إفك المفترين وعمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وفيها: أن الله ﷾ علوًّا كبيرًا- تَصَارعَ مع يعقوب فضرب به يعقوبُ الأرضَ (^٦).
_________________
(١) سفر الخروج: (٣٢/ ١ - ٦).
(٢) سفر التكوين: (٢٢/ ١ - ٥).
(٣) في "غ، ص": "كلامهم".
(٤) في "ص": "خلقتها".
(٥) سفر التكوين: (٩/ ٥ - ٦).
(٦) سفر التكوين: (٣٢/ ٢٤ - ٢٩).
[ ٢٤٣ ]
وفيها: أنَّ يهوذَا بن يعقوب النبيِّ زوَّج ولدَه الأكبرَ من امرأةٍ يقال لها: تامار، فكان يأتيها مستدبرًا، فغضب اللهُ من فِعْله فأماته، فزوَّج يهوذا ولده الآخر بها، فكان إذا دخل بها أمْنَى على الأرض، عِلْمًا بأنَّه إنْ أولدها كان أولُ الأولاد مدعوًّا باسم أخيه ومنسوبًا إلى أخيه. فكره اللهُ ذلك من فعله فأماته، فأمَرَها (^١) يهوذا باللِّحاق ببيت أبيها إلى أن يَكْبر ولدُه شيلا ويَتمَّ عقله. ثم ماتت زوجة يهوذا وذهب إلى منزله (^٢) ليَجُزَّ غنَمَه، فلما أُخبرت تامار لبست زِيَّ الزَّواني وَجَلَّست على طريقه، فلما مرَّ بها خالها (^٣) زانيةً، فراودها فطالبته بالأجرة، فوعدها بجَدْيٍ ورمى عندها عصاه وخاتَمَهُ، فدخل بها فعلقت منه بولد. ومن هَذا الولد كان داود النبيّ (^٤).
فقد جعلوه ولد زنا، كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولمِ يَكْفِهِمْ ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة، وكما جعلوا وَلَدَي لوط وَلدَي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الولدين.
وأما فِرْيَتُهم على الله ورسله وأنبيائه، ورَمْيُهم لربِّ العالمين ورسله بالعظائم: فكثيرٌ جدًّا، كقولهم: إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض (^٥)، فأنزل الله ﷿ على رسوله تَكذِيْبَهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ
_________________
(١) في "غ، ص": "فأمر بها".
(٢) في "غ، ص، ب": "منزل له".
(٣) في "د": "ظنّها".
(٤) سفر التكوين: (٣٨/ ٦ - ١٩).
(٥) سفر التكوين: (٢/ ١ - ٢).
[ ٢٤٤ ]
لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. أي تعب (^١).
وقولهِمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهِم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهِم: إنَّ الله تعالى بكى على الطوفان حتى رَمِدَتْ عيناه وعادَتْهُ الملائكة.
وقولهم الذي حكيناه آنفًا: إنَّ الله ندم على خلق بني آدم. وأدخَلُوا هذه الفريةَ في التوراة.
وقولهم عن لوط: إنَّه وَطِئَ ابنتيه، وأولدهما وَلَدَيْن نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء.
وقولهم في بعض دعاء صلواتهم: انتبه كم تنامُ يا ربّ، استيقِظْ من رقدتك (^٢). فتجرَّؤوا على ربِّ العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم يَنْخُونَه (^٣) بذلك لِيَنْتَخِيَ لهم ويحتمي، كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبابه، فيهزُّونه بهذا الخطاب للنَّباهة واشتهار الصِّيْت.
قال بعض أكابرهم بعد إسلامه (^٤): فترى أحدَهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يَقْشَعِرُّ جِلْدُه، ولا يشكُّ أنَّ كلامه يقع عند الله بموقعٍ عظيم، وأئَه يؤثر في ربِّه ويحرِّكُه ويهزُّه ويُنْخِيْهِ.
_________________
(١) من "د" فقط.
(٢) العهد القديم، المزمور: (٧٨/ ٦٥).
(٣) في "ج، ص": "يوبخونه" وفي "د": "يناجونه".
(٤) انظر ص (٢٤٦) تعليق (٩).
[ ٢٤٥ ]
وعندهم في توراتهم: "إن موسى صَعِدَ الجبلَ مع مشايخ أمته فأبْصَرُوا اللهَ جهرة، وتحتَ (^١) رِجْلَيه كرسيٌّ منظرُه كمنظر البلَّوْر" (^٢). وهذا من كذبهم وافترائهم على الله وعلى التوراة.
