المقصود بذلك: يقصد به ما تبقى في الإناء من الماء القليل (^١)، الذي توضأت به المرأة، بعد أن خلت به (^٢)، لطهارة كاملة عن حدث.
اختيار القاضي:
اختار -﵀- أنه لا يجوز رفع حدث الرجل بفضل طهور المرأة موافقًا في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتاي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (واختلفت في فصل وضوء المرأة إذا خلت بالماء هل يجوز للرجل أن يتوضأ منه؟ فنقل جماعة منهم عبد الله وحنبل وأبو الحارث أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح). (^٣)
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة معًا، وعلى جواز اغتسالهما من إناء واحد مشترك بينهما (^٤)، لعدم الخلوة، وإنما اختلفوا في وضوء الرجل بما خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث (^٥).
سبب الخلاف:
سببه تعارض الأحاديث والآثار في ذلك (^٦).
_________________
(١) وهو ما كان أقل من قلتين عند علمائنا الحنابلة، وأما عند الظاهرية فإنه لا يكون فضلًا إلا أن يكون أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلًا عندهم. انظر: المحلى (١/ ٢١١)، المنح الشافيات (١/ ١٣٢).
(٢) معنى الخلوة: أن لا يشاهدها حال الطهارة أحد في أصح الروايتين عند الحنابلة. انظر: شرح العمدة (١/ ٧٦، ٧٩)، شرح الزركشي (١/ ٢٩٩).
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٨،٨٩).
(٤) انظر: المجموع (٢/ ١٩١)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١).
(٥) انظر: فتح الباري (١/ ٣٠٠).
(٦) انظر: بداية المجتهد (١/ ٢٨).
[ ٥١ ]
الأقوال في هذه المسألة:
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، إن خلت به. وهو مروي عن عمر (^١)، وجويرية (^٢)، وأم سلمة (^٣)، وإسحاق (^٤)، وأهل
الظاهر (^٥)، وبه قال: الإمام أحمد (^٦)، في الرواية المشهورة عنه، اختارها الخرقي (^٧) والقاضي كما تقدم.
القول الثاني: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مطلقًا بلا كراهة.
وبه قال: أبو حنيفة (^٨)، ومالك (^٩)، والشافعي (^١٠)، وهو رواية عن الإمام أحمد (^١١) -اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. (^١٢).
_________________
(١) انظر: المحلى (١/ ٢١٣).
(٢) رواه عنها عبد الرزاق (١/ ١٠٦) برقم: ٣٧٧، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤)، وجويرية هي: أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، من خزاعة، وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية، فسبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، ثم زوجها لرسول الله - ﷺ - وكان اسمها (برة) فغيره النبي - ﷺ - وسماها (جويرية) وكانت من فضليات النساء أدبا وفصاحة. روى لها البخاري ومسلم وغيرهما سبعة أحاديث. وتوفيت في المدينة سنة ٥٦ هـ وعمرها ٦٥ سنة، انظر ترجمتها: طبقات ابن سعد (٨: ٨٣) والاصابة (١: ٢٦)، والأعلام للزركلي (٢/ ١٤٨).
(٣) انظر: تهذيب السنن لابن القيم (١/ ٨٢)، وأم سلمة: هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أسلمت قديمًا وهاجرت إلى الحبشة، وبعد وفاة زوجها أبي سلمة بن عبد الأسود تزوجها النبي ^ سنة أربع من الهجرة. وهي من فقهاء الصحابيات، ومن أفقه النساء وأشرفهن نسبًا، توفيت سنة ٦٢ من الهجرة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا. انظر ترجمتها في: الإصابة (٤/ ٤٤٠،) العبر (١/ ٤٨،) سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠١)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٥٥).
(٤) ذكره عنه الترمذي في سننه (١/ ٩٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٩٣). وإسحاق بن راهويه: هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد من بني حنظلة من تميم عالم خراسان في عصره. طاف البلاد لجمع الحديث، وأخذ عنه أحمد والشيخان. قال فيه الخطيب البغدادي: (اجتمع له الفقه والحديث والحفظ والصدق والورع والزهد) استوطن نيسابور وتوفي بها سنة ٢٣٨ هـ، انظر ترجمته: تهذيب التهذيب (١/ ٢١٦) وميزان الاعتدال (١: ٨٥)؛ وابن خلكان (١: ٦٤).
(٥) انظر: المحلى (١/ ٢١١).
(٦) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٨، ٨٩)، المغني (١/ ١٥٧)، الإنصاف (١/ ٤٨). تهذيب السنن لابن القيم (١/ ٨٢)، المنح الشافيات (١/ ١٣١).
(٧) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٨، ٨٩)، والخرقي: هو أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، من كبار فقهاء الحنابلة، من أهل بغداد. رحل عنها لما ظهر فيها سبّ الصحابة. نسبته إلى بيع الخرق. له تصانيف احترقت، وله المختصر في الفقه، يعرف بمختصر الخرقي توفي بدمشق ٣٣٤ هـ انظر ترجمته: وفيات الأعيان (١: ٣٧٩)، وطبقات الحنابلة (٢: ٧٥ - ١١٨)، والأعلام للزركلي (٥/ ٢٠٢).
(٨) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، مختصر الطحاوي: ١٩، المبسوط (١/ ٦١، ٦٢).
(٩) انظر: المدونة الكبرى (١/ ١٤)، بداية المجتهد (١/ ٢٨)، القوانين الفقهية: ٢٥.
(١٠) انظر: الأم (١/ ٧)، فتح العزيز (٢/ ١٤٩)، المجموع (٢/ ١٩١).
(١١) انظر: مسائل الإمام أحمد لأبي داود: ٤، الإفصاح (١/ ٩٨، ٩٩)، المغني (١/ ٢٨٣)، المبدع (١/ ٥٠).
(١٢) انظر: اختيارات شيخ الإسلام لحفيد ابن القيم: (١١، ٢٩)،والاختيارات الفقهية للبعلي (ص ٣).
[ ٥٢ ]
القول الثالث: لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، ولا المرأة بفضل طهور الرجل.
وبه قال: بعض الحنابلة (^١).
القول الرابع: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مع الكراهة.
وهو مروي عن الحسن البصري (^٢)، وسعيد بن المسيب (^٣)، وبه قال بعض الحنفية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥).
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: حديث الحكم بن عمرو الغفاري (^٦) - ﵁ - (أن النبي - ﷺ - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) (^٧).
وجه الدلالة:
أنه صريح في منع الرجل فقط من فضل طهورها.
نوقش: بأن هذا الحديث لا يصح (^٨)، لاضطرابه فقد روي مرفوعًا وموقوفًا.
وأجيب:
بأنه لا تعارض بين الروايتين ولا اضطراب؛ لأن المرفوع زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والموقوف فتوى من الصحابي الراوي، ولا تعارض بين روايته وفتواه (^٩).
_________________
(١) انظر: شرح العمدة (١/ ٨٠)، شرح الزركشي (١/ ٣٠٥)، الإنصاف (١/ ٥٣).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق (١/ ١٠٥)، برقم ٣٧٥، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤)، والحسن هو: الحسن بن يسار البصري تابعي، كان أبوه يسار من سبي ميسان، مولى لبعض الأنصار. ولد بالمدينة سنة ٢١ هـ وكانت أمه ترضع لأم سلمة. رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم. كان شجاعا، جميلا، ناسكا، فصيحا، عالما، شهد له أنس بن مالك وغيره، ولي القضاء بالبصرة أيام عمر بن عبد العزيز. ثم استعفى، توفي ١١٠ هـ انظر ترجمتة: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٢ - ٢٧١) والأعلام للزركلي (٢/ ٢٤٢).
(٣) رواه عنه عبد الرزاق (١/ ١٠٥) برقم: ٣٧٥، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤)، وسعيد بن المسيب، هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، أبو محمد المدني، سيد التابعين، ولد لسنتين مضتا - وقيل لأربع- من خلافة عمر ﵁ وهو من كبار العلماء والفقهاء، ومن أحفظ الناس لأحكام عمر ﵁ وأقضيته، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ٥٣)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٦٥)، طبقات الحفاظ: ٢٥.
