والجواب: أن هذا محمول على غير الأمان بدليل ما تقدم (^١).
واحتج: بأنه غير مكلف فلم يصح أمانه كالطفل والمجنون (^٢).
والجواب: أن المعنى في الأصل أنه لا يعقل الأمان وهذا مسلم يعقل الأمان أشبه البالغ ثم هذا يبطل بمن لم تبلغه الدعوة فإنه غير مكلف ويصح أمانه (^٣)
واحتج: بأنه عقد من العقود فلم تصح من الصبي كالبيع والنكاح وغير ذلك من العقود (^٤).
والجواب: أن تلك قد يصح منه إذا كان مأذونًا له في التجارة والنكاح أيضًا على أحد الروايتين (^٥) ولأن تلك العقود تفارق هذا العقد لأنها لا تلزم أحدًا إلا أن يأذن فيها وهذا قد يلزم من غير إذن فيها (^٦).
٢٢ - ٨ مسألة: إذا وجد الأمان من آحاد المسلمين لكافر بعد الأسر صح أمانه نص عليه في رواية أبي طالبٍ في رجلٍ أسره المسلمون ومعه أولاده فلما رأى أولاده بكى فقال له: رجل لا بأس رحمة ثم إنهم رأوا رجلًا من المسلمين مقتولًا فقتلوه: بئس ما صنعوا ما كان لهم أن يقتلوه قول عمر ﵀ لا بأس (إذا قال) (^٧) مترس (^٨) فقد أمنه (^٩) ونحو هذا
_________________
(١) ينظر: الأحكام السلطانية (١/ ١٦١)، الإنصاف (٤/ ١٤٦).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧١)، تحفة الفقهاء (٣/ ٢٩٦)، المجموع (١٩/ ٣٠٩).
(٣) ينظر: الأحكام السلطانية (١/ ١٦١)، الإنصاف (٤/ ١٤٦)، الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥).
(٤) ينظر: شرح فتح القدير (٥/ ٤٦٨)، مجمع الأنهر (٢/ ٤٢٠)، السير الكبير (١/ ٢٨٥).
(٥) ينظر: مسائل أحمد وإسحاق برواية إسحاق بن منصور الكوسج (٢٠٧٥)، الكافي لابن قدامة (٢/ ١١١)، المغني (٤/ ١٨٥)، المبدع في شرح المقنع (٤/ ٣١٩)، الإنصاف (٤/ ٢٦٧).
(٦) ينظر: الأحكام السلطانية (١/ ١٦١)، الإنصاف (٤/ ١٤٦)، الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥).
(٧) في الأصل: (إو) وما أثبته هو الصواب.
(٨) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٧٥): "مترس: كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء ووقع في الموطأ رواية يحيى بن يحيى الأندلسي مطرس بالطاء بدل المثناة قال ابن قرقول هي كلمة أعجمية والظاهر أن الراوي فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الأندلسيين" أهـ.
(٩) ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم في كتاب الجزية، باب إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا، (٤/ ١٠١) بلفظ: وقال عمر: "إذا قال: مترس فقد آمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها"، ووصله عبد الرزاق في المصنف رقم (٩٤٢٩)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٣٤٠٣)، سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٦٠٠)، =
[ ١ / ٢٢٩ ]
نقل يعقوب بن بختان (^١) وحكي ذلك عن الأوزاعي (^٢) خلافًا ــــــــــــــــــــــــــــ (^٣) والشافعي في قوله: لا يصح أمانه (^٤).
دليلنا: ما تقدم من قول النبي ﷺ يسعى بذمتهم أدناهم وهذا عام قبل الأسر وبعده ويدل عليه قول عمر إذا قال: مسلم لمشرك لا تدهل (^٥) لا خوف عليك مترس كان أمانًا وهذا أيضًا عام ويدل عليه أن أبا موسى الأشعري لما فتح تستر (^٦) أخذ الهرمزان (^٧) فأنفذ به إلى عمر فقال له عمر تكلم فقال: أكلام حي أم ميت فقال له عمر: لا بأس مترس ثم هم عمر بقتله فقال له أنس: ليس لك هذا وقد أمنته فتركه (^٨) وهذا الأمان كان بعد الأسر (^٩).
_________________
(١) = وابن أبي الجعد في المسند (٢٦٩٤) كلهم من طريق أبي وائل قال: كتب إلينا عمر ونحن بخانقين: "إذا حصرتم قصرا فلا تقولوا: انزلوا على حكم الله وحكمنا ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم ما شئتم، فإذا لقي رجل رجلا فقال له: مترس فقد أمنه، وإذا قال: لا تدهل فقد أمنه، وإذا قال: لا تخف فقد أمنه، فإن الله يعلم الألسنة". وصححه الحافظ ابن حجر في التغليق (٣/ ٤٨٣).
(٢) لم نجد روايته هذه ونحوها ينظر المغني (٩/ ٣٢٢)، الهداية على مذهب أحمد (١/ ٢١٣).
(٣) ينظر المغني (٩/ ٢٤٣)، الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٧).
