ولا تتم هبة ولا صدقة إلا مقبوضة. وقيل عنه: إن القبض معتبر فيما يكال ويوزن من الهبة دون غيره. والأول عنه أظهر وأصح.
وهبة المشاع، وصدقته، ورهنه، ووقفه جائز قولا واحدا.
وهبة الرجل لبعض ولده منهي عنها، فإن فعل أُمر بالعدل بينهم في العطية، وإلا رده. كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اردده". رواه أحمد بن حنبل، أنبأنا سفيان ابن عيينة، أنبأنا الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير وحميد ابن عبدالرحمن بن عوف، أخبراه أنهما سمعا النعمان بن بشير قال: نحلني أبي غلاما، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﷺ أشهده، فقال: "أكل ولدك نحلت؟ " قال: لا. قال: "فاردده". فإن لم يفعل حتى توفي الوالد والهبة في يد الموهوب له، لم يرجع فيها الأب ولا حكم ببطلانها حاكم، ثبتت الهبة له دون باقي الورثة. وقيل عنه: إن ذهب ذاهب إلى أنها ترد بعد الموت وتكون ميراثا كان مذهبا. والأول عنه أصح وأظهر.
وللأب أن يأخذ من مال ولده الصغار والكبار ما يحتاج إليه بعلمهم وغير علمهم، رضوا أم كرهوا، ما لم يكن ذلك مضرا بهم، قولا واحدا، غنيا كان الأب أو فقيرا، وكره أن يأخذ من مالهم ما يكون مضرا بهم، وليس ذلك للأم ولا للجد أبي الأب.
ولا يختلف قوله أن مال الولد ملك له دون والده، ولكن جعل له أن يأخذ ما شاء على ما بينَّا. فإذا قبض الأب من مال ولده شيئًا على وجه التمليك له ملكه
[ ٢٢٩ ]
عنده بالقبض، وجاز تصرفه فيه بالبيع والهبة وغير ذلك. وكذلك لو كان للولد عبد أو أمة، فقبض ذلك الأب على وجه التملك له ملكه، وجاز عتقه له بعد القبض. فإن قال لعبد ولده قبل أن يقبضه: أنت حر. لم يعتق؛ لأنه باق على ملك الابن. وكذلك لو قال لرجل: قد وهبتُ لك من مال ولدي كذا. لم تصح الهبة إلا أن يقبض ذلك الأب ثم يهبه.
واحتج في جواز أخذ الوالد من مال ولده وما يحتاج إليه بما رواه عن يحيى القطان: أنبأنا عبيد الله بن الأخنس قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتى أعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: "أنت ومالك لأبيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا".
وتصرف الولد البالغ الرشيد في أمواله بالبيع والهبة والصدقة جائز، لا اعتراض للأب عليه فيه، إلا في موضع واحد؛ وهو أن يكون للولد عقار يعود عليه منه قدر كفايته وكفاية والده ولا مال له غيره، ولا مال لوالده، فيتصدق به الولد، فإنه قال ها هنا: إن اعترض فيه الوالد رأيت أن يرده الحاكم على الأب ولا يدعه فقيرا لا حيلة له. واحتج لذلك بما رواه حماد بن زيد عن عمرو عن أبي بكر بن محمد أن رجلا تصدق بأرضٍ له على عهد رسول الله ﷺ، فجاء أبواه إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، ما كان لنا مال - أو قال: معيشة- غيرها. قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليهما، فماتا، فورثهما ابنهما.
وليس لواهب أن يرجع في هبته وإن لم يُثب عليها، إلا أن يشترط الثواب عند الهبة، فيكون له شرطه، إلا الأب، فله أن يرجع فيما وهبه لولده، ما لم يكن غرَّ
[ ٢٣٠ ]
بالهبة، قولا واحدا. فإن كان غرَّ بما وهبه له قومًا لم يكن له أن يرجع في هبته في إحدى الروايتين.
وما استدان الأب من ولده، فله رده عليه إن اختار الأب ذلك. وإن لم يختر رده، لم يكن للأب مطالبته بذلك. فإن مات الأب وقد أنفق ما استقرض من الابن بطل دينه قولا واحدا، ولم يكن له مطالبة الورثة. فإن استدان الأب من ابنه دينا أو ابتاع منه ثوبا ولم ينقد ثمنه، ثم مات الأب وقد أنفق بعض ما استدان وبعضه موجود بعينه، أو ما ابتاعه من ابنه موجود بعينه فهل يكون ذلك للابن دون سائر الورثة، أم يكون ميراثا ويكون الابن فيه كسائر الورثة؟ على روايتين؛ قال في إحداهما: إن ما وجده الولد من ماله بعينه، فهو له، يأخذه دون الورثة. وقال في الأخرى: ليس له الرجوع فيه، وهو ميراث بين جماعة الورثة، كسائر تركات الميت.
