نص عليها في رواية ابن منصور في من وقع باربع نسوة - وهو محرم - في يوم واحد، أو أيام متفرقة، فسد حجه، وعليه كفارة واحدة، ما لم يكفر.
وكذلك نقل ابن القاسم: وقد حكي له قول بعضهم: إذا وجبت عليه كفارة في لباس، أو طيب، ونحو ذلك، ثم كفر، ثم عاد بمثله، فعليه الكفارة، وإن لم يكفر حتى عاد، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فقال: هو هكذا؛ إذا لم يكفر، فليس عليه إلا كفارة واحدة.
وفيه رواية أخرى: إن كان السبب مختلفًا، كمن لبس بالغداة لبرد، ووقت الظهر لحر، ووقت المغرب لعلة، أو حلق لعلة، ولبس لعلة أخرى، وتطيب لسبب آخر، فعليه لكل واحد كفارة، فإن كان السبب واحدًا، فالكفارة واحدة.
روى ذلك الأثرم عنه في محرم اعتل، فلبس جبة، ثم برئ، ثم اعتل، فلبس جبة، يكفر كفارتين، فإن اعتل علة واحدة، فلبس عمامة، واحتاج في علته في الغد إلى جبة، وبعد غد [إلى] قميص، فإذا كانت
[ ١ / ٤٥٣ ]
علة واحدة، وكان شيئًا متقاربًا، فكفارة، فإن تداوى بأدوية دواء بعد دواء، فحكمه حكم اللباس.
وقال أبو حنيفة: إن كرر ذلك في مجلس واحد تداخل، وإن كان في مجالس لم يتداخل.
وقال مالك: إذا أفسد الحج بالوطء لزمه الهدي، فإن كرره لم يلزمه هدي، إن كفر عن الأول، أو لم يكفر، فعنده أن الكفارة [لا] تتكرر إذا فعله إلا على وجه الرفض.
وللشافعي قولان:
قال في الجديد: لا يتداخل سواء كان في مجلس، أو مجالس.
وقال في القديم: يتداخل.
ولا يختلف قوله أن الحلق واللبس إذا كان متصلًا، ففدية واحدة.
وجه الرواية الأولى: أن الأفعال التي إذا اتصلت تداخلت، فإنها إذا تفرقت جاز أن تتداخل تحت الأحداث والحدود مثل السرقة وشرب الخمر، وعكسه قتل الصيد؛ لما لم يتداخل حال الاتصال لم يتداخل حال التفرق.
ولأنهما أفعال منع المحرم منها للترفه والاستمتاع، فإذا تكررت منه - ولم يتخللها تكفير - تداخلت قياسًا عليه إذا والى بينهما في وقت متصل.
[ ١ / ٤٥٤ ]
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الاتصال بالانفصال، ألا ترى انه لو حلف: (لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة) فاستدام الأكل إلى آخر النهار لم يحنث؛ لأنه فعل واحد، ولو فرقه حنث.
قيل له: لا تأثير للمجلس والمجالس في ذلك، وإنما الاعتبار في الحنث بالتكرار، فإن تكرر منه دم حنث سواء كان في مجلس، أو مجالس، وإن اتصل لم يحنث بالتكرار.
ولأنه لو وجبت إذا تفرقت لوجبت كفارات إذا اجتمعت، كالصيد.
ويخص مالكًا بأنه وطء، بأنه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه، فجاز أن يتعلق به كفارات، كالوطء الأول.
ولأن الوطء معنى تجب به الكفارة، فجاز أن تتكرر بفعله.
دليله: لبس الثياب، وحلق الشعر، وقتل الصيد.
ويخص الشافعي بأن الكفارات تجري مجرى الحدود والطهارات، قال ﷺ: "الحدود كفارات لأهلها".
ثم ثبت أنه لو زنا ثم زنا، أو احدث ثم احدث، فحد واحد، وطهارة واحدة، كذلك الكفارات.
فإن قيل: الحدود والطهارات لا يتعلق بها حق آدمي، والكفارات
[ ١ / ٤٥٥ ]
يتعلق بها حق آدمي، وهم المساكين، فلم تتداخل.
قيل: علة الأصل تبطل بالصلاة والصيام، لا يتعلق بها حق آدمي، ولا تتداخل.
وعلة الفرع تبطل به إذا كرر اليمين على شيء واحد، وجبت كفارة واحدة.
فغن قيل: الحدود تسقط بالشبهة، والكفارات لا تسقط بالشبهة.
قيل: علة الأصل تبطل بالقتل؛ [فإنه] يسقط بالشبهة، واجتماع أسبابه لا يصير شبهة؛ لأنه لو قتل جماعة لم تتداخل.
وعلى أن الشبهة قد تؤثر في هذه الكفارة عندهم، وهو النسيان؛ لأنه لو لبس أو تطيب ناسيًا، لا كفارة.
ولأنها كفارة لا يتضمن سببها إتلاف نفس، فجاز أن تتداخل عند اجتماع أسبابها، ككفارة اليمين إذا كررها على فعل شيء واحد، ثم حنث.
ولا تلزم عليه كفارة القتل، وقتل الصيد؛ لأن سببها يتضمن إتلاف نفس.
ولا تلزم عليه كفارة الظهار؛ لأنها تتداخل، وهو إذا ظاهر منها فوطئ قبل أن يكفر، وكرر الوطء، فكفارة واحدة.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وكذلك إذا ظاهر من جميع نسائه بلفظ فكفارة.
ولا تلزم عليه كفارة الصوم؛ لأنها تتداخل إذا كرر الوطء في يوم واحد، ولم يكفر.
فإن قيل: إذا كررها على فعل واحد، فهناك يمين واحدة؛ لأنه حنث واحد.
قيل: بل هناك يمينان، بدليل أنه لو قال: والله لا دخلت هذه الدار، ثم قال: والله لا حلفت، ثم قال: والله لا دخلت هذه الدار التي حلف عليها حنث.
ولأنها عبادة تجبر بالكفارة، فجاز أن تتداخل كفارتها، كالصوم إذا كرر الوطء في يوم واحد.
وليس لهم أن يقولوا: هناك لا تتكرر الكفارة في اليوم الواحد؛ لأنا لا نسلم هذا، بل عندنا تتكرر إذا كفر عن الوطء الأول، ثم وطئ ثانيًا.
واحتج المخالف بأن هذه جنايات حصلت منه في حