اختيار القاضي:
اختار -﵀- عدم جواز المسح على الجبيرة إن شدها على حدث، موافقًا في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال -﵀- (مسألة: واختلفت هل يجوز المسح على الجباير إذا شدها على غير طهارة؟ فنقل المروذي أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، لأنه مسح على حائل، فأشبه الخفين والعمامة) (^٢).
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: لا يشترط ذلك، فيجوز المسح على الجبيرة مطلقًا سواءً لبسها على طهارة أو على حدث.
وبه قال: الحنيفة، (^٣) والمالكية (^٤)، وأحمد في رواية (^٥).
القول الثاني: يشترط -في جواز المسح على الجبيرة- أن يشدها على طهارة، فلا يصح المسح عليها إن شدها على حدث.
وبه قال: الشافعية (^٦)، وأحمد في الرواية المشهورة المعتمدة عند الحنابلة (^٧).
_________________
(١) الجبيرة: -بفتح الجيم- وجبارة -بكسر الجيم-، والجمع جبائر: وهي أخشاب أو نحوها ترطب على موضع الكسر وتشد عليه حتى ينجبر على استوائها. انظر: المجموع (٢/ ٣٢٤)، المطلع على أبواب المقنع (١١/ ٢٢).
(٢) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٤،٩٣).
(٣) انظر: مختصر الطحاوي: ٢١، بدائع الصنائع (١/ ١٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣١)، اللباب شرح الكتاب (١/ ٤١).
(٤) انظر: التفريع (١/ ٢١٥)، الإشراف (١/ ١٧٤)، كتاب الكافي (١/ ١٧٩).
(٥) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين (١/ ٩٤)، المغني (١/ ٣٥٦).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١/ ٢٧٧)، المجموع (٢/ ٣٢٦).
(٧) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٤)، المغني (١/ ٣٥٦)، الشرح الكبير (١/ ٧٠)، شرح العمدة (١/ ٢٨٧)، الإنصاف (١/ ١٧٣)، كشاف القناع (١/ ١١٤).
[ ٢١٢ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: ما رواه جابر - ﵁ - حيث قال: (خرجنا في سفر، فأصاب رجل منا حجر، فشجه (^١) في رأسه، ثم احتلم (^٢)، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي (^٣) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده) (^٤).
وجه الدلالة:
أنه لم يذكر فيه أنه لبس الخرقة على طهارة، حيث إن طهارته الغسل (^٥).
نوقش:
بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه.
الدليل الثاني: حديث علي -﵁- قال: (انكسرت إحدى زندي (^٦)، فأمرني النبي - ﷺ - أن أمسح على الجبائر) (^٧).
وجه الدلالة:
أنه لم يشترط لذلك طهارة (^٨).
ونوقش أيضًا:
بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه.
_________________
(١) أي: جرحه وشقه في رأسه، وأصل الشج في الرأس ثم استعمل في غيره من الأعضاء يقال: شجه يشجه شجًا. انظر: النهاية (٢/ ٤٤٥).
(٢) الحُلم: والاحتلام: هو الجماع في النوم، يرى الرجل في نومه أنه يباشر المرأة فيستيقظ وفي ثوبه بلل. انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٥).
(٣) العِيّ –بكسر العين وتشديد الياء- هو الجهل. انظر: النهاية (٣/ ٣٣٤).
(٤) رواه أبو داود، في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) برقم ٣٣٦، واللفظ له، والدراقطني (١/ ١٩٠)، والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وضعفه البيهقي، والحافظ في بلوغ المرام: ٢٨.
(٥) انظر: المغني (١/ ٣٥٦)، شرح العمدة (١/ ٢٨٨).
(٦) الزندان: مثنى زند، وهما طرفا عظمي الساعدين، والزند: موصل طرف الذراع في الكف، وهما زندان الكوع والكرسوع، فالكوع يلي الإبهام، والكرسوع يلي الخنصر. انظر: لسان العرب (٣/ ١٩٦).
(٧) رواه ابن ماجة، في كتاب الطهارة وسننها، باب المسح على الجبائر (١/ ٢١٥) برقم ٦٥٧، والدراقطني (١/ ٢٢٦، ٢٢٧)، والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وضعفه الدراقطني، والبيهقي، والنووي في المجموع (١/ ٣٢٤)، والحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٤٦) برقم ١٩٩.
(٨) انظر: المغني (١/ ٣٥٦).
[ ٢١٣ ]
الدليل الثالث: أثر ابن عمر - ﵁ - أنه كان يقول: (من كان به جرح معصوب عليه توضأ، ومسح على العصابة، ويغسل ما حول العصابة، وإن لم يكن عليه عصابة مسح ما حوله) (^١).
