نص عليه في رواية أحمد بن الحسن الترمذي في من قدم من نسكه شيئًا، أو أخره، فإن فعل ذلك جاهلًا، أو ناسيًا [فلا شيء عليه]، وإن تعمد كان أشد عندي، ومن قال: لا شيء عليه إذا تعمد فقد قال بأكثر الأحاديث.
[ ١ / ٤١٢ ]
وظاهر هذا: أن العمد والسهو سواء في إسقاط الجبران.
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: إن فعل ذلك جاهلًا أو ناسيًا، فلا شيء عليه، وإن فعل ذلك عامدًا فعليه دم لمخالفة الترتيب، وهو اختيار أبي بكر.
نص عليه في رواية أبي طالب في من نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر، أو زار البيت قبل أن يرمي وإن كان ناسيًا، فلا بأس وإن كان عامدًا فلا؛ إنما هو على النسيان.
وكذلك نقل ابن مسعود عنه: أنه ذكر له قول مالك في من حلق قبل أن يرمي، فقال أحمد: إن كان جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عالمًا، فعليه دم.
وقال في رواية المروذي في من قدم من نسكه شيئًا قبل شيء ناسيًا: لم يكن عليه شيء، وإن فعله متعمدًا [فعليه] شيء، فإن جاء بالدم فليس فيه كلام. كأنه رخص فيما هو أقل من الدم.
وظاهر هذا: أنه يجبره بما دون الدم بصدقة.
وقال أبو خيفة: إن كان متمتعًا أو قارنًا فحلق قبل أن يذبح، أو يرمي، فعليه دمان؛ دم للقران أو التمتع، ودم للعلق قبل الذبح.
وقال مالك: إن حلق قبل أن يرمي فعليه دم، وان حلق قبل أن يذبح، فلا دم عليه.
[ ١ / ٤١٣ ]
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن عمرو بن العاص قال: رأيت رسول الله ﷺ بمنى على ناقته، فجاء رجل فقال: ما وصول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، فقال: «أنحر، ولا حرج»، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمى، قال: «ارم، ولا حرج»، قال: فما سئل عن شيء يومئذ قدمه رجل أو أخره إلا قال: «افعل، ولا حرج».
[و] روى أحمد بإسناده عن ابن عباس: أن النبي ﷺ سئل عمن حلق قبل أن يذبح، ونحو ذلك، فجعل يقول: «لا حرج، لا حرج».
فلو كان الدم واجبًا في ذلك لبينه، وأمر به.
فإن قيل: إنما نفى المأثم، ولم يتعرض لغيره.
يبين صحة هذا: ما روى في حديث عمرو بن العاص: أن رجلًا قال له: إني كنت أظن [أن] الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج».
وروى زياد بن علاقة، عن أسامه بن شريك قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجًا، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله!
[ ١ / ٤١٤ ]
سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئًا، أو أخرت شيئًا، وكان يقول: «لا حرج، لا حرج إلا [على] رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك».
ولا خلاف أن تقديم السعي على الطواف لا يجوز، فعلم أن المراد ما ذكرنا.
قيل له: لو كان الدم واجبًا لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعلى أن السؤال مطلق عما يجب عليه الدم؛ لأنه يحتاج إلى معرفته؛ ليخرج من الواجب عليه، ويبرئ ذمته منه.
والذي روي في حديث عمرو بن العاص: أنه حلق قبل الرمي، فالخلاف فيه كالخلاف في مسألتنا، وإنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فإن ترتيبه على الرمي مستحب لا يجب بتركه دم، وإن قلنا: هو إطلاق محظور، وجب الدم لتقديمه قبل التحلل.
وأما حديث أسامة بن شريك فهو محمول على أنه كان قد طاف طواف القدوم، وسعى خلفه؛ فإن هذا السعي معتد به من الفرض، ويطوف طواف الزيارة، ولا حرج عليه، فيكون الخبر محمولًا على أنه
[ ١ / ٤١٥ ]
قدمه على طواف [الزيارة].
والقياس: أنه ذبح يجوز العلق عقيبه، فجاز قبله.
أصله: إذا كان عليه دم الطيب واللباس وجزاء الصيد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الدم [دم] جبران، وليس بنسك، وليس كذلك في دم التمتع والقران؛ فإنه دم نسك، فكان الحلق مرتبًا عليه.
