المقصود بالمسألة:
إذا جاوز البول موضع العادة فسال على الحشفة أو تجاوز الغائط مخرجه إلى الأليتين ونحوهما فهل يجزئ الاستجمار بالحجارة أو لابد حينئذٍ من الاستنجاء بالماء؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀، عدم إجزاء الاستجمار إذا جاوز الخارج من السبيلين موضع العادة، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (والاستنجاء واجب بالماء أو بالأحجار إذا لم يتعد المخرج) (^٣).
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على جواز الاستجمار بالحجارة إذا لم يتجاوز الخارج نفس المخرج، واختلفوا في جواز ذلك إذا جاوز موضع العادة (^٤).
_________________
(١) الصفحتان: وهو ماكان بجانب فتحتي الدبر من لحم الوركين والبيضتين ومابين السبيلين. انظر: النهاية (٣/ ٣٤).
(٢) الحشفة: هي رأس الذكر ومافوق الختان. انظر: النهاية (١/ ٣٩١).
(٣) انظر: الجامع الصغير (ص ٣١).
(٤) انظر: المجموع (٢/ ١٢٥).
[ ١١٩ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجزئ الاستجمار إذا تجاوز الخارج من السبيلين موضع العادة، فلا بد حينئذٍ من الاستنجاء بالماء.
وبه قال: الحنفية (^١)، المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).
القول الثاني: يجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج موضع العادة فوصل إلى الصفحتين والحشفة.
وبه قال: الشافعية (^٤)، وهو وجه عند الحنابلة (^٥)، اختاره ابن تيمية (^٦).
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٨)،بدائع الصنائع (١/ ١٩)،الاختيار (١/ ٤٥).
(٢) انظر: الإشراف (١/ ١٤١)، التلقين (١/ ٦١)،الكافي (١/ ١٦٠).
(٣) انظر: المغني (١/ ٢١٧)،الفروع (١/ ١١٩)،الإنصاف (١/ ١٠٥).
(٤) انظر: الأم (١/ ٣٧)،الحاوي الكبير (١/ ١٧٠)،المجموع (١/ ١٢٦،١٢٥).
(٥) انظر: شرح الزركشي (١/ ٢٣١)،الإنصاف (١/ ١٠٦).
(٦) انظر: الفروع (١/ ١١٩).
[ ١٢٠ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قول علي - ﵁ -: (إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرًا وإنكم تثلطون ثلطًا (^١) فأتبعوا الحجارة بالماء) (^٢).
وجه الدلالة:
أنه قول صحابي نص على المنع من استعمال الحجارة وحدها فيما إذا خرج الخارج سائلًا لأنه حينئذٍ ينتشر عن السبيلين (^٣).
ونوقش:
بأنه أثر ضعيف لا يثبت، كما أن النبي - ﷺ - أثبت الاقتصار على الأحجار رخصةً في حق عامّة الخلق، على عموم الأحوال، مع العلم باختلاف الخلق والأحوال، والظاهر الانتشار في غالب الأمر (^٤).
الدليل الثاني: أن الأصل إزالة النجاسة بالماء وإنما الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه (^٥).
ونوقش:
أن النبي - ﷺ - أمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال كل نجاسة بالماء (^٦).
_________________
(١) الثلط: بسكون اللام وهو إخراج الغائط رقيقا، أي كانوا يتغوطون يابسا كالبعر؛ لأنهم كانوا قليلي الأكل والمآكل، وأنتم تثلطون رقيقا، وهو إشارة إلى كثرة المآكل وتنوعها. انظر: النهاية (١/ ٢٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الطهارات، باب من كان يقول إذا خرج من الغائط فليستنج بالماء، برقم ١٦٣٤ (١/ ١٤٢)، وضعفه الألباني فقال: (فإنه معلول بالانقطاع بين علي وعبد الملك)،انظر: السلسلة الضعيفة (٣/ ١١٨).
(٣) الحاوي الكبير (١/ ١٦١)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٩٢).
(٤) انظر: نهاية المطلب (١/ ١١٦).
(٥) انظر: المعونة (١/ ١٧٢،١٧١)، شرح العمدة (١/ ١٥٧).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٢١).
[ ١٢١ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) (^١).
وجه الدلالة:
أن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له، فهو بمنزلة السبيلين فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتا بالسنة المتواترة، فكذلك ما جاوز المخرج إلى الصفحتين والحشفة (^٢).
الدليل الثاني: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان، زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها (^٣).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل أن الاستجمار يجزئ ولو تجاوز الخارج موضع العادة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة أدلة القول الأول.
_________________
(١) أخرجه أبو داود كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل ح/٦٥٠ (١/ ١٧٥)، وحسنه النووي في المجموع (١/ ٩٢).
(٢) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٤٢٨).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٢١).
[ ١٢٢ ]