ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء، فيحييهما الله ويصلبهما، أو يصلب بدلًا منهما شيطانًا أو سوى ذلك، فإن ذلك أعدل من صلب المسيح البريء.
يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئًا يعدل البشر جميعًا، من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة، فكان أداة خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن، بل تكون له الحياة الأبدية، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص " (يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧). (١)
فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهرًا من إصر الخطيئة، ولم يصنعها طوال حياته، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فاديًا وأن يقبل به الفداء، وكما يقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَملٍ بِلاَ عيْب ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩)، ويقول مؤلف رسالة العبرانيين المجهول: "يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية" (عبرانيين ٤/ ١٤ - ١٥).
يقول الأب متى المسكين: "عملية الفداء تحتم أن المولود يكون قدوسًا بلا أدنى عيب أو خطية، وإلا يُحسب موته عن استحقاق له، وليس باستحقاق آخرين، كما يتطلبه معنى الفداء". (٢)
_________________
(١) انظر: كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جردوم، ص (٢٠٦).
(٢) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (١٤١).
[ ١٨٩ ]
لكن المسيح لا يمتاز في هذا الباب عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنبًا، " كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه .. من يفعل الخطية فهو من إبليس .. كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية " (يوحنا (١) ٣/ ٦ - ٩) فـ "كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه" (يوحنا (١) ٥/ ١٨).
ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من الله "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا: أولاد الله، أي المؤمنين باسمه" (يوحنا ١/ ١٢). أمَا كان صلب أحد هؤلاء الأبرار كفارة عن خطايانا أولى من صلب الإله؟
لكنا نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح، رغم أن الشرط وضع وفق مواصفات النصارى له، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحدًا منهم لا يقول بصلب الإله، لكن بصلب الناسوت، والتوراة تقول: "ليس إنسان لا يخطئ" (الملوك (١) ٨/ ٤٦)، فالمصلوب هو الناسوت، وليس من إنسان إلا ويخطئ.
كما أن ناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضًا حاملة للخطيئة، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فاديًا!
ولدفع هذا لم يجد الكاثوليك بُدًا من القول بعصمة والدة المسيح، فقد نقل القس الخضري عن الكنيسة الكاثوليكية أنها نعتقد بأنه "ليس مريم وحدها التي حبلت بيسوع بطريقة معصومة من وصمة الخطية الأصلية، بل هي (مريم) أيضًا حُبل بها بنفس الطريقة، ولقد أصبحت هذه العقيدة قاعدة من قواعد الإيمان الكاثوليكي بعد أن أصدر البابا بيوس التاسع في ٨/ ١٢/١٨٥٤ منشوره الخاص بالعصمة البابوية، فهذا المنشور يقرر بأن مريم نجت من وصمة الخطية الأصلية عن طريق نعمة خاصة ..
[ ١٩٠ ]
فيجب أن تكون هي معصومة من الخطية الأصلية ومن اللعنة التي لحقت بآدم وبكل نسله، وإلا لوصلت ليسوع عن طريق أمومتها نفس اللعنة ونفس الوصمة". (١)
وعلى كلٍ فالمصلوب - حسب معتقد الكاثوليك والبرتستانت القائلين بالطبيعتين - هو ابن الإنسان، وليس ابن الله، أي الناسوت لا اللاهوت، فالثمن دون الغرض الذي يدفع له، كيف لإنسان أن يعدل البشرية كلها بدمه؟
وقد صدق الأنبا غريغوريوس وهو يرد على الكاثوليك والبرتستانت: "إذا كان للسيد المسيح طبيعتان بعد الاتحاد، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسد السيد المسيح، لأنه هو الذي وقع عليه الصلب، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري، إذ يكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط". (٢)
والمتأمل في نصوص العهد الجديد يراها تنسب إلى المسيح - وحاشاه ﵊- العديد من الذنوب والآثام التي تجعله أحد الخاطئين، فلا يصلح حينئذ لتحقيق الخلاص، لحاجته هو إلى من يخلصه.
فالأسفار الإنجيلية تنسب إلى المسيح العظيم العديد من الرزايا والبلايا، إذ تذكر أنه كان حريصًا على إضلال قومه، محبًا لهلاكهم، كما تذكر أنه كان سبّابًا وشريب خمر، وهو بذلك مستوجب لدخول جهنم، ومحروم من دخول الملكوت، وحاشاه ﵊.
فقد اتهمه متى بشرب الخمر "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب. فيقولون: هوذا إنسان أكول وشريب خمر. محب للعشارين والخطاة" (متى ١١/ ١٩).
_________________
(١) تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٢) موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (٢٣٥).
[ ١٩١ ]
فيما نسبت إليه الأناجيل الكثير من السباب والشتائم لليهود والتلاميذ، كما في قوله لتلميذيه: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا ٢٤/ ٢٥)، وقوله لبطرس: "اذهب عني يا شيطان " (متى ١٦/ ٢٣).
وكذا شتم الأنبياء وشبههم باللصوص في قوله: " قال لهم يسوع أيضًا: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص" (يوحنا ١٠/ ٧ - ٨).
