أخرجه الدارقطني في "السنن" (٢/ ٢٧٨):
حدثنا أبو عبيد، والقاضي أبو عبد الله، وابن مخلد، قالوا: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد، وأبو عون، عن الشعبي، والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب، قال:
قال رسول الله - ﷺ -:
"من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة".
ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤١٥١).
وأخرجه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٣٠):
حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد، وابن عون، عن الشعبي، والأسود بن ميمون، عن هارون بن أبي قزعة، عن مولى حاطب بن أبي بلتعة، عن حاطب به.
قلت: وفي هذا السند هارون بن أبي قزعة - أو ابن قزعة - وهو ضعيف، بل منكر الحديث.
[ ٢٨٧ ]
فقد ذكره العقيلي، والساجي، وابن الجارود في "الضعفاء"، وضعفه يعقوب بن شيبة.
وقد تفرد برواية هذا الخبر المنكر، بل واضطرب فيه، فرواه على وجه آخر عن رجل من آل الخطاب، عن النبي - ﷺ -، قال:
"من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة".
وهو الحديث الآتي، وسوف يأتي الكلام عليه قريبًا على حدة.
ثم إن في السند ذلك المبهم، والمبهم حكمه حكم مجهول العين، كما تقدَّم بيانه.
إلا أن المؤلف لم يرض بذلك، بل خالف القواعد العلمية، لأجل توثيق هارون هذا، فقال (ص: ٣٣٢):
(والرجل قد ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي، والساجي، وابن الجارود في الضعفاء، لكن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٨٠).
ويروي عنه عامر الشعبي، فيكون هارون بن أبي قزعة ثقة عنده.
قال يحيى بن معين في "الشعبي": إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة، ويُحتج به، فرواية الشعبي عن هارون بن أبي قزعة توثيق له كما قال ابن معين لأنه سماه، وهو توثيق أقل من النص عليه صراحة
[ ٢٨٨ ]
لأنه توثيق ضمني أو إجمالي، فمع توثيق ابن حبان، ورواية الشعبي الموثقة لهارون بن أبي قزعة فالرجل ممن يعتبر بحديثه ويستشهد).
قلت: ما نص عليه ابن معين ليس قاعدة مطردة، ولا اعتماده فيها على تصريح الشعبي بها، وإنما هو بالسبر والتتبع، فلا يجوز أن يقال من صرح باسمه الشعبي فهو ثقة عنده كما زعم المؤلف.
بل قد روى الشعبي عن الحارث بن عبد الله الأعور، وصرح باسمه، وقال: كان كذَّابًا.
ثم على فرض التسليم بأنه ثقة عند الشعبي، فقد جرحه عامة أهل العلم، ومنهم من جرحه جرحًا مفسرًا، وهو الإمام البخاري.
فقد روى العقيلي عنه في "الضعفاء" (٤/ ٣٦٢) أنه قال في هارون: لا يتابع عليه.
أي على هذا الحديث المنكر، وهذا كاف لجرحه، لا سيما وأنه لا يُعرف بغيره.
وأما قول المؤلف (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣):
(وليكن الضعف في هذا الحديث غير شديد، بل ضعفه قريب، ويحتج الفقهاء بمثله في إثبات مشروعية أمر ما، ودونك كتب الفقه لتتحقق من صحة مقولتي، فكيف ولأحاديث الزيارة طرق بعضها من شرط الحسن).
فساقط جملة وتفصيلًا، ذلك لأنه إن سلم له توثيق هارون -
[ ٢٨٩ ]
ولا يسلم له حتى يلج الجمل في سم الخياط - فلا يسلم له عدالة البهم، ولا حتى معرفة عينه، وهذا وحده كاف في رد الحديث.
وأما أن هذا الضعف فمما يحتج به الفقهاء، فإن كان بعضهم يقع لهم مثل ذلك في مصنفاتهم، فهو مما انتقد عليهم، لأنهم لا دراية لهم بصحة الأدلة وضعفها، ومن ثم يحتجون بما لا تقوم به حجة، بخلاف الأئمة المحققين من أهل العلم، فإنهم لا يحتجون إلا بالصحيح الثابت، وهذه هي سؤالات أحمد بن حنبل ومسائله، والأم للإمام الشافعي، وكتاب ابن المنذر النيسابوري من الأئمة المجتهدين المنسوبين إلى مذهب الشافعي، لا تراهم يحتجون بمثل هذه الواهيات، بل ولا يذهبون إليها بحال من الأحوال.
ومن هنا وردت بعض البدع على الإسلام بتحسين بعض الفقهاء ما لا يحسن من المحدثات اغترارًا ببعض الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، وقد بينت ذلك في كتابي "السنن والمبتدعات في العبادات"، وكتابي "الدُربة على الملَكة".
وأما أن أحاديث الزيارة منها ما هو على شرط الحسن، فكذب ومبالغة، وقد أثبتنا فيما تقدَّم زيفها ووهاءها.
وأما نقل المؤلف عن الذهبي أنه قال: أجودها (أي أحاديث الزيارة) إسنادًا حديث حاطب، وأقره السخاوي في "المقاصد الحسنة"، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" فلا يقتضي أنها جيدة أو حسنة،
[ ٢٩٠ ]
وإنما هي مقارنة بالأسانيد المتقدمة، التي هي ما بين موضوعة، ومنكرة وواهية، أجود ما فيها.
وقد قال الذهبي في "نقده لبيان الوهم والإيهام" لابن القطان (ص: ٨٩):
"قال البخاري: أحسن شيء فيه حديث رباح، فقول البخاري: أحسن؛ لا يقتضي تحسينه، فما هو إِلا ضعيف".
ثم إني وقفت بعدُ على النقل عن الذهبي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٤٨)، وعبارته هناك:
"ومن أجودها إسنادًا حديث حاطب".
فهذه العبارة لا تقتضي بحال أن هذه الرواية أجودها، بل هي من أجودها، ولا تقتضي الجودة، وإنما هي على المقارنة، فتنبه.
[ ٢٩١ ]