قيل له: فالدم في حق المفرد دم نسك، ومع هذا فلا يترتب الحلق عليه؛ لأنه لو حلق قبل أن يذبح لم يلزمه دم لأجل ذلك.
فإن قيل: الدم في حق المفرد تطوع، وليس بواجب، والدم الذي يثبت في حق القارن والمتمتع واجب، فلهذا اعتبر الترتيب فيه.
قيل له: طواف القدوم غير واجب، ومع هذا فإن السعي يترتب عليه، فلو كان الترتيب في الحلق مستحق لاستوى فيه التطوع والواجب؛ كطواف القدوم مع السعي.
ولأن كل حالة جاز للمفرد أن يخلق رأسه فيها، جاز للقارن أن يحلق رأسه فيها.
دليله: بعد الذبح.
وإذا شئت قلت: حلق بعد الرمي، فلم يلزمه دم، كما لو حلق بعد الذبح.
والعبارة الأولى أجود؛ لأنه لو حلق قبل الرمي كان حكمه عندنا
[ ١ / ٤١٦ ]
حكمه قبل الرمي إذا قلنا: إن الحلاق نسك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فنهى عن الحلق قبل الذبح، ومخالفنا لا ينهى عنه، بل يبيحه، وإذا ثبت أنه منهي عنه ثبت أنه يلزمه دم؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
قال: وليس لقاتل أن يقول: إن الآية نزلت في المحصر، وخلافنا في القارن؛ لأنها عامة، ونزولها على سبب لا يمنع عمومها، ولأن من قال: الحلق نسك، لا يفرق بين المحصر وغيره في أن للمحصر أن يحلق قبل أن يذبح.
والجواب: أنا نحمل ذلك على الاستحباب؛ لأنا نستحب الترتيب دون الإيجاب.
وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]؛ يعني: الحلق.
وهكذا الجواب عن قول النبي ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، وكانوا محصرين في الحرم.
واحتج بأن هذه مناسك تفعل بحكم الإحرام المتقدم، فوجب أن
[ ١ / ٤١٧ ]
لا يباح ترك الترتيب فيها، كالطواف، والسعي، والرمي، وطواف الصدر، ومخالفنا يقول: الأفضل أن يرتب، فإن تركه جاز، وإذا ثبت أنه منهي عن ترك الترتيب، ثبت أنه يجب دم؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
والجواب: أن المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجوز حتى يبدأ بالبيت، وذهب إلى قول سفيان: يعيد إذا كان عامدًا، فإذا كان جاهلًا أرجو.
وظاهر هذا: أن الترتيب يسقط في ذلك في حال النسيان.
ونقل ابن منصور: وقد سئل عن من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجزئه.
وظاهر هذا: إيجاب الترتيب في العمد والسهو، وهو المذهب الصحيح.
ونقل ابن منصور وطاهر في موضع آخر: إذا طاف بالصفا والمروة قبل البيت في العمرة، ثم حلق، عليه دم.
وظاهر هذا: أنه يجزئه، ويجبره بدم، ويكون الفرق بينهما: أن السعي لما كان مرتبًا على الطواف لم يفترق الحال بين طواف الفرض وبين طواف التطوع.
وكان يجب - أيضًا - أن يعتبر مخالفنا الترتيب في الذبح التطوع والفرض.
ولأن ترتيب السعي مع الطواف معتبر في حق المفرد والقارن
[ ١ / ٤١٨ ]
سواء، كذلك يجب أن نقول في الحلق مع الذبح: يستوي فيه القارن والمتمتع والمفرد.
واحتج بأنه قدم الحلاق على الذبح، فلزمه دم، كما لو قدمه على الرمي.
والجواب: أنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فلا دم عليه، ولا يجب الترتيب بينه وبين الرمي، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الترمذي، وقد سوى بينهما - أيضًا - في رواية أبي طالب وابن مسعود.
وإن قلنا: الحلاق إطلاق محظور، وجب عليه دم.
ولأنه حلق قبل التحلل الأول، كما لو تطيب، أو لبس.
ويقابل هذا بمثله بأنه حلق قبل الرمي، أشبه إذا حلق بعد الذبح، وهكذا الحكم فيه إن قاسوا ترتيب الرمي على الطواف، فإنه غير واجب.
٨٣ - مسألة