وعندهم في توراتهم: أنَّ الله -سبحانه- لما رأى فسادَ قومِ نوحٍ وأنَّ شرَّهم (قد عَظُم: نَدِمَ) (^٣) على خلق البشر في الأرض وشقَّ عليه (^٤).
وعندهم في توراتهم أيضا: أنَّ الله ندم على تمليكه شاؤول على إسرائيل (^٥).
وعندهم فيها: أنَّ نوحًا لما خرج من السفينة بنى بيتًا (^٦) مذبحًا وقرَّب عليه قَرَابيْنَ، واستنشق الله رائحة (^٧) القتار فقال في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسَبب الناس؛ لأن خاطر البشر مطبوعٌ على الرَّدَاءة، ولن أهلك جميعَ الحيوانِ كما صنعتُ (^٨).
قال بعض علمائهم الراسخين في العلم ممن هداه الله إلى الإسلام (^٩): "لسنا نرى أنَّ هذه الكفريات كانت في التوراة المنزَّلة على
_________________
(١) في "غ، ص": "تخف".
(٢) سفر الخروج: (٢٤/ ٩).
(٣) ساقط من "غ، ص".
(٤) سفر التكوين: (٦/ ٥ - ٦).
(٥) العهد القديم، صموئيل الأول: (١٥/ ١٠).
(٦) في "غ": "بيته" وفي "ص": "بيتر".
(٧) في "ص": "رائحته".
(٨) سفر التكوين: (٨/ ٢٠ - ٢٢).
(٩) هو الحكيم السموأل يحيى بن عباس المغربي المتوفى سنة (٥٧٠ هـ) من أعاظم أحبارهم قبل إسلامه. وكتابه هو: "بذل المجهود في إفحام اليهود".
[ ٢٤٦ ]
موسى. ولا نقول أيضا: إنَّ اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحقُّ أولى ما اتُّبع" (^١).
وقال (^٢): "ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل التوراة، فإنَّ علماء القوم وأحبارهم يعلمون أنَّ هذه التوراة التي بأيديهم لا يَعْتقِدُ أحدٌ من علمائهم وأحبارهم أنَّها عَيْنُ التوراة المنزَّلة على موسى بنِ عِمْرَانَ البتَّةَ؛ لأن موسى صان التوراةَ عن بني إسرائيل، ولم يبثَّها فيهم خوفًا من اختلافهم من بعده في تأويل التوراة المؤدِّي إلى انقسامهم أحزابًا، وإنما سلَّمها إلى عشيرته أولاد لاوِي. قال: ودليل ذلك: قَوْلُ التوراة ما هذه ترجمته: "وكتب موسى هذه التوراةَ ودفَعَها إلى أئمة بني لَاوِي" (^٣). وكان بنو هارون قضاةَ اليهود وحُكَامَهُم، لأنَّ الإمامة وخِدْمةَ القَرَابِيْن والبيت المقدَّس كانت فيهم، ولم يُبْدِ (^٤) موسى لبني إسرائيل من التوراة إلا نِصفَ سورةٍ … " (^٥).
وقال الله لموسى عن هذه السورة: "وتكونُ لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل، ولا تُنْسَى (^٦) هذه السورةُ من أفواه أولادهم" (^٧).
وأما بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمَّن
_________________
(١) "بذل المجهود" للسموأل، ص (١٢٤).
(٢) المصدر نفسه ص (١٢٤).
(٣) سفر التثنية: (٣١/ ٩ - ١٣). وفي "بذل المجهود": "الأئمة بني لاوي".
(٤) في "بذل المجهود": "ولم يبذل".
(٥) هنا كلام طواه المصنف اختصارًا.
(٦) في "غ، ص": "نفسي".
(٧) سفر التثنية: (٣٢/ ٤٥ - ٤٧). وانظر: "بذل المجهود" للسموأل، ص (١٢٥).
[ ٢٤٧ ]
سواهم، فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بُخْتَنَصَّر على دم واحد، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس، ولم تكن التوراةُ محفوظةً على ألسنتهم، بل كان كلُّ واحدٍ من الهارونيين يحفظ (فصلًا من) (^١) التوراة.
فلما رأى عُزَيْرٌ أنَّ القوم قد أُحْرِق هيكلُهم وزالتْ دولتُهم وتفرَّق جَمْعُهم ورُفِع كتابُهم، جَمَعَ من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظُها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عُزَيْر (^٢) غايةَ المبالغة، وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه، وزعموا أنَّ النور على الأرض إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق، لأنه عَمِلَ لهم كتابًا يحفظ دينهم.