ولو قبض الأب مهر ابنته الصغيرة من زوجها، فأنفق بعضه ثم مات، وأصابت الابنة باقيه، فقد برئ الزوج من المهر قولا واحدا، وليس له الرجوع على أبيها بما أنفق منه، وتأخذ ما بقي منه. وإن كانت الابنة كبيرة، فهل يبرأ الزوج من المهر بقبض الأب ذلك منه أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: أنه يبرأ بدفع المهر إلى الأب، ولا يكون لابنته الرجوع على الزوج به ولا مطالبته. فإن أنفق الأب بعضه ثم مات، كان الحكم فيها كما بينا في المسألة قبلها. والرواية الأخرى: الزوج لا يبرأ من المهر بدفعه إياه إلى الأب بغير إذن الزوجة. فإذا أنفق الأب بعضه كان لابنته مطالبة الزوج بجميع المهر، وعليه الخروج إليها منه. ويرجع الزوج على الأب بما قبضه منه إن كان حيا، وفي تركته إن كان ميتا.
ولم يختلف قوله أن الربا ثابت بين الوالد وولده، وأنه لا يجوز أن يبيع من ابنه درهما بدرهمين نقدا ولا نسيئة، ولا يبتاع منه درهما بدرهمين، وأجاز الربا بين العبد وسيده، وفرق بينهما بأن قال: إن مال الابن ملك له، والعبد وما له ملك لسيده، فإذا
[ ٢٣١ ]
دفع إلى عبده درهما بدرهمين، فكأنه أضاف ماله إلى ماله، فلا ربا في ذلك.
قال: ولو تصدق على ولده بصدقة، وأقبضه إياها إن كان كبيرا، أو قبضها الأب له من نفسه إن كان الولد صغيرا إذا أشهد على صدقته، لم يكن له أن يقبض منها بعد ذلك شيئا لنفسع، ولا يرجع في صدقته، ويثبت ذلك للابن.
وهبة الأم لولدها جائزة، وليس لها أن ترجع فيها بخلاف ما قلنا في الأب. وقد روى محمد بن جعفر عن سعيد عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرجع إلا الوالد من ولده".
ولو قسم رجل ماله وعقاره بين ولده في حياته، فليقسم ذلك على سهام الله تعالى المفروضة، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن جهز بعض بناته فأعطاها شيئًا، فليعط جميع ولده مثل ما أعطاها يساوي بينهم.
قال: ولو أعطى ولده ماله، ثم وُلد له بعد ذلك ولد، فأعجب إلي أن يرجع فيساوي بينهم. قال: والذي أحب أن لا يقسم الرجل ماله في حياته، يدعه على فرائض الله تعالى لعله يولد له.
قال: ولو زوى رجل ميراثه عن بعض ورثته، وأشهد قوما على نفسه أنه قد باعه من بعضهم، وعلم الشهود ذلك، ثم سئلوا الشهادة والرجل حي أو ميت، أمرتهم ألا يشهدوا.
ولو فضل بعض ولده، وأشهد له لم تقم الشهادة له قولا لولده بعد موته بذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال في ذلك: جَور.
قال: ولو شهد الشهود ولا يعلمون له ولدا غيره ثم علموا، فإن دعاهم إلى
[ ٢٣٢ ]
إقامة الشهادة فامتنعوا، فأرجو أنْ ليس عليهم شيء.
ومن وهب لغائب هبة، وأنفذها إلسه على يد رسول نفسه، فمات الواهب قبل قبض الموهوب له الهبة كانت لورثة الواهب؛ لأن يد رسوله كيده. وإذا لم تخرج عن يده حتى توفي، بطلت؛ لعدم القبض وصارت ميراثا. وإن كان الواهب أنفذها على يد رسول الموهوب له أو وكيله، ثم مات الواهب قبل وصولها، فهي للموهوب له، دون ورثة الواب؛ لأن قبض رسوله أو وكيله كقبضه.
[ ٢٣٣ ]