(٤) انظر: رد المختار (١/ ٩٠، ١٤٨).
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد لابنه صالح (٢/ ١٤)، مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله (١/ ٢٢ - ٢٤)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٩)، بدائع الفوائد (٤/ ٧١).
(٦) والحكم: هو الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن حلوان بن الحارث بن نعيلة، وقيل: ابن ثعلبة - بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الغفاري، أخو رافع بن عمرو، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحابي، روى عن النبي - ﷺ -، مات سنة ٥٠ هـ أو ٥١ هـ انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/ ٢٤٧) برقم ١٤٢٤، الإصابة (١/ ٣٤٥) برقم ١٧٨٤.
(٧) رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب النهي عن ذلك (١/ ٦٣) برقم: ٨٢، والترمذي في سننه كتاب الطهارة باب في كراهية فضل طهور المرأة (١/ ٩٣) برقم ٦٤، وابن ماجه (١/ ١٣٢) برقم: ٣٧٣، كتاب الطهارة، والدارقطني في سننه (١/ ٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٩١)، قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٠٠): (أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه) أ. هـ وقد صحح الحديث أيضًا العلامة: أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي (١/ ٩٣)، وكذا الألباني في إرواء الغليل (١/ ٤٣ - ٤٤)، وفي صحيح سنن أبي داود (١/ ١٩) برقم:٧٥.
(٨) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٩٢).
(٩) انظر: التخريج السابق.
[ ٥٣ ]
الدليل الثاني: حديث عبد الله بن سرجس (^١) - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن فضل وضوء المرأة) (٦).
وجه الدلالة:
أنه صريح في المنع، ولم يخبر النبي - ﷺ - فيه بنجاسة الماء، ولا أمر غير الرجال باجتنابه (^٢).
الدليل الثالث: أثر الصحابي عبد الله بن سرجس - ﵁ - قال: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه) (^٣).
وجه الدلالة:
أنه دليل على أن النهي خاص بالخلوة.
الدليل الرابع: قالوا: الجمع بين الأحاديث بحمل أحاديث المنع على ما خلت به، وحمل أحاديث الجواز على ما لم تخل به، فتتفق الأحاديث ولا تتعارض، ولو تعارضت فأحاديث المنع أولى؛ لأنه حاظر وناقل عن الأصل، فيكون أولى من المبقي على الأصل، لأن الأصل الحل فالحظر بعده (^٤).
_________________
(١) هو: عبد الله بن سرجس -بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم - المزني، حليف بني مخزوم، له صحبة، سكن البصرة، روى عن النبي - ﷺ -، روى له الجماعة إلا البخاري، ترجمته في: تهذيب الكمال (٤/ ١٤٥) برقم ٣٢٨٢، الإصابة (٢/ ٣٠٨) برقم ٤٧٠٥.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى -واللفظ له- (١/ ١٩٢)، وابن حزم في المحلى (١/ ٢١٢).
(٣) انظر: المحلى (١/ ٢١٣).
(٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٧)، وأبو عبيد في -كتاب الطهور- باب الوضوء بسؤر المرأة وما فيه من الطهارة وغيرها (ص ٢٥٨) ح/١٩٤.
(٥) انظر: المغني (١/ ٢٨٤)، شرح الزركشي (١/ ٣٠٣)، شرح العمدة (١/ ٧٨).
[ ٥٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث ابن عباس -﵄-: (أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة) (^١).
وجه الدلالة:
أنه صريح في جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة.
نوقش:
بأنه محمول على أنها لم تخل به جمعًا بين الأدلة (^٢).
وأجيب:
بأنه قد روي ما يدل على أنها قد خلت به كما في حديث ميمونة التالي:
الدليل الثاني: حديث ميمونة (^٣) -﵂- قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة (^٤)، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي - ﷺ - يغتسل منه، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: (الماء ليس عليه جنابة، فاغتسل منه) (^٥).
