دليله: المملوك، وفيه احتراز من الحشيش والشيء التافه (^١).
واحتج المخالف: بأنه مباح في دار الإسلام، فوجب أن لا يكون غنيمة في دار الحرب.
أصله: الحشيش (^٢)، وربما قالوا: غير مملوك للحربي أشبه الحشيش (^٣).
والجواب: أن المعنى في الحشيش أنه غير مملوك ولا مرغوب فيه في العادة، وهذا مأخوذ من دار الحرب على وجه القهر؛ أشبه المملوك (^٤).
١٧ - ٣ مسألة: إذا أخذ المسلمون دواب أهل الحرب ومواشيهم ولم يمكنهم إخراجها إلى دار الإسلام، وخافوا أخذها منهم لم يجز لهم عقرها إلا لمأكلةٍ، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور (^٥) (^٦)؛ قال: أكره قتل البهائم، فأما الخنازير وإفساد الخمر وكسر الصليب فلا بأس، وهو ظاهر كلام الخرقي (^٧) (^٨) أيضًا؛ لأنه قال: وإذا حوربوا لم تعقر شاة ولا دابة إلا لأكلٍ لابد لهم منه، وهو قول الشافعي (^٩).
وقال أبو حنيفة (^١٠) ومالك (^١١): لهم ذبح الحيوان (^١٢) وتحريق المتاع، وكسر السلاح.
_________________
(١) ينظر: المغني (٦/ ٣٧٠)، كشاف القناع (٤/ ٢٢٣).
(٢) ينظر: الحاوي الكبير (١٤/ ١٧١)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٤٤)، الوسيط في المذهب (٧/ ٣٢).
(٣) ينظر: الأم (٤/ ٢٨٠)، الحاوي الكبير (١٤/ ١٧١، ١٧٢).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٢٨)، المغني (٩/ ٢٨٥).
(٥) لم أقف على رواية منصور وينظر نحوها: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٨/ ٣٩٠٨)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٢/ ٢١).
(٦) سبقت ترجمته ص ١٨٩.
(٧) ينظر: متن الخرقي (ص ١٤١).
(٨) سبقت ترجمته ص ١٤٠.
(٩) ينظر: الأم (٧/ ٣٧٥)، الحاوي الكبير (١٤/ ١٩٠)، البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٣٩).
(١٠) ينظر: المبسوط (١٠/ ٣٦، ٣٧)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٢)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٨٥).
(١١) ينظر: التلقين (١/ ٩١)، البيان والتحصيل (٢/ ٥٨٤)، مختصر خليل (ص ٨٩).
(١٢) ذبح الحيوان فحسب هو قول المالكية، ولكن زاد الأحناف على ذلك: ثم تحريقه لئلا ينتفع به ينتفع به العدو. ينظر: التلقين (١/ ٩١)، البيان والتحصيل (٢/ ٥٨٤) مختصر خليل (ص ٨٩)، العناية شرح الهداية (٥/ ٤٧٦).
[ ١ / ٢٠٨ ]
دليلنا. روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكلةٍ (^١) وهذا ذبح لغير مأكلة، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها سأله الله ﷿ عن قتلها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها وترمي به" (^٢).
وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال ليزيد بن أبي سفيان (^٣) لما بعثه إلى الشام:
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٣٨٤)، وأبو داود في المراسيل رقم (٣١٦)، (٥٤٣)، من حديث القاسم مولى عبد الرحمن مرسلا أنه قال: استأذن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ في الغزو، فأذن له، فقال: "إن لقيت فلا تجبن، وإن قدرت فلا تغلل، ولا تحرقن نخلا، ولا تعقرها، ولا تقطع شجرة مطعمة، ولا تقتل بهيمة ليست لك فيها حاجة، واتق أذى المؤمن". قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٦٠، ٥٩) متعقبا أبا محمد عبد الحق الإشبيلي: "وأظن أبا محمد نقل من نسخة كان قد سقط منها إسناده، وبحسب ذلك لم يجعل له عيبا سوى الإرسال والانقطاع، فأما من وقف على إسناده إلى القاسم، فسيعلم أن فيه مجهولا لا يصح الحديث من أجله ولو اتصل، وهو عثمان بن عبد الرحمن. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، حدثني عمرو ابن الحارث، عن عثمان بن عبد الرحمن عن القاسم مولي عبد الرحمن، فذكره. والقاسم المذكور، هو ابن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن الشامي، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، يختلف فيه، وأبو محمد يصحح ما يروي كما فعل الترمذي" أهـ. وتعقب ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٧٢) لابن القطان الفاسي فقال: "قلت: غريب منه جهالته حالة عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري أبي أمية المصري الفقيه المقرئ، أحد الأئمة الأعلام، روى عن: الزهري وعمرو بن شعيب وخلق، وعنه: الليث ومالك وابن وهب وخلق، وأخرج له الشيخان وباقي الستة في كتبهم، وأثنى عليه الأئمة ووثقوه. قال الإمام أحمد: ليس في المصريين أصح حديثا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه". اهـ.
(٢) أخرجه النسائي في كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة أكل العصافير رقم (٤٣٤٩)، وفي كتاب الضحايا، باب من قتل عصفورا بغير حقها، رقم (٤٤٤٥)، وأبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٣٩٣)، والشافعي في المسند رقم (١٦١٥)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٨٤١٤)، الحميدي في مسنده رقم (٥٩٨)، وأحمد في مسنده رقم (٦٥٥٠)، (٦٥٥١)، (٦٨٦١)، (٦٩٦٠)، والدارمي في سننه رقم (٢٠٢١)، والبزار في مسنده رقم (٢٤٦٣)، والحاكم في مستدركه رقم (٧٥٧٤)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٣٧٦): "هذا الحديث صحيح الإسناد". وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٤/ ٥٩٠ - ٥٩١) متعقبا لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي: "وسكت عنه، وإنما يرويه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى بني عامر، عن عبيد الله بن عمرو. وصهيب هذا، هو الحذاء مولي عبد الله بن عامر، لا تعرف له حال، ولا رأو عنه إلا عمرو بن دينار".
(٣) هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، أخو معاوية من أبيه، ويقال له: يزيد الخير. وأمه: هي زينب بنت نوفل الكنانية، وهو أخو أم المؤمنين أم حبيبة، كان من العقلاء الألباء، والشجعان المذكورين، =
[ ١ / ٢٠٩ ]
لا تعقر شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ (^١).
فإن قيل: تحمل هذه الأخبار إذا لم يكن في ذبحها غرض صحيح (^٢).
قيل: هذا يحتاج إلى دليل على أن النبي ﷺ قد فسر حقها، وهو أن يذبحها ليأكلها، وهذا معدوم، وأيضًا فإنه حيوان؛ فلا يجوز قتله لمغايظة المشركين (^٣).
دليله: النساء والصبيان ولا يلزم عليه قتل الأسير فإنه قتل لكفره لا لغيظهم، ولا يلزم عليه قتل الدابة إذا كان الكافر راكبها؛ لأن قتلها لقتل صاحبها لا لغيظهم؛ لأنها آلة له؛ فيتوصل بقتلها إلى قتله، ولأن قتلها في ملك على وجه الدفع عنه؛ لأن الفارس حول بدابته على من يقاتله وقتل البهيمة على وجه الدفع جائز (^٤)، فعلم أن قتلها لا لغيظهم.
وإن شئت قلت: كل حيوانٍ لم يجز قتله إذا لم تخف أن يأخذه المشركون لم يجز، وإن خاف (^٥).
دليله: ما ذكرنا من النساء والصبيان.
