روى أبو بكر بن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وصلم قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجلٌ متاعه بعينه عنده، فهو أحق به من غيره".
وروى الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه. وقال فيه: " فإن كان قضاه من ثمنها شيئا، فما بقي فهو أسوة الغرماء، وأيما رجل هلك وعنده متاع امرئ بعينه، قبض منه شيئا أو لم يقبض، فهو أسوة الغرماء".
ولا يختلف قول أحمد ﵁ فيمن باع سلعة، ولم يقبض من ثمنها شيئا، ثم أفلس المشتري، فوجد البائع سلعته بعينها، لم يُحدث المشتري بها حدثا، فإن البائع أحق بها من جميع الغرماء.
وكذلك لو كان باعها بثمن مؤجل، فأفلس المشتري قبل محل الأجل، كان البائع أحق بها، وله أخذها في الحال. وسواء كانت السلعة قد زادت قيمتها أو نقصت.
وإن كان البائع قد قبض بعض ثمنها لم يكن له أخذها، وكان أسوة الغرماء، كما جاء في الحديث. وكذلك لو وجد البائع بعض سلعته لم يكن له أخذه، قبض من ثمنها شيئًا أو لم يقبض، وكان أسوة الغرماء.
قال: ولو باعه ثلاثين ثوبا، ثم أفلس المشتري فوجد البائع عنده خمسة عشر ثوبا، لم يكن له أخذها، وكان أسوة الغرماء.
فإن باعه ثوبا فصبغه المشتري صبغا لا ينقلع منه، أو أحدث فيه صنعة أو غيَّره عما كان عليه، ثم أفلس، كان البائع أسوة الغرماء.
[ ٢٦٠ ]
فإن مات المشتري المفلس، فوجد البائع سلعته بعينها، لم يكن له أخذها سواء كان قبض بعض ثمنها أو لم يقبض منه شيئا، وكان أسوة الغرماء؛ لأنها انتقلت بالموت إلى ورثة المفلس.
فإن باعه جارية ثيبا، فوطئها المشتري، ثم أفلس، فوجدها البائع ولم يكن قبض من ثمنها شيئا، فهل له أخذها دون الغرماء، أم يكون فيها أسوء الغرماء؟ على وجهين؛ أحدهما: ليس له أخذها، وهو أسوة الغرماء. والوجه الثاني: أن الوطء، كالخدمة؛ لأنه لم ينقصها عما كانت عليه قبله، فله أخذها؛ إذ هو أحق بها من جميع الغرماء.
فإن كانت بكرا فافتضها المشتري، ثم أفلس، فالبائع أسوة الغرماء وجها واحدا؛ لأنه لم يُصبها كما كانت حين باعها. وقد جعل أحمد بن حنبل ﵁ أمر البكر أغلظ من أمر الثيب.
قال: فإن باعه أمةً، فولدت عنده، أو دابة، فنتجت عنده، ثم أفلس المشتري، كان البائع أحق بها وبولدها من جميع الغرماء؛ لأنها ماله، وقد استحقها. وهذا صحيح، وهو محمول عليه إذا كان ابتاعها حاملا؛ لأن الولد حادث في ملك البائع داخل تحت العقد. فأما إن كان المشتري ابتاعها غير حامل ثم زوَّجها، فأتت بولد، فليس للبائع أخذها، ولا أخذ ولدها، وهو أسوة الغرماء.
وقد يتوجه: إن كان باعها ثيبا غير حامل، ثم أتت بولد في ملك المشتري من زوج، ثم أفلس، أن يكون البائع أحق بها، ويكون الولد للمشتري، كما قلنا في نتاج الماشية، وغلة الأرض الحادثة في ملك المشتري، إذا استحقت أنها للمشتري بضمانه. والأول أظهر وأصح.
فإن ابتاع أمةً فهزُلت عنده، أو دابة فعجفت ونقصت قيمتها، أو سمنت عنده، فزادت قيمتها، ثم أفلس، فالبائع أحق بها؛ لأنها عين ماله. وقال بعض أصحابنا:
[ ٢٦١ ]
إن كانت السلعة متزيدة بما لا تنفصل زيادتها، كان البائع فيها أسوة الغرماء.