فهذه التوراة التي بأيديهم -على الحقيقة- كتابُ عُزَيْر، وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة التي أنزلها الله على موسى.
قال: وهذا يدل على أنَّ الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجلٌ جاهل بصفات الربِّ تعالى، وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه؛ فلذلك نسب إلى الربِّ تعالى ما يتقدّس ويتنزَّه عنه (^٣).
وهذا الرجل يُعْرَفُ عند اليهود والنصاري بعَازَر الورَّاق، ويظنُّ بعض الناس أنه الذي: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي
_________________
(١) في "ص، غ": "فضلًا عن".
(٢) في "غ، ص": "عزرا".
(٣) انتهى ما نقله المصنف عن "بذل المجهود" للسموأل من ص (١٢٥ - ١٣٤) بتصرف يسير.
[ ٢٤٨ ]
هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ويقول: إنه نبي.
ولا دليل على هاتين المقدمتين، ويجب التَّثَبُّت في ذلك نفيًا وإثباتًا، فإن كان هذا نبيًّا واسمه عُزَير: فقد وافق صاحبَ التوراةِ في الاسم.
وبالجملة: فنحن، وكلُّ عاقلٍ، نقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى من هذه الأكاذيب والمستحيلات والتُّرَّهَات، كما نقطع ببراءة صلاة موسى وبني إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم اليوم (^١)، (فإنهم في العشر الأول من المحرَّم في كلِّ سنةٍ يقولون في صلاتهم) (^٢) ما ترجمته: "يا أبانا املك على جميع أهل الأرض؛ ليقول كل ذي نسمة؛ الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة" (^٣).
ويقولون فيها أيضا: وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحدًا، واسمه واحد (^٤).
ويعنون بذلك أنه لا يظهر كون الملك له وكونه واحدًا إلا إذا صارت الدولة لهم، فأما مادامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند الأمم، مشكوك في وحدانيته، مطعون في ملكه.
ومعلوم قطعًا: أنَّ موسى وربَّ موسى بريءٌ من هذه الصلاة بَرَاءتَهُ
_________________
(١) ساقطة من "د".
(٢) ساقط من "د".
(٣) انظر: المزمور: (١٠٣/ ١٩).
(٤) المزمور: (٤٧/ ٢ - ٣).
[ ٢٤٩ ]
من تلك التُّرَّهات (^١).
وجَحْدُهُم نبوةَ محمدٍ من الكتب التي بأيديهم نَظِيْرُ جَحْدِهم نبوة المسيح، وقد صرَّحت باسمه. ففي نصِّ التوراة: "لا يزول الملك من (آل يهوذا) (^٢) والرَّاسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح" (^٣). وكانوا أصحاب دولة حتى ظهر المسيح فكذَّبوه ورَمَوْه (^٤) بالعظائم وبَهَتُوه وبهتوا أمَّه فدمَّر الله عليهم وأزال مُلْكَهم.
وكذلك قوله: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن (^٥) من جبال فاران" (^٦).
فأيُّ نبوةٍ أشرقت من ساعير غير نبوة المسيح.
وهم لا ينكرون ذلك، ويزعمون أنَّ قائمًا يقوم فيهم من ولد داود النبيِّ؛ إذا حرَّك شفتيه بالدعاء ماتَ جميعُ الأُمم ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر (^٧) -بزعمهم- هو المسيح الذي وُعِدُوا به.
قالوا: ومن علامة مجيئه أنَّ الذِّئْبَ والتَيْسَ يربضان معًا، وأنَّ البقرة والذئب يرعيان معًا (^٨)، وأنَّ الأسد يأكل التِّبْنَ كالبقر. فلما بعث الله
_________________
(١) انظر: "بذل المجهود"، ص (١٤٥ - ١٤٦).
(٢) في "غ": "اليهود".
(٣) سفر التكوين: (٤٦/ ١).
(٤) في "غ": "ودمّوه".
(٥) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
(٦) تقدم هذا النص في أكثر من موضع.
(٧) في "غ، ص": "المستنظر".
(٨) في "غ، ص": "جميعًا".
[ ٢٥٠ ]
المسيحَ كفرُوا به عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون متى يأكل الأسدُ التِّبْنَ حتى تصحَّ لهم علامةُ مبعثِ المسيح.
ويعتقدون أنَّ هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالَم من غيرهم، ويحجم الموتُ عن جنابهم المنيع مدةً طويلة.
