الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله المرسلين، وعلى نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين.
وبعد:
مازال الصادقون في كل عصر وجيل يبحثون عن الهدى والنور، وقد أرسل الله رسله، حاملين للهدى والبينات والنور ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ (المائدة: ٤٤)، ﴿وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدّقًا لما بين يديه من التّوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدّقًا لما بين يديه من التّوراة وهدًى وموعظةً للمتّقين﴾ (المائدة: ٤٦).
ثم جاء القرآن الكريم، الكتاب الخاتم أيضًا للدلالة على النور والهدى ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرًا ممّا كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثيرٍ قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبينٌ - يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السّلام ويخرجهم من الظّلمات إلى النّور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ﴾ (المائدة: ١٥ - ١٦).
إلا أن كتب الله المنزلة على الأنبياء السابقين فُقدت بسبب ظروف كتابتها وطريقة حفظها، وتعرضت للتحريف والضياع، فضلّ البشر وتاهوا عن الهدى والنور.
[ ٥ ]
وتوارث الناس كتبًا بديلة نُسبت إلى الله، لكنها كتب خالية - إلا قليلًا - من الهدى والنور، فقد حملت هذه الأسفار المكتوبة في طياتها ضعف البشر وجهلهم، فجاءت هذه الكتابات متناقضة غاصّة بالكثير مما لا يرتضي العقلاء نسبته إلى الله ووحيه القويم.
وهذا لا يمنع أن يكون في هذه الأسفار بعض أثارة من هدي الأنبياء وبقايا من وحي السماء، لكنها كما أسلفت غارت في بحور من تخليط البشر وتحريفهم.
هذا مجمل إيمان المسلمين في الكتب السابقة، فهم يؤمنون بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه، لكنهم يرفضون أن يقال عن أسفار العهد القديم، أنها كلمة الله، وإن حوت بعض كلمته وهديه.
أما النصارى واليهود فهم يؤمنون بقدسية هذه الأسفار، ويعتبرونها كلمة الله التي سطرها أنبياؤه، وتناقلها اليهود عبر تاريخهم الطويل.
وإزاء هذا الاختلاف الكبير بين موقفي الفريقين من أسفار العهد القديم، نطرح سؤالنا الهام: "هل العهد القديم كلمة الله؟ "
وهو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة من السلسلة التي نتقدم بها للذين مازالوا يبحثون عن الهدى والنور من أهل الكتاب.
وقد نهجتُ في هذه السلسلة منهج الغوص في طيات الكتب المقدسة عند النصارى، لأبحث من خلال الركام الكبير من الباطل عن أثارة الحق الذي نطقت به الأنبياء، لأقيم من خلاله الحجة على أولئك الذين يؤمنون بقدسية هذه الكتب.
[ ٦ ]
وقد أيدت ما بين يدي من نصوص بأقوال علماء الكنيسة، ومجامعها ومؤسساتها، كما استأنست بأقوال أحرار الفكر الغربيين الذين أنطقتهم الحقيقة بشيء من الإجابات التي نبحث عنها في هذه السلسلة، سلسلة الهدى والنور.
والله أسأل أن يهدينا جميعًا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة - شعبان - ١٤٢٣هـ
mongiz@maktoob.com
[ ٧ ]