هذه المسألة يدور الخلاف فيها بين من يعتبر القلتين ضابطًا للقليل والكثير من الماء وهم الشافعية والحنابلة-كما سيأتي- وغير واردة على مذهب الذين لا يرون القلتين ضابطًا في تحديد الماء قلة أو كثرة، وهم الحنفية (^٢) والمالكية (^٣).
اختيار القاضي:
اختار القاضي -﵀أن مقدار القلتين على سبيل التحديد لا التقريب مخالفًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقد ذكر المرداوي -﵀مقدار القلتين والخلاف فيه ثم قال: (وهل ذلك تقريب، أو تحديد؟ على وجهين الوجه الثاني: أنه تحديد وهو اختيار القاضي) (^٤).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن تحديد مقدار القلتين وقع على وجه التقريب لا التحديد.
وهو مذهب الشافعية (^٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٦).
القول الثاني: أن مقدار القلتين محدد ومعلوم على وجه التحديد لا التقريب.
وهو وجه عند الشافعية (^٧)، ووجه عند الحنابلة، اختاره القاضي كما تقدم.
_________________
(١) القلتان: (هما تثنية قلة، وهي اسم لكل ما ارتفع وعلا، ومنه قلة الجبل، والمراد هنا الجرة الكبيرة، سميت قلة لعلوها وارتفاعها، وقيل: لأن الرجل العظيم يقلها بيده أي: يرفعها). انظر: المبدع (١/ ٤٠).
(٢) انظر: اللباب (١/ ٦٣)،البحر الرائق (١/ ٨٧) تبيين الحقائق (١/ ٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٩١).
(٣) انظر: الفواكه الدواني (١/ ١٢٥)،الشرح الكبير (١/ ٤٨).
(٤) انظر: الإنصاف (١/ ٦٩).
(٥) انظر: الوسيط (١/ ٣٢٥)،فتح العزيز (١/ ٢٠٧)،المجموع (١/ ١٢٢)، الإقناع (١/ ٢٤).
(٦) انظر: الكافي (١/ ٣١)، المغني (١/ ١٩)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٤)،كشاف القناع (١/ ٤٣).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١/ ٣٣٥)،حلية العلماء (١/ ٦٩).
[ ٦٣ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (^١). قال ابن جريج (^٢): وقد رأيت قلال هجر (^٣) فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا (^٤).
وجه الدلالة:
أن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد، إنما قال ابن جريج: القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا، وهذا لا تحديد فيه؛ فإن قوله (قربتين وشيئًا) يدل على أنه قرب الأمر، والشيء الزائد عن القربتين مشكوك فيه، لذا قالوا: الاحتياط أن تكون القلة قربتين ونصفا (^٥).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (^٦).
وجه الدلالة:
أن لفظة (قلتان) خرج مخرج التحديد، فهو عدد صادر من الشارع فيكون تحديدا وتقييدا، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغنم، والخمس من الإبل، والثلاثين من البقر، وغير ذلك، إذ لا بد للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلا التحديد (^٧).
ونوقش:
أن هذا التحديد لم يقل به ابن عمر، ولا أحد من أصحابه؛ فعلم أنه لم يكن عنده فيه سنة من النبي (^٨) - ﷺ -.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ابن جريج هو: عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج المكي: فقيه الحجاز، مشهور بالعلم والتثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج، مات سنة ١٥٠ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٦٠) والأعلام (٤/ ٣٠٥)، تاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٠).
(٣) هجر: قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٣٣٨).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب قدر القلتين، ح/١٢٥٠ (١/ ٣٩٨).
(٥) انظر: المغني (١/ ٢٢)، الجوهر النقي (١/ ٢٦٣).
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٧٨).
(٨) انظر: المصدر السابق.
[ ٦٤ ]
الدليل الثاني: عن مالك بن صعصعة (^١) - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في سدرة المنتهى: (فإذا نبقها مثل قلال هجر) (^٢).
وجه الدلالة:
أن التعبير بقلال هجر والتشبيه بها يدل على أنها معلومة عندهم.
ونوقش:
أن ذكرها في حديث المعراج لبيان الواقع، وإنما مثل النبي - ﷺ - بقلال هجر، لأنه هو الواقع في نفس الأمر لا لكونها أعرف القلال عندهم (^٣).
الدليل الثالث: قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا (^٤).
وجه الدلالة:
أن قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان (^٥).
ونوقش بأمرين:
الأول: أن تقدير القلتين بقلال هجر، لم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء أصلا، فقوله: (بقلال هجر) ليس من كلام النبي - ﷺ -، ولا إضافة الراوي إليه (^٦).
ثانيًا: أن الواقع بخلافه فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد (^٧).
_________________
(١) مالك بن صعصعة الأنصاري الخزرجي ثم المازني من بني مازن بن النجار سكن البصرة وتوفي بالمدينة. انظر: مشاهير علماء الأمصار ص (٥١)، الإصابة (٥/ ٧٢٨).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب المعراج، ح/٣٨٨٧، (٥/ ٥٢).
(٣) انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٧٩).
(٤) تقدم قريبا.
(٥) انظر: معالم السنن (١/ ٣٥).
(٦) انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٧٨).
(٧) انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٨٠).
[ ٦٥ ]
ثمرة الخلاف:
وفائدة هذا، أن من اعتبر التحديد، فنقص عن الحد شيئا يسيرا، لم يعف عنه، ونجس بورود النجاسة عليه، ومن قال بالتقريب عفي عن النقص اليسير عنده، وتعلق الحكم بما يقارب القلتين لا بمجرد النقص (^١).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن حد القلتين على وجه التقريب لا التحديد لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة القول الثاني.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٣).
[ ٦٦ ]