وقد عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم بانتظار مسيح الضلالة الدجَّال، فإنه هو الذي ينتظرونه حقًا، وهم عَسْكَرُهُ وأتْبَعُ الناس له، ويكون لهم في زمانه شوكةٌ ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابنُ مريمَ، فيقتل مُنْتَظَرَهُم، ويضع -هو وأصحابه- فيهم السيوفَ حتى يختبئ اليهوديُّ وراء الحجر والشجر، فيقولان: يا مسلم هذا يهوديٌّ ورائي تَعَالَ فَاقْتُلْه (^١).
فإذا نظف الأرض منهم ومن عُبَّاد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معًا، ويربضان (^٢) معًا، وترعى البقرة والذئب معًا، ويأكل الأسد التِّبْن، ويلقى الأمْنُ في الأرض (^٣).
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية". أخرجه البخاري برقم (٢٣٤٤). وأخرج عنه أيضًا برقم (٢٧٦٨): "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله".
(٢) في "ج": "يرتعان".
(٣) سفر إشعياء: (١١/ ١ - ٥). وانظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل، ص (١٠١ - ١٠٥).
[ ٢٥١ ]
هكذا أخبر به إشَعْيًا في نبوته وطابق (^١) خَبَرُه ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح في خروجِ الدجَّال وقَتْلِ المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض، وإرسالِ البركة والأَمْن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب، وحتى إنَّ الحيَّاتِ والسِّبَاعَ لا تَضُرُّ الناس (^٢).
فصلوات الله وسلامه على مَنْ جاء بالهدى والنُّورِ وتَفْصيْلِ كل شيء وبيانِهِ. فأهلُ الكتاب عندهم عن أنبيائهم حقٌّ كثير، لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه.
ولقد أكمل الله سبحانه بمحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليه- ما أنزله على الأنبياء ﵈ من الحقِّ وبيَّنه وأَظْهَرَه لأمته، وفَصَّل على لسانه ما أجمله لهم، وشرح ما رَمَزُوا إليه، فجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين.
فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحًا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي، فمسيحهم الذي ينتظرونه: هو المصلوبُ المسمَّرُ (^٣) المكلَّل بالشوك بين اللصوص (^٤)، المصفوعُ الذي
_________________
(١) في "ج": "مطابقًا".
(٢) انظر: إشعياء: (١١/ ٦) و(٦٥/ ٢٥).
(٣) في "غ، ص": "المستمر".
(٤) هي خشبات يوضع الشيء بينهما، والمقصود خشبة الصليب. وانظر فيما سبق ص (٣٨).
[ ٢٥٢ ]
هو مصفعة (^١) اليهود، وهو عندهم ربُّ العالمين وخالق السماوات والأرضين.
ومسيحُ المسلمينَ الذي ينتظرونه: هو عبد الله ورسولُه ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول، عيسى ابنُ مريم، أخو عبدِ الله ورسولِه محمدِ بن عبد الله، فيظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءَه عبَّاد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وأعداءَه (^٢) اليهودَ الذين رموه وأُمَّه بالعظائم.
فهذا هو الذي ينتظره المسلمون، وهو نازل على المنارة الشرقيَّة بدمشق، واضعًا يديه على منكبي مَلَكَيْن، يراه الناس عِيَانًا بأبصارهم نازلًا من السماء، فيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وينفذ ما أضاعه الظَّلَمَةُ والفجرة والخَوَنَةُ من دين رسول الله ﷺ، ويحيي ما أماتوه. وتَعُود الملل كلُّها في زمانه ملةً واحدةً، وهي مِلَّتُه ومِلَّة أخيه محمد ومِلَّة أبيهما إبراهيم ومِلَّة سائر الأنبياء، وهي الإسلام الذي من يبتغي غيره دينًا فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
وقد حَمَّل رسولُ الله ﷺ مَنْ أدركه من أمته السَّلامَ، وأمره أن يقرئه إيَّاه منه، فأخبر عن موضع نزوله بأيِّ بلدٍ وبأي مكانٍ منه، وبحالِهِ وقتَ نزوله، ومَلْبَسِه الذي كان عليه، وأنه ممصَّرتان. أي: ثوبان. وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصَّلًا حتى كأنَّ المسلمين يشاهدونه عيانًا قبل أن يروه (^٣).
_________________
(١) في "ص، غ": "صفعة".
(٢) في "ص، غ": "أعداء".
(٣) انظر طائفة من الأحاديث في هذا الموضوع مع دراسات موسعة في "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للكشميري، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
[ ٢٥٣ ]
وهذا من جملة الغيوب التي أخبر بها، فوقعت مطابقةً لخبره (^١) حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، فهذا مُنْتَظَر المسلمين لا منتظر المغضوب عليهم ولا الضالين، ولا منتظر إخوانهم من الرَّوافِضِ المارقين.
