(وَالْوَقْفُ) - شَرْعًا -: هُوَ تَحْبِيسُ الأَصْلِ وَتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ عَلَى بِرٍّ أَوْ قُرْبَةٍ، وَهُوَ (سُنَّةٌ)؛ لِأَنَّهُ مِنَ القُرَبِ المَنْدُوبِ إِلَيْهَا.
(وَيَصِحُّ) الوَقْفُ (بِقَوْلٍ) وَكَذَا إِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ، (وَفِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ عُرْفًا؛ كَمَنْ بَنَى أَرْضَهُ مَسْجِدًا، أَوْ) جَعَلَهَا (مَقْبَرَةً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ) إِذْنًا عَامًّا (أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ وَيَدْفِنُوا فِيهَا).
(وَصَرِيحُهُ) أَلْفَاظٌ ثَلَاثَةٌ: (وَقَفْتُ، وَحبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ)، فَمَنْ أَتَى بِصِيغَةٍ مِنْهُ؛ صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ؛ لِعَدَمِ الاحْتِمَالِ بِعُرْفِ الاسْتِعْمَالِ
[ ١٢٣ ]
وَالشَّرْعِ.
(وَكِنَايَتُهُ) ثَلَاثَةٌ أَيْضًا: (تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمَتُ، وَأَبَّدْتُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا مِنْهُ عُرْفٌ لُغَوِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ، فَتُسْتَعْمَلُ الصَّدَقَةُ فِي الزَّكَاةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَالتَّحْرِيمُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدُ يُسْتَعْمَلُ فِي وَقْفٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُرَادُ تَأْبِيدُهُ.
(وَشُرُوطُهُ) أَيِ الوَقْفِ: (خَمْسَةٌ):
أَحَدُهُمَا: (كَوْنُهُ) أَيِ الوَقْفِ (فِي) مَنْفَعَةٍ لِـ (عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا - غَيْرَ مُصْحَفٍ -)، فَيَصِحُّ وَقْفُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، (وَيُنْتَفَعُ بِهَا) نَفْعًا مُبَاحًا (مَعَ بَقَائِهَا) أَيِ عَيْنِهَا.
(وَ) الثَّانِي: (كَوْنُهُ) أَيِ الوَقْفِ (عَلَى) جِهَةِ (بِرٍّ) وَقُرْبَةٍ؛ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى المَسَاكِينِ وَالمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا، (وَيَصِحُّ) الوَقْفُ (مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ، وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) أَيْ مِنْ كَافِرٍ عَلَى مُعَيَّنٍ.
(وَ) الثَّالِثُ: (كَوْنُهُ) أَيِ الوَقْفِ - (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرسَةٍ مُعَيَّنَةٍ - (عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ).
(وَ) الرَّابِعُ: (كَوْنُ وَاقِفٍ نَافِذَ التَّصَرُّفِ)، وَهُوَ المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
(وَ) الخَامِسُ: كَوْنُ (وَقْفِهِ نَاجِزًا)، فَلَا يَصِحُّ مُؤَقَّتًا وَلَا مُعَلَّقًا إِلَّا بِمَوْتٍ.
(وَيَجِبُ العَمَلُ بِشَرْطِ وَاقِفٍ إِنْ وَافَقَ الشَّرْعَ، وَمَعَ إِطْلَاقٍ) فِي المَوْقُوفِ عَلَيْهِ (يَسْتَوِي غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ، وَذَكَرٌ وَأُنْثَى) لِعَدَمِ مُقْتَضَى التَّخْصِيصِ.
(وَالنَّظَرُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ) أَيْ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الوَاقِفُ نَاظِرًا، أَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ: فَالنَّظَرُ (لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) مُعَيِّنٍ (إِنْ كَانَ مَحْصُورًا، وَإِلَّا فَلِحَاكِمٍ
[ ١٢٤ ]
كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ).
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ) أَوْ أَوْلَادِهِ (أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ لِـ) وَلَدٍ مَوْجُودٍ حَالَةَ الوَقْفِ فَقَطْ مِنْ (ذِكَرٍ وَأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ، ثُمَّ) بَعْدَ وَلَدِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ يَكُونُ الوَقْفُ (لِوَلَدِ بَنِيهِ) الذُّكُورِ خَاصَّةً، وُجِدُوا حَالَةَ الوَقْفِ أَوْ لَا.
(وَ) إِنْ وَقَفَ (عَلَى بَنِيهِ أَوْ) عَلَى (بَنِي فُلَانٍ؛ فَـ) هُوَ (لِذُكُورٍ فَقَطْ) لِأَنَّ لَفْظِ البَنِينِ وُضِعَ لِذَلِكَ حَقِيقَةً، (وَإِنْ كَانُوا قَبِيلَةً: دَخَلَ) فِيهِ (النِّسَاءُ) أَيْضًا؛ لِأَنَّ اسْمَ القَبِيلَةِ يَشْمَلُ ذَكَرَهَا وُأْنَثَاهَا (دُونَ أَوْلَادِهِنَّ) أَيْ نِسَاءِ تِلْكَ القَبِيلَةِ (مِنْ) رِجَالِ (غَيْرِهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا.
(وَ) إِنْ وَقَفَ (عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ قَوْمِهِ: دَخَلَ) فِي الوَقْفِ (ذَكَرٌ وَأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ) - وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ -، (وَ) أَوْلَادِ (جَدِّهِ) - وَهُمْ أَبُوهُ وَأَعْمَامُهُ -، (وَ) أَوْلَادِ (جَدِّ أَبِيهِ) - وَهُمْ جَدُّهُ وَأَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُ أَبِيهِ فَقَطْ -؛ أَيْ دُونَ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ وَدُونَ مَنْ هُوَ مِنْ جِهَةِ الأُمِّ، وَ(لَا) يَدْخُلُ فِيهِمْ (مُخَالِفٌ دِينَهُ) أَيِ دِينَ الوَاقِفِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ مَانِعٌ؛ مَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ أَوْ قَرِينَةٌ.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ): فَإِنْ كَانَ (يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ) كَأَوْلَادِهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ إِلَيْهِ وَلَيْسُوا قَبِيلَةً: (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ) بِالوَقْفِ (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَيُمْكِنُ الوَفَاءُ بِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنِ الوَقْفُ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ
ـ كَقُرَيْشٍ -: لَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُمْ لِتَعَذُّرِهِ، وَ(جَازَ التَّفْضِيلُ) بَيْنَهُمْ، (وَ) جَازَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ) مِنْهُمْ.