والمتأمل في النصوص الإنجيلية لن يجد كبير صعوبة في رؤية بعض ما أضافه النساخ في النص عن عمد، ومنه ما جاء في متى " متى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال قائمة في المكان المقدس، ليفهم القارئ، فحينئذ ليهرب الذي في اليهود إلى الجبال " (متى ٢٤/ ١٥ - ١٦)، فعبارة " ليفهم القارئ " من زيادة الناسخ الذي أراد التنبيه على أهمية الموضوع الذي يكتبه، ولم يقلها المسيح وهو يخاطب تلاميذه.
ومثله ما جاء في آخر يوحنا " هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق " (يوحنا ٢١/ ٢٤) فقوله " نعلم أن شهادته حق " من زيادة النساخ، وقد اعترف بذلك طابعو الرهبانية اليسوعية، إذ تعلق عليه بقولها: "إن الجماعة التي دونت هذا الإنجيل ترى فيه شهادة دائمة وموافقة للحاضر أتى بها التلميذ الحبيب".
ومثله ما جاء في يوحنا " للوقت خرج دم وماء، والذين عاين شهد، وشهادته حق، وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم " (يوحنا ١٩/ ٣٤ - ٣٦)، فالجملة الأخيرة أراد الناسخ من خلالها التأكيد والتنبيه على صدق يوحنا، وهي ليست من كتابته.
ومما أضافه النساخ في إنجيل لوقا ما نسبوه على المسيح في سياق جوابه على التلميذين يوحنا ويعقوب حين اقترحا عليه أن ينزلا نارا من السماء فتفني السامريين، فالتفت إليهما وانتهرهما، وهنا يضيف نساخ المخطوطات العبارة التالية: "وقال: لستما
[ ٢٠ ]
تعلمان من أي روح أنتما" (لوقا ٩/ ٥٥)، يقول الأب متى المسكين: "اتفق هنا جميع العلماء وبلا استثناء أن هذه الآية أضيفت مبكرًا جدًا بواسطة أحد النساخ، لأن النص الأقدم لم يحتويها، على كل حال هي توافق الموقف والمعنى، والكلام ينتهي في المخطوطات القديمة عند: (وانتهرهما) ". (١)
وقد حُذفت هذه الزيادة من عدد من الترجمات والطبعات الحديثة، من بينها الترجمة العربية المشتركة والرهبانية اليسوعية التي أعدها الآباء اليسوعيون.
ومثله أخطأ النساخ وسهوا، فأضافوا أو حذفوا فقرة في الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا، فقد ورد فيه حسب الترجمة الفانديك المشهورة التي اعتمدناها في هذه السلسلة: " كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم، يتوقعون تحريك الماء، لأن ملاكًا كان ينزل أحيانًا في البركة ويحرك الماء، فمن نزل أولًا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه، وكان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة " (يوحنا ٥/ ٣ - ٦)، فقوله: " يتوقعون تحريك الماء أي مرض اعتراه" غير موجود في معظم المخطوطات الهامة - كما أفادنا الأب متى المسكين (٢) والآباء اليسوعيون - الذين حذفوا هذه الزيادة من نسختهم فقالوا: "يضجع فيها جمهور من المرضى بين عميان وعرج وكسحان، وكان هناك رجل عليل منذ ثمان وثلاثين سنة". وهكذا تحار النسخ المطبوعة وتتردد في قبول هذا النص ورفضه تباعًا للنساخ الذين أخطؤوا بإلحاق الزيادة أو حذفها.
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس لوقا، الأب متى المسكين، ص (٤٢٨).
(٢) انظر: شرح إنجيل القديس يوحنا، الأب متى المسكين (١/ ٣٢٨)، والنص غير موجود في أهم المخطوطات الكتابية القديمة كالبرديتين ٦٦ و٧٥.
[ ٢١ ]