وسوف يعلم المغضوب عليهم إذا جاء منتظر المسلمين: أنَّه ليس بابن يوسف النجَّار، ولا هو ولد زِنْيَة (^٢)، (ولا كان) (^٣) طبيبًا حاذقًا ماهرًا في صناعته استولى على العقول بصناعته، ولا كان ساحرًا ممخرقًا، ولا مُكِّنوا من صَلْبِه وتسميره وصَفْعِهِ وقَتْلِه؛ بل كانوا أَهْونَ على الله من ذلك.
ويعلم الضالون أنَّه ابن البشر، وأنَّه عبد الله ورسوله، ليس بإلهٍ ولا ابن إله، وأنه بَشَّر بنبوَّة محمدٍ أخيه أولًا وحكم بشريعته ودينه آخرًا، وأنه عدو المغضوب عليهم والضالين، ووليُّ رسولِ الله وأتباعه المؤمنين، وما كان أولياؤه (^٤) الأرجاسَ الأنجاسَ عَبَدَةَ الصُّلْبان والصُّوَر المدهونة في الحيطان، إنْ أولياؤه إلا الموحِّدون عُبَّاد الرحمن، أهل الإسلام والإيمان، الذين نزَّهوه وأمَّه عمَّا رماهما به أعداؤهما (اليهود، ونزَّهوا ربَّه وخالِقَه ومالِكَه وسيِّده عمَّا رماه به أهل) (^٥) الشرك والسّبِّ للواحد المعبود.
فَلْنرجِعْ إلى الجواب على طريق من يقول: إنهم غيَّرُوا ألفاظ الكتب
_________________
(١) في "غ، ص": "بخبره".
(٢) في "غ، ص": "زانية" وفي "ب، ج": "ريبة".
(٣) في "غ، ص": "لأن".
(٤) في "غ، ص": "أولياء".
(٥) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
[ ٢٥٤ ]
وزادوا ونقصوا. كما أجبنا على طريق من يقول: إنما غيروا معانِيَهَا وتأولوها على غير تأويلها.
قال هؤلاء: نحن لا ندَّعي ولا طائفة من المسلمين أنَّ ألفاظ (^١) كلِّ نسخةٍ في العالم غُيِّرَتْ وبُدِّلَتْ؛ بل من المسلمين من يقول: إنه غُيِّر بعضُ ألفاظها قبل مبعث رسول الله ﷺ، وغُيِّرتْ بعضُ النُّسَخ بعد مبعثه، ولا يقولون: إنه غُيِّرت كلُّ نسخةٍ في العالم بعد المبعث؛ بل غُيِّر البعضُ، وظهر عند كثيرٍ من الناس تلك النُّسَخُ المغيَّرَة (^٢) المبدَّلة دون التي لم تُبَدَّلْ، والنُّسَخُ التي لم تُبَدَّلْ موجودةٌ في العالَم.
ومعلومٌ أنَّ هذا مما لا يمكن نَفْيُه والجزم بعدم وقوعه؛ فإنه لا يمكن أحدًا أن يعلم أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة، ومَنِ الذي أحاط بذلك علمًا وعقلًا؟!
أهل الكتاب يعلمون أنَّ أحدًا لا يمكنه ذلك.
وأما من قال من المسلمين: إن التغيير وقع في أول الأمر، فإنهم قالوا: إنه وقع أولًا من عازر الورَّاق، في "التوراة" في بعض الأمور؛ إما عمدًا وإما خطأ، فإنه لم يقم دليل على عصمته، ولا أنَّ تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين التوراة التي أُنزلت على موسى، وقد ذكرنا أنَّ فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله، وأنه أنزله على رسوله وكليمه، وتَرَكْنَا كثيرًا لم نذكره.
وأما الإنجيل: فهو أربعة أناجيل أُخِذَتْ عن أربعة نفر؛ اثنان منهم
_________________
(١) ساقطة من "د".
(٢) ساقطة من "ص، غ".
[ ٢٥٥ ]
لم يَرَيَا المسيح أصلًا، وهما: مَرْقُس ولُوقَا، واثنان رأياه واجتمعا به، وهما مَتَّى ويُوحَنَّا، وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيلُه (إنجيلَ أصحابه) (^١) في أشياء، وفيها ذِكْرُ القولِ ونقيضِه.
ففيه أنه قال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة، ولكن غيري يشهد لي" (^٢).