وجه الدلالة:
أن ظاهره يدل على أنها خلت به لطهارة كاملة عن حدث، وأجابها النبي - ﷺ - جاوابًا عامًا بأن الماء لا يصير بهذا الفعل إلى حالة يجتنب فيها فلا يستعمل (^٦).
نوقش:
بأن هذا الحديث لا يصح (^٧)، ولو صح لحمل على أنها لم تخل به، بل كان النبي - ﷺ - يشاهدها (^٨)، وقد قال ابن حزم (^٩) -﵀-: لو صح الخبران لم يكن فيهما حجة لأن حكم هذين الخبرين منسوخ (^١٠).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الحيض باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر، (١/ ٢٥٧) برقم: ٣٢٣.
(٢) انظر: المغني (١/ ٢٨٤)، شرح العمدة (١/ ٧٨)، شرح الزركشي (١/ ٢٩٩، ٣٠٣).
(٣) هي: أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، تزوجها رسول الله - ﷺ - سنة سبع، كان اسمها برة، فسماها رسول الله - ﷺ - ميمونة، ماتت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة عشرة أميال سنة ٥١ هـ. انظر: ترجمتها تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٥،٣٥٦) والإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٣٢٢)
(٤) جفنة: -بفتح الجيم- وهي القصعة. انظر: المجموع (٢/ ١٩٠)، لسان العرب (١٣/ ٨٩).
(٥) مسند أحمد (٤٤/ ٣٨٦)،والدارقطني، كتاب الطهارة، باب باب استعمال الرجل فضل وضوء المرأة (١/ ٨٠)، وصححه النووي في الخلاصة (١/ ١٩٩).
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣٠٢)، اللباب للمنبجي (١/ ٨٤).
(٧) كما ذهب إليه ابن حزم: لأنه من رواية سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، وقال الإمام أحمد: أتقيه لحال سماك، ليس يرويه غيره أ. هـ قال الحافظ: (قد رواه عنه -يعني سماكًا- شعبة وهو لا يحمل عن مشايخة إلا صحيح حديثهم) أ. هـ انظر: سنن الدار قطني (١/ ٥٢)، المحلى (١/ ٢١٣)، المغني (١/ ٢٨٤)، شرح الزركشي (١/ ٣٠٢)، فتح الباري (١/ ٣٠٠)، قلت: الحديث صححه الحاكم في المستدرك (١/ ١٥٩)، ووافقه الذهبي.
(٨) انظر: شرح الزركشي (١/ ٢٩٩).
(٩) وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، ولد سنة ٣٨٤ هـ، كانت لابن حزم الوزارة وتدبير المملكة، فانصرف عنها إلى العلم، كان فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر، من مصنفاته: "الإيصال إلى فهم كتاب الخصال"، و"المحلى بالآثار"، طارده الملوك حتى توفي مبعدا عن بلده سنة ٤٥٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٤. البداية والنهاية ١٥/ ٧٩٥.
(١٠) انظر: المحلى (١/ ٢١٥).
[ ٥٥ ]
الدليل الثالث: ولأنه ماء طهور، جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل. (^١).
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن سرجس -﵁-: (أن الرسول - ﷺ - نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا) (^٢).
الدليل الثاني: عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة -زاد مسدد (^٣) - وليغترفا جميعًا) (^٤).
وجه الشاهد من الحديثين: أنهما صريحان في منع كل من الرجل والمرأة من الوضوء بفضل طهور الآخر.
أدلة أصحاب القول الرابع:
أخذوا بالأحاديث والآثار كلها وجمعوا بينها، ووجه الجمع الذي تجتمع به الأدلة كلها هو حمل أحاديث المنع على الكراهة (كراهة التنزيه)، جمعًا بينها وبين أحاديث الجواز (^٥).
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٨٣).
(٢) رواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٣٣) برقم: ٣٧٤، والدار قطني من طريقين مرفوع وموقوف (١/ ١١٦، ١١٧)، وقال: الموقوف صحيح وهو أولى بالصواب أ. هـ، وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المحلى (١/ ٢١٢): يريد بذلك أن رفعه خطأ، ولكن الحق أن الرفع زيادة تقبل من الثقة، وأن الموقوف فتوى من الصحابة تؤيد روايته ولا تعارضها أ. هـ، وقال ابن القيم: فهذا الذي رجحه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن قوله: (فسمعه يقول) من كلام عبد الله بن سرجس، فوهم فيه، وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله بن سرجس، فوهم فيه، وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله بن سرجس أ. هـ انظر: تهذيب السنن لابن القيم (١/ ٨١).