(٤) يوجد طمس في الاصل يقدر بكلمتين.
(٥) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٦) معنى: لا تدهل، أي: لا تخف بالنبطية. ينظر: العين (مادة ذعر)، الدلائل في غريب الحديث (٢/ ٤٧٨).
(٧) بالضم، ثم السكون، وفتح التاء الأخرى، وراء: أعظم مدينة بخوزستان وبها أنهار كثيرة، أعظمها نهر تستر، بنى عليه سابور الملك شاذروان بباب تستر، حتى ارتفع ماؤه إلى المدينة، لأن تستر على مكان مرتفع من الأرض، وقد فتحت سنة عشرين في زمن عمر. ينظر: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (١/ ٢٦٢)، البداية والنهاية (٤/ ١٢٦).
(٨) الهرمزان الفارسي. كان من ملوك فارس، وأسر في فتوح العراق، وأسلم على يد عمر، ثم كان مقيما عنده بالمدينة، واستشاره في قتال الفرس. قال ابن سعد: بعثه أبو موسى الأشعري إلى عمر ومعه اثنا عشر نفسا من العجم، عليهم ثياب الديباج ومناطق الذهب وأساورة الذهب، فقدموا بهم المدينة، فعجب الناس من هيئتهم، فدخلوا فوجدوا عمر في المسجد نائما متوسدا رداءه، فقال الهرمزان: هذا ملككم؟ قالوا: نعم، قال: أما له حاجب ولا حارس؟! قالوا: الله حارسه حتى يأتيه أجله، قال: هذا الملك الهني. ينظر: الإصابة (٦/ ٤٤٨)، تاريخ الإسلام للذهبي (٢/ ١٦٣).
(٩) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم في كتاب الجزية، باب إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا، (٤/ ١٠١)، بلفظ: وقال: "تكلم لا بأس"، ووصله سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٦٧٠)، وابن أبي شيبة مطولا في المصنف رقم (٣٣٨١٣). وصححه ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٧٥).
(١٠) ينظر: المحرر في الفقه (٢/ ١٨٠)، الإنصاف (٤/ ٢٠٤)، المبدع (٣/ ٣٥٢).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فإن قيل: عمر ﵁ إمام له المن والفداء فكان قوله: لا بأس منا منه عليه (^١).
قيل: لفظ الأمان غير لفظ المن وفي الخبر أنه قيل له: كيف وقد أمنته ولم يقل مننت عليه، ولأنه لو كان قد من عليه لأطلقه؛ لأن عادة المن الإطلاق ويدل عليه أنه لم يستقر حق الغانمين في رقابهم بدليل أن للإمام إسقاط حقهم بالمن فصح الأمان.
دليله: قبل الأسر إذا كانت الحرب قائمةً (^٢).
فإن قيل: قبل الأسر لم يثبت للإمام حق وبعد الأسر قد ثبت له حق القتل والاسترقاق ففي الأمان إسقاط لحقه (^٣).
قيل له: وقبل الأسر قد كان له قتلهم والصلح على مالٍ وقد سقط ذلك بأمانه كذلك بعد الأسر وكل من جاز أمانه قبل الأسر جاز بعده كالإمام (^٤).
فإن قيل: ليس ذلك بأمان وإنما هو من (^٥).
قيل: معنى المن الأمان؛ لأنه يتضمن إسقاط القتل والرق وأخذ المال (^٦).
فإن قيل: فالإمام لم يسقط حق أحد بأمانه وغيره قد يسقط حقه (^٧).
قيل: يبطل بما قبل الأسر، ولأن عقد الأمان يفتقر إلى المن ومأمون ثم ثبت أن الأمن يصح أمانه سواء كان أسيرًا أو مطلقًا كذلك المأمون لما صح أمانه قبل الأسر يجب أن يصح بعده ولأنه لو عفا بعض الورثة عن القصاص صح عفوه وسقط القصاص كذلك إذا أمن بعض الغانمين يجب أن يسقط (^٨).
_________________
(١) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٢) ينظر: السير الكبير (٢/ ٥٠٢)، المبدع (٣/ ٣٥٢).
(٣) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٤) ينظر: الإنصاف (٤/ ٢٠٤)، المبدع (٣/ ٣٥٢).
(٥) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ٢٤٤)، كشاف القناع (٣/ ١٠٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (١/ ٢١٣)
(٧) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٨) ينظر: المغني (٩/ ٢٤٤)، كشاف القناع (٣/ ١٠٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (١/ ٢١٣)
[ ١ / ٢٣١ ]
احتج المخالف: بأنه إذا وقع في الأسر كان الإمام مخيرًا بين أربعة أشياء فلو قلنا: يصح أمانه أسقط ما حصل للإمام النظر فيه ولأنه إذا وقع في الأسر فقد ملك إن يملكوا فلو صح الأمان سقط ما ثبت لهم (^١).
والجواب: عن قوله فيه إسقاط حق الإمام فغير ممتنع كما لم يمتنع قبل الأسر وقوله: فيه إسقاط حقهم فيبطل، بالإمام يملك إسقاط ذلك كذلك غيره (^٢).