وقال في موضع آخر: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئتُ وإلى أين أذهب" (^٣).
وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: "قد جَزِعَتْ نفسي الآن فماذا أقول؟! يا أبتاه سَلِّمني من هذا الوقت" (^٤). وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحًا عظيمًا وقال: "يا إلهي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي" (^٥)؟!
فكيف يجتمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه ويقتلوه رحمةً منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبَّرها على إبليس؟
وكيف يجزع إله العالم من ذلك؟ وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه؟! وكيف يشتد صياحه ويقول: "يا إلهي لِمَ
_________________
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) يوحنا: (٥/ ٣١ - ٣٢).
(٣) يوحنا: (٨/ ١٤ - ١٥).
(٤) إنجيل متى: (٢٦/ ٣٧ - ٣٨).
(٥) إنجيل متى: (٢٧/ ٤٦).
[ ٢٥٦ ]
أسْلَمْتَنِي" وهو الذي أسْلَمَ نفسه؟! وكيف لم يُخَلِّصه أَبوه مع قدرته على تخليصه وإنزال صاعقة على الصليب وأهله؟! أم كان ربًّا عاجزًا مقهورًا مع اليهود؟!
وفيه أيضًا: "أنَّ اليهود سألتْه أن يُظْهِر لهم برهانًا أنه المسيح، فقال: "تهدمون هذا البيت -يعني بيت المقدس- وأبنيه لكم في ثلاثة أيام، فقالوا له: بيت مبنيٌّ في خمس وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام" (^١).
ثم ذكرتم في الإنجيل أيضًا: أنه لما ظَفِرَت به اليهود وحُمِل إلى بلاط عامل قيصر واسْتُدْعِيَتْ (^٢) عليه بَيِّنةٌ أنّ شاهِدَي زُورٍ جاءا إليه وقالا: سمعناه يقول: أنا قادر على بنيان بيت المقدس في ثلاثة أيام (^٣).
فيالله العَجَب كيف يدَّعي أن تلك المعجزة والقدرة له ويدَّعي أنَّ الشاهدين عليه بها شاهدا زور؟!
وفيه أيضًا للوقا: أن المسيح قال لرجلين من تلامذته: اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما، فإذا دخلتماه فستجدان فَلُوًّا (^٤) مربوطًا لم يركبه أحد فحُلَّاه وأقبلا به إليَّ" (^٥).
وقال في إنجيل مَتّى في هذه القصة: إنها كانت حمارة متبعة (^٦).
_________________
(١) إنجيل يوحنا: (٨/ ١٨ - ٢١).
(٢) في "غ، ص": "استرعيت".
(٣) إنجيل متى: (٢٦/ ٥٩).
(٤) الفَلُوّ: المُهْر يُفصل عن أمه. والجمع أفلاء، والأنثى: فلوَّة. والفِلْو لغة فيه.
(٥) إنجيل لوقا: (١٩/ ٣٠ - ٣١).
(٦) إنجيل متى: (٢١/ ٢ - ٣). وفي "د": "متعبة".
[ ٢٥٧ ]
وفيه أنه قال: "لا تحسبوا أني قدمت لأُصْلحَ بين أهل الأرض، لم آتِ لصلاحهم، لكن لأُلْقِي المحاربة بينهم؛ إنما قدمت لأفرِّق بين المرء وابنه، والبنت وأمها حتى يصيرَ أعداءُ المرء أهلَ بيته" (^١).
ثم فيه أيضًا: "إنما قدمت لتحيوا (^٢) وتزدادوا خيرًا وأصلح بين الناس" (^٣)، وأنه قال: "مَنْ لَطَمَ خدَّك اليمين فانصبْ له الآخر" (^٤).
وفيه أيضًا أنه قال: "طوبا لك يا شمعون (رأس الجماعة) (^٥)، وأنا أقول: إنك ابن الحجر، وعلى هذا الحجر تبني بيعتي، فكل ما أحللتَه على الأرض يكون محلَّلًا في السماء، وما عقدتَه على الأرض يكون معقودًا في السماء" (^٦).
ثم فيه بعينه بعد أسطر يقول له: "اذهب يا شيطان ولا تعارض، فإنك جاهل". فكيف يكون شيطان جاهل مطاعًا في السموات؟!!
وفي الإنجيل نص: "أنه لم تلد النساء مثل يحيى" (^٧) هذا في إنجيل مَتَّى، وفي إنجيل يُوحَنَّا: "إن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره، فسألوه من هو؟ أَهُوَ المسيحُ؟ قال: لا، قالوا: نراك إلياس؟ قال: لا، قالوا: أنت نبيٌّ؟ قال: لا، قالوا: أخبِرْنَا مَنْ أنت؟ قال: أنا صوتُ
_________________
(١) إنجيل متى: (١٠/ ٣٤ - ٣٥).