_________________
(١) = أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حنينا، فقيل: إن النبي ﷺ أعطاه من غنائم حنين: مائة من الإبل، وأربعين أوقية فضة، وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الروم، عقد له أبو بكر، ومشى معه تحت ركابه يسايره، ويودعه، ويوصيه، وما ذاك إلا لشرفه، وكمال دينه، ولما فتحت دمشق أمره عمر عليها، توفي يزيد في الطاعون سنة (١٨ هـ)، ولما احتضر استعمل أخاه معاوية على عمله، فأقره عمر على ذلك احتراما ليزيد، وتنفيذا لتوليته. ينظر: سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٢٨ - ٣٣٠)، تهذيب الكمال، (٣٢/ ١٤٥، ١٤٦).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٤٤٧)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٣٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٣١٢١) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر الصديق ﵁. وأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٣٨٣) من طريق عبد الله بن عبيدة، عن أبي بكر الصديق ﵁. وأخرجه ابن زنجويه في كتاب مخارج الفيء ومواضعه رقم (٧٥٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (١١١١) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي بكر الصديق ﵁.
(٣) ينظر: المبسوط (١٠/ ٣٦، ٣٧)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٢)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٨٥).
(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٢٢)، المغني (١٠/ ٤٩٨).
(٥) ينظر: نهاية المطلب (١٧/ ٣٦٧)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٧).
(٦) ينظر: المغني (١٠/ ٤٩٨)، شرح الزركشي (٣/ ٢٠٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
يبين صحة هذا: أن غيظهم بقتل النساء أعظم وقوتهم بهن أعظم من قوتهم بالبهائم، فلما لم يجز ذلك فأولى أن لا يجوز ههنا (^١).
فإن قيل: إنما لم يجز قتل النساء والصبيان لأنه لا يجوز الانتفاع بهم من جهة الأكل، وليس كذلك ههنا؛ فإنه يجوز الانتفاع به من جهة الأكل (^٢).
قيل: البغال والحمر لا يجوز أكلها بعد ذبحها ومع هذا فإنه يعقر عندهم، فلا معنى لهذا، ولأنه لا فرق عندهم بين أن يذبحها أو يعقرها لا على وجه الذكاة في الجملة، فلا معنى لهذا، ولأنه وإن ذبحها فإنه لا يقصد بذلك الأكل، وقد نهى النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلة (^٣) (^٤).
واحتج المخالف: بأنه لما جاز الانتفاع بها من جهة الأكل عند الحاجة إليها جاز إتلافها عليهم إذا لم يمكن إخراجها إلى دار الإسلام.
دليله: الزرع والثمار (^٥).
قالوا: وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروذي (^٦) (^٧) في أمير العسكر إذا باع ما باع ثم أمر بما بقي فأحرق فقال: إذا بقي شيء لا يقدر على حمله فلا بأس بأن يحرق، ولا يترك لهم شيء يعينهم.
ونقل أيضًا عنه: لا يعجبني قطع الشجر إلا أن يفعلوا ذلك فيفعل بهم. فقد أجاز تحريق ذلك على وجه المقابلة (^٨).
والجواب: أن المعنى في الزرع والثمار أنه لا حرمة لها في نفسها، وإنما الحرمة
_________________
(١) ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٢٢)، المغني (١٠/ ٤٩٨)، شرح الزركشي (٣/ ٢٠٣).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٣٦، ٣٧)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٢).
(٣) سبق تخريجه ص ٢٠٩.
(٤) ينظر: شرح الزركشي (٣/ ٢٠٣)، مختصر الخرقي (١/ ١٤١).
(٥) ينظر: حاشية ابن عابدين (٣/ ٢٢٣)، حاشية الدسوقي (٢/ ١٨١).
(٦) سبقت ترجمته ص ٦٠.
(٧) لم أقف على هذه الرواية، وينظر: الإنصاف (١٠/ ٣٠٧)، شرح الزركشي (٣/ ٢٠٣).
(٨) لم أقف على هذه الرواية، وذكرها كرواية في المذهب في الفروع، (١٠/ ٢٥٤).
[ ١ / ٢١١ ]