وأما داود ﵇ والذي يصفه القرآن بالأواب، فتخصه التوراة بقبائح لم تذكر لغيره، منها أنه لما أراد الزواج من ابنة شاول ملك إسرائيل الأول (طالوت) قدم إليه مهرًا عجيبًا فلقد "قام داود، وذهب هو ورجاله، وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل، وأتى داود بغلفهم (الجلدة التي تقطع في الختان)، فأكملوها للملك لمصاهرة الملك " (صموئيل (١) ١٨/ ٢٧)، فما ذنب أولئك المساكين الذين قتلوا لغير جريرة ولا إثم.
ويحكي سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر، واحتقرته لأجله " كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب، فاحتقرته في قلبها .. وقالت: ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده، كما يتكشف أحد السفهاء " (صموئيل (٢) ٦/ ١٤ - ٢٠).
ثم تحكي التوراة قصة داود مع أوريا الحثي وزوجته "وكان في وقت المساء إن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحمّ. وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثّي؟ فأرسل داود رسلًا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها.
وحبلت المرأة، فأرسلت، وأخبرت داود، وقالت: إني حبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل إلي أوريا الحثي، فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه .. وقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك واغسل رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك.
[ ١١٩ ]
ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده، ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داود قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر! فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟ وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر.
فقال داود لأوريا: أقم هنا اليوم أيضًا، وغدًا أطلقك، فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه، وشرب، وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده، وإلى بيته لم ينزل، وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيضرب ويموت" (صموئيل (٢) ١١/ ٢ - ٢٦).
وكان كما أراد، ومات أوريا، وضم داود تلك الزانية إلى زوجاته، ومنها أنجب سليمان، الذي يشرفه كتاب الأناجيل، فيجعلونه أحد أجداد المسيح.
ثم تحكي الأسفار عن مجازر يشيب لها الولدان فعلها داود بالعمويين، فقد " أخرج الشعب الذي فيها، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد، وأمرَّهم في أتون الآجر، وهكذا صنع بجميع مدن عمون، ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم " (صموئيل (٢) ١٢/ ٣١) (١)، وفي سفر الأيام "وأخرج الشعب الذين بها، ونشرهم بمناشير ونوارج حديد وفؤوس، وهكذا صنع داود لكل مدن بني عمون" (الأيام (١) ٢٠/ ٣). سبحانك هذا بهتان عظيم.
لكن العجب العجاب أن كل ما نسبته الأسفار زورًا إلى نبي الله داود، لم يمنعها من وصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال، فقد قال عنه الله: "وجدتُ داود بن يسّى رجلًا حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي" (أعمال ١٣/ ٢٢)، وجعله المثل الأعلى والمقياس الأوفى الذي يوزن به ملوك بني إسرائيل، فقد ذكرت الأسفار أن الله لم يمزق مملكة سليمان إكرامًا لأبيه الذي حفظ وصايا الله، فتقول: " ولا آخذ كل المملكة
_________________
(١) لم يطق مترجمو الترجمة العربية المشتركة والآباء اليسوعيون هذه الجريمة المقزعة، فهم في غاية الرقة والإنسانية، فعمدوا إلى التلاعب بالنص وتحوير معناه، إذ تقول الترجمة العربية المشتركة: " واستعبد أهلها، وفرض عليهم العمل بالمعاول والمناشير والفؤوس وأفران الطوب"، فهم أكثر رقة وإنسانية من النبي المرسل من قبل الله؟!
[ ١٢٠ ]
من يده، بل أصيره رئيسًا كل أيام حياته، لأجل داود عبدي، الذي اخترته، الذي حفظ وصاياي وفرائضي" (الملوك (١) ١١/ ٣٤).
ويؤكد سفر الملوك استقامة داود على فرائض الله، وتنعي على سليمان أنه لم يكن مثل أبيه الذي اتبع أوامر الله بالتمام، فتقول: "عمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه" (الملوك (١) ١١/ ٦).
ولم تعتبر أسفار التوراة أيًا من الرزايا المنسوبة إلى داود ذنبًا فيما عدا قصته مع امرأة أوريا الحثي، وأما مذابحه المزعومة التي صنعها للفلسطينيين جمعًا لمهر خطيبته ميكال أو محرقته ونشره لعظام العمويين، فذلك كله لا خطيئة فيه "داود عمل ما هو مستقيم في عيني الرب، ولم يحد عن شيء مما أوصاه به كل أيام حياته، إلا في قضية أوريا الحثّي" (الملوك (١) ١٥/ ٥).