وهذا السباب وغيره يستحق فاعله، بل فاعل ما هو أقل منه نار جهنم، وذلك حسب العهد الجديد، يقول متى: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى ٥/ ٢٢)، وقال بولس متوعدًا الذين يشتمون والذين يشربون الخمر بالحرمان من دخول الجنة: "ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله" (كورنثوس (١) ٦/ ١٠)، فمن استحق النار - وحاشاه ﵊ - هل يصلح ليفدي البشرية كلها؟!
كما يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبنائه حاملي الإثم ووارثيه نوع من الظلم لا تقره الشرائع على اختلاف مصادرها، ولو عرضت قضية المسيح على أي محكمة بشرية لصدر حكم ببراءته في دقيقتين فقط. فكيف قبِل النصارى أن ينسبوا إلى الله ﷿ الرضا عن مثل هذا الظلم، هل يرضى الرب العادل أن يؤخذ البريء بذنب المذنب، وهو - ﷿ - قادر على العفو والمغفرة.
ويجيب النصارى بأن ليس في الأمر ظلم، وذلك أن المسيح تطوع بالقيام بهذه المهمة، بل إن نزول لاهوته من السماء وتأنسه كان لتحقيق هذه المهمة العظيمة المتمثلة بخلاص الناس من الإثم والخطيئة.
أما جويل بويد فيتجه اتجاهًا آخر فيرى أن لا ظلم في صلب المسيح، إذ أن المسيح
[ ١٩٢ ]
بتجسده الإنساني قد أصبح خاطئًا متقمصًا شخصية الإنسان المجرم الخاطئ، وعليه فقد استحق قول التوراة: " النفس التي تخطئ هي تموت " (حزقيال ١٨/ ٤). (١)
والقول بتبرع المسيح البريء بالصلب عن الخطاة مردود من وجوه عدة:
- منها أن المسيح لا يحق له أن يرضى عن مثل هذا الصنيع، فهذا من الانتحار لا الفداء. فقاطع يده أو قاتل نفسه مذنب، مع أن ذلك برضاه ووفق إرادته.
- ومنها أن المسيح صدرت منه تصرفات كثيرة تدل على هروبه من اليهود وكراهيته للموت على أيديهم، ولو كان قد جاء لهذه المهمة، فلم هرب منها مرارًا، وصدر عنه ما يشعر بجهله بهذه المهمة.
فقد هرب المسيح من طالبيه مرارًا، وحرص على النجاة من مكائدهم. (انظر يوحنا ٨/ ٥٩، ١٠/ ٣٩، ١١/ ٥٣).
ولما رأى إصرارهم على قتله لم يسلم نفسه، بل خرج من أورشليم، وقال: " بل ينبغي أن أسير اليوم وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك بني خارجًا عن أورشليم " (لوقا ١٣/ ٣٣).
لذا اختار الجليل ملاذًا له من مؤامرة اليهود "وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية، لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه" (يوحنا ٧/ ١).
وصار المسيح يتخفى حين تجبره الظروف على الظهور "فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه، فلم يكن يسوع يمشي بين اليهود علانية" (يوحنا ١١/ ٥٤).
ولما أحس بالمؤامرة أمر تلاميذه بشراء سيوف ليدفعوا بها عنه. (انظر لوقا ٢٢/ ٣٦ - ٣٨).
_________________
(١) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة الشاهين، ص (١٤١).
[ ١٩٣ ]
ثم هرب إلى البستان، وصلى طويلًا وحزن واكتئب وتصبب عرقه وهو يطلب من الله " إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس " (متى ٢٦/ ٣٩)، لقد طلب من الله أن يصرف عنه كأس الموت.
ثم لما وضع على الصليب - كما زعموا - صرخ: " إيلي إيلي، لم شبقتني، أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ " (متى ٢٧/ ٤٦)، فلم يكن راضيًا عن صلبه، ولا عالمًا بالمهمة التي زعموا أنه جاء لأجلها.
وصراخ المصلوب اليائس على الصليب اعتبرته دراسة صموئيل ريماروس (ت ١٧٧٨م) حجة أساس في نتائجه التي توصل إليها بعد دراسته الموسعة، فاعتبره دالًا على أن المسيح لم يخطر بباله أنه سيصلب، خلافًا لما تقوله الأناجيل. (١)
ومنها: أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحدًا من تلاميذه، وأن أحدًا منهم لم يعرف شيئًا عن ذلك، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته.
ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض: " أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته " (يوحنا ١٧/ ٥)، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب، فكيف يقال: إنه جاء ليصلب، وقد أكمل عمله الذي لأجله جاء، ولما يصلب بعد.
وأخيرًا: هل تقبل محكمة عادلة متحضرة أن تأخذ البريء المتطوع لحمل وزر الخطيئة بذنب المجرم الخاطئ؟ إن أحدًا من البشر لا يصنع مثل هذا الخَرق، ومن باب أولى أن يتنزه الله الحكيم عنه.
_________________
(١) انظر: منهجية جمع السنة والأناجيل، عزية طه، ص (٢٥٩ - ٢٦٠).
[ ١٩٤ ]