(٣) مُسدد: هو مُسَدد بن مُسَرهَد بن مسربل الأسدي، أبو الحسن البصري، الحافظ، من علماء الحديث، من مشايخه: ابن عبينه، والفضيل بن عياض وغيرهما، ومن تلاميذه، البخاري وأبو داود وغيرهما، توفي سنة ٢٢٨ هـ انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢١)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٠٧)، طبقات الحفاظ: ١٨٤.
(٤) رواه أبو داود في سننه - واللفظ له - (١/ ٦٣) برقم: ٨١، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٩٠)، والنسائي (١/ ١٣٠)، برقم ٢٣٩، والحاكم (١/ ١٦٨)، وأحمد (٤/ ١١٠، ١١١)، وقال في المجموع (٢/ ١٩١، ١٩٢)، (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح)،وصححه أيضًا العلامة: أحمد شاكر في تعليقه على المحلى (١/ ٢١٢).
(٥) انظر: شرح الزركشي (١/ ٣٠١).
[ ٥٦ ]
الترجيح:
والراجح -والله أعلم- هو القول الرابع، وأنه يجوز الوضوء بفضل طهور المرأة مع الكراهة، وهو القول الذي تجتمع به الأدلة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة وجب المصير إليه، وقد صحت أحاديث النهي، وعارضتها أحاديث الجواز، وهي صحيحة أيضًا، ولا يمكن التعارض في شرع الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. قال الحافظ ابن حجر (^١): (تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل على التنزيه جمعًا بين الأدلة) (^٢).
قلت: حمله على التنزيه أولى، لما سبق مناقشته لهذا التأويل، وهذا هو الذي رجحه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٣)، والشيخ محمد بن إبراهيم-رحمهما الله-، ولكن الذي يظهر لي-والله أعلم- أن الكراهة ليست خاصة بالرجل بل أيضًا يكره للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل، كما دل عليه الحديث الصحيح السابق ..
ثمرة الخلاف:
ثمرته أن من قال: بالمنع قال: إذا لم يجد غيره توضأ به للضرورة ثم تيمم (^٤)، ومن قال: بالجواز فلا إشكال في وضوئه بذلك الماء كسائر المياه الطاهرة، ومن قال: بالكراهة قال: بجواز الوضوء به إن لم يحتج إليه مع الكراهة، فإن احتاج إليه -ولم يجد غيره- زالت الكراهة، ولا يجوز له التيمم مع وجوده.
_________________
(١) ابن حجر هو: أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد، الكناني، العسقلاني، ثم المصري، الشافعي، شيخ الإسلام، الحافظ، القاضي، من تصانيفه (فتح الباري و(تهذيب التهذيب) و(تقريب التهذيب) و(تغليق التعليق)، و(الإصابة)،و(لسان الميزان) وغيرها. ولد سنة ٧٧٣ هـ، وتوفي سنة ٨٥٢ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحفاظ: ٥٥٢ برقم ١١٩٠، شذرات الذهب (٧/ ٢٧٠).
(٢) فتح الباري (١/ ٣٠٠).
(٣) انظر: الدرر السنية (٣/ ٧٠)، والإمام محمد هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة (بنجد) سنة ١١١٥ هـ ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة قرأ بها على بعض أعلامها، وله مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة، منها (كتاب التوحيد) ورسالة (كشف الشبهات) و(تفسير الفاتحة) وغيرها، وتوفي سنة ١٢٠٦ هـ، ﵀. انظر ترجمته في: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١/ ٣٧٩)، وحركة التجديد والإصلاح في نجد (ص ٣٧)،والأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٧).
(٤) انظر: الروض المربع (١/ ٨٠)، المختارات الجلية: ١٦.
[ ٥٧ ]