الدليل الرابع: أثر عنه أيضًا - ﵁ -: (أنه خرجت بإبهامه قرحة (^٢)، فألقمها مرارة (^٣) فكان يتوضأ عليها)، وفي رواية: (أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح عليها وعلى العصابة) (^٤).
وجه الدلالة:
أنه قول وفعل صحابي لم يعلم له مخالف، ولم يشترط للعصابة أن تلبس على طهارة.
الدليل الخامس: أن اشتراط الطهارة للجبيرة تغليظ على الناس، وإنما جاز المسح عليها لمشقة نزعها، وهذه العلة موجودة إذا لبسها على غير طهارة (^٥).
_________________
(١) رواه عنه عبد الرزاق (١/ ١٦٢) برقم ٦٢٥، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤)، والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وصححه البيهقي موقوفًا على ابن عمر -﵁-.
(٢) القرحة: -بفتح القاف- هي الجراحة، والجمع قرح وقروح، ويطلق على البئر إذا ترامى إلى فساد. انظر: لسان العرب (٢/ ٥٥٧).
(٣) المرارة: -بفتح الميم- واحدة المرار- بكسر الميم- وهي التي تستخرج من جوف الشاة وغيرها من الحيوانات إلا الجمل، يكون فيها ماء أخضر من انظر: النهاية (٤/ ٣١٦)، لسان العرب (٥/ ١٧٠).
(٤) رواه عنه ابن المنذر (٢/ ٢٤)، والبيهقي (١/ ٢٨٨)، وصححه البيهقي عن ابن عمر موقوفًا عليه، وصححه أيضًا ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٢٨٥).
(٥) انظر: المغني (١/ ٣٥٦)، الشرح الكبير (١/ ٧٠).
[ ٢١٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بدليل واحد وهو:
القياس على الخفين، فكما يشترط لبس الخفين على طهارة لجواز المسح عليها، فكذلك يشترط تقدم الطهارة قبل شد الجبيرة، لأنه مسح على حائل أشبه الخف (^١).
نوقش:
هذا الدليل بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، لأن الفرق بين الخف والجبيرة ثابت من وجهين:
أحدهما: أن الكسر يقع فجأة، فيبادر إلى شد الجبيرة عليه للضرورة، ففي اشتراط شدها على طهارة حرج عظيم، وتلحقه مشقة كبيرة في نزعها، وربما تعذرت الطهارة بأن يجري دم ينقض الطهارة، ولا يمكن إعادتها إلا بغسل المحل وهو متعذر فيضطر إلى شدها على الحدث، فإما أن يؤمر بالتيمم فقط، فالمسح خير من التيمم، أو بهما وهو خلاف الأصول، فيتعين المسح (^٢).
الوجه الثاني: أن الجبيرة كالأعضاء، وتجري مجرى جلدة انكشطت ثم أعيدت، بدليل أنها تمسح في الطهارة الكبرى، وأنه لا توقيت في مسحها بخلاف الخف (^٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وأنه لا يشترط –لجواز المسح على الجبيرة- تقدم الطهارة، لقوة أدلة هذا القول، وضعف دليل أصحاب القول الثاني، حيث بطل قياسهم الذي هو عمدتهم في ما ذهبوا إليه (^٤)، وذكر شيخ الإسلام فساده من عدة وجوه (^٥)، وأنه قد صح ذلك عن ابن عمر - ﵁ - (^٦)، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي خلافه (^٧) أ. هـ.
وقال البيهقي (^٨): (لا يثبت على النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة) (^٩).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٤). المغني (١/ ٣٥٦)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٩)، كشاف القناع (١/ ١١٤).
(٢) انظر: شرح العمدة (١/ ٢٨٨)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٩).
(٣) انظر: شرح العمدة (١/ ٢٨٨)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٩).
(٤) كما تقدم.
(٥) انظر: مجموع الفتاوي (٢١/ ١٧٩).
(٦) انظر: شرح العمدة (١/ ٢٨٥).
(٧) انظر: المصدر السابق.
(٨) والبيهقي هو: أحمد بن حسين بن علي البيهقي، ولد سنة ٣٨٤ هـ، جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث، قال إمام الحرمين الجويني: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه اهـ، ومن تصانيفه: "السنن الكبير" و"الصغير" و"الآداب" و"الخلافيات"، توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٨. سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣.
(٩) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٢٨) بتصرف واختصار يسير.
[ ٢١٥ ]