ولا يختلف قوله: أن تصرف المفلس في أمواله قبل إيقافه وحجر الحاكم عليه بالبيع، والهبة، والعتق، والصدقة جائز ماض، وتصرفه في أمواله بعد حجر الحاكم عليه، بالهبة، والعطية، والصدقة، باطل قولا واحدا، وفي عتقه في هذا الحال روايتان؛ إحداهما: عتقه ماض؛ لأنه استهلاك. والرواية الأخرى: عتقه باطل؛ لأن فيه إتلاف حقوق الغرماء، فلا يجوز.
فإن كثر غرماء المفلس، ولم يف ماله بما عليه، فُضّ ماله بين غرمائه بالحصص.
وإقراره قبل الحجر عليه وبعده للأجانب، جائز لازم. فإن كان عليه دين ببينة، ثم أقر بعد الإفلاس بدينٍ لأجنبي لزمه إقراره، وبدأ بقضاء دين البينة، ثم بالذي أقر به.
فإن تقاعد بحقوق الناس، فاختاروا حبسه حُبس لهم. فإن امتنع من الخروج إليهم من حقوقهم، باع الحاكم عليه ما يثبت عنده من أمواله، وقسّم الثمن بين غرمائه.
قال: ويبيع عليه سائر أمواله وعقاره، إلا المسكن الذي لا غنى به عنه، وما يواريه من كُسوة، أو كان شيخا كبيرا أو مكفوفا. وله خادم لا غنى به عن خدمته لم يبعه عليه.
قال: ويدع له بلاغا من القوت. وإن له عيال ترك لهم قوتا.
واختلف قوله: هل للحاكم أن يشفع للمفلس حتى يضع عنه الغرماء بعض حقوقهم أم لا؟ على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما، لحديث كعب بن مالك الذي يرويه الزهري عن عبدالله بن كعب: أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد شيئا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سَجْفَ حجرته، ونادى: "يا كعب". قال:
[ ٢٦٢ ]
لبيك يا رسول الله، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال ﵊: "قم فأعطه". ومنع منه في الرواية الأخرى، وقال: ذلك حكم من النبي ﷺ وليس ذلك لغيره. فأما إن كان على وجه المسألة، فلا بأس.
واختلف قوله في المفلس إذا كان صانعا يقدر على كسب أكثر من مؤنته، هل يؤجره الحاكم إذا لم يبق له مال، ويقضي فاضل أجرته بعد مؤنته على غرمائه أم لا؟ على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، وقال: إذا قُسّم ماله بين غرمائه، فليس عليه أكثر من ذلك.
وإذا وضح أمر المفلس، ولم يبق له مال، لم يجز حبسه، ولا تعدي الحاكم عليه. ومن عامله بعد ظهور إفلاسه، فهو المتلف لماله، ولا تحل ديونه المنجمة ولا المؤجلة بالإفلاس. وكذلك لا يحل ما عليه من دين منجم أو مؤجل بالإفلاس. ويحل ما عليه من الديون بموته.
وإن كانت له سلعة مرهونة كان المتهن أحق بها من جميع الغرماء حتى يستوفي ماله عليها. ثم إن فضل من ثمنها شيء كان للغرماء.
وكذلك إن كان له دار فآجرها ثم أفلس، كان المستأجر أحق بالتصرف فيها مدة الغجارة.
ولو أذن لعبده في التجارة، فادّان دينا، فعتقه، كان على المولى جميع ما ادّان العبد في إحدى الروايتين. وإن لم يكن مأذونا، كان على العبد، وأدّى عن سيده جميع الدين.
فإن أفلس العبد المأذون له، ولم يعتقه المولى، كان عليه جميع ما ادان العبد، وقيل عنه: لا يلزمه من الدين إلا بقدر قيمة العبد أو يسلمه للغرماء.
[ ٢٦٣ ]
وإقرار العبد المأذون جائز. إقرار غير المأذون لا يجوز، وتكون في ذمته، يتبع بها إذا عتق.
[ ٢٦٤ ]