(٢) في "ص، غ": "ليحيوا".
(٣) إنجيل يوحنا: (٥/ ٣٨ - ٣٩).
(٤) إنجيل متى: (٥/ ٤٠).
(٥) في "غ، ب، ص": "أين الحمامة".
(٦) إنجيل متى: (١٦/ ١٧ - ١٩).
(٧) إنجيل متى: (١١/ ١١ - ١٢).
[ ٢٥٨ ]
منادٍ (^١) المفاوز" (^٢). ولا يجوز لنبيٍّ أن ينكر نبوته؛ فإنه يكون مخبرًا بالكذب.
ومن العجب أن في إنجيل مَتَّى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف (^٣)، فقال: عيسى بن يوسف بن فلان، ثم عدَّ إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبًا (^٤). ثم نسبه لوقا أيضًا في إنجيله إلى يوسف، وعدَّ منه إلى إبراهيم نيَفًا وخمسين أبًا (^٥).
فبينا هو إله تام إذ صيَّرُوه ابن الإله، ثم جعلوه ابن يوسف النجار؟!.
والمقصود: أنَّ هذا الاضطراب في "الإنجيل" يشهد بأنَّ التغيير وقع فيه قطعًا، ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله، (بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدلُّ على أن ذلك الاختلافَ من عند غير الله) (^٦).
وأنت إذا اعتبرتَ نُسَخَهُ ونُسَخَ التوراة التي بأيدي اليهود والسَّامرة والنَّصارى رأيتَها مختلفةً اختلافًا يقطع مَنْ وقف عليه بأنَّه من جهة التغيير والتبديل. وكذلك نُسَخُ "الزبور" مختلفةٌ جدًّا.
ومن المعلوم أنَّ نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود
_________________
(١) في "ص، غ": "منادٍ في".
(٢) إنجيل يوحنا: (١/ ١٩ - ٢٤).
(٣) في "ج، ص، غ": "يوسف النجار".
(٤) إنجيل متى: (١/ ١).
(٥) إنجيل لوقا: (٣/ ٢٣).
(٦) ما بين القوسين ساقط من "د".
[ ٢٥٩ ]
والنصارى وليست عند عامتهم، ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين للقرآن، ولا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤُ على تغيير بعض النسخ، ولاسيما إذا كان بَقيَّئتُهم لا يحفظونها، فإذا قصدتْ طائفةٌ منهم تغيير نسخةٍ أو نُسَخٍ) (^١) عندهم أمْكَنَ ذلك، ثم إذا تواطؤوا على أن لا يذكروا ذلك لعوامِّهم وأتباعهم أَمْكَنَ ذلك، وهذا واقعٌ في العالم كثيرًا.
فهؤلاء اليهود تواطؤوا وتواصَوا بكتمانِ نبوَّة المسيحِ وجَحْدِ البشارة به وتحريفِهَا، واشتهر ذلك بين طائفتهم في الأرض، مشارقها ومغاربها.
وكذلك تواطؤوا على أنه كان طبيبًا ساحرًا ممخرقًا ابنَ زانيةٍ، وتواصوا به مع رؤيتهم الآيات الباهرات التي أُرسل بها وعِلْمِهم أنه أبعد خَلْق الله ممّا رُمي به، وشاع ما تواطؤوا عليه وملؤوا به كتبهم شرقًا وغربًا.
وكذلك تواطؤوا على أنَّ لوطًا نكح ابنتيه وأَوْلَدَهُمًا أولادًا وشاع ذلك فيهم جميعهم.
وتواطؤوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعضَّ أنامِلَه، وصارع يعقوب فصرعَهُ يعقوبُ، وأنه راقِدٌ عنهم، وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم.
وكذلك تواطؤوا على فصولٍ لفَّقُوها بعد زوال مملكتهم يُصَلُّون بها، لم تعرف (^٢) عن موسى ولا عن أحد من أتباعه، كقولهم في
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) في "ص، غ": "يعرف".
[ ٢٦٠ ]
صلاتهم: "اللهمَّ اضرب ببوق عظيم لعتقنا (^١). واقبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك، يا جامع تشتيت قوم (^٢) إسرائيل". وقولهم فيها: "اردد حكامنا (^٣) منا كالأولين وسيرتنا كالابتداء، وابْنِ أورشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزَّنا ببنائها، سبحانك، يا باني أورشليم". ولم يكن موسى وقومه يقولون في صلاتهم شيئًا من ذلك.
وكذلك تواطؤهم على قولهم في صلاتهم أول العام ما حكيناه عنهم.
وكذلك تواطؤهم على شرع صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصار (^٤) وصوم كدليا (^٥) وفرضهم ذلك، وصوم صلب هامان. وقد اعترفوا بأنهم زادوها لأسباب اقتضتها، وتواطؤوا بذلك على مخالفة ما نصَّتْ عليه التوراة من قوله: "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئًا، ولا تنقصوا منه شيئًا" فتواطؤوا على الزيادة والنقصان وتبديل أحكام الله، كما تواطؤوا على تعطيل فريضة الرَّجْم على الزاني وهو في التوراة نصًّا (^٦).
وكذلك تواطؤهم على امتناع النَّسْخ على الله فيما شرعه لعباده
_________________
(١) في "غ، ص": "لعذقنا".
(٢) في "غ، ص": "قومه".
(٣) في "د" "حكمنا".
(٤) في "غ، ص": "حصاد" وفي "ج": "حصا". وصوم الحصار: ذكرى حصار بيت المقدس.
(٥) كان حاكمًا على فلسطين.
(٦) في "د": "أيضًا".
[ ٢٦١ ]
تمسُّكًا منهم باليهودية، وقد أكذبتهم التوراة وسائر النبوات. ومن العجائب حَجْرُهم على الله أن ينسخ ما شَرَعَه لئلا يلزم البَدَاءُ، ثم يقولون: إنه ندم وبكى على الطوفان وعاد في رأيه وندم على خلق الإنسان! وهذه مضارعة لإخوانهم من عُبَّاد الصليب الذين نزَّهوا رهبانهم عن الصاحبة والولد ثم نسبوهما إلى الفرد الصمد!!
ومن ذلك تواطؤهم على أنَّ المُلْكَ يعود إليهم وترجع المِلَلُ كلُّها إلى مِلَّة اليهودية ويصيرون قاهرين لجميع أهل الملل.
ومن ذلك تواطؤهم على تعطيل أحكام التوراة وفرائضها، وتركها في جُلِّ أمورهم إلا اليسير منها، وهم معترفون بذلك وأنه أكبر أسباب زوال مُلْكِهم وعِزِّهم.
فكيف يُنْكَرُ (^١) من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح وجَحْدِ نبوَّته، وبَهْتِه وبَهْتِ أُمِّه، والكَذب الصريح على الله وعلى أنبيائه، وتعطيلِ أحكام الله والاستبدالِ بها، وعلى قتلهم أنبياء الله = أن تتواطأ على تحريف بعض التوراة وكتمان نَعْتِ محمدِ رسول الله ﷺ وصفته فيها.
وأما أُمَّةُ الضلال وعُبَّادُ الصليب والصُّوَر المزوَّقَة في الحيطان، وإخوانُ الخنازير، وشَاتِمُو خالقهم ورزاقهم أقْبَحَ شَتْمٍ، وجاعلوه مَصْفَعَةَ اليهود، وتواطؤهم على ذلك، وعلى ضروب المستحيلات وأنواع الأباطيل، فلا إله إلا الله الذي أبرز للوجود مِثْل هذه الأمة التي هي أضلُّ من الحمير ومن جميع الأنعام السَّائمة، وخَلَّى بينهم وبين سَبِّه
_________________
(١) في "غ، ص": "يكبر".
[ ٢٦٢ ]
وشَتْمِهِ وتكذيب عبده ورسوله، ومعاداةِ (^١) حزبه وأوليائه، وموالاة الشيطان، والتَعوُّض بعبادةِ الصُّوَر والصُّلْبان عن عبادةِ الرحمن الرحيم (^٢)، وعنِ قولِ: الله أكبر بالتصليب على الوجه، وعن قِراءة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، باللهمَّ أعطنا خبزنا (^٣) الملائم لنا، وعن السجود للواحد القهَّار بالسجود للصُّوَر المدهونة في الحائط بالأحمر والأصفر واللازورد.
فهذا بعض شأن (هاتين الأمتين اللتين عندهما آثار النبوة والكتاب فما الظن بسائر) (^٤) الأمم الذين ليس عندهم من النبوة والكتاب حِسٌّ ولا خَبَرٌ، ولا عَيْنٌ ولا أَثَر؟!
_________________
(١) في "ج": "وتكذيب".
(٢) ليست في "غ، ص".
(٣) في "د": "خبزنا كفافنا".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "د".
[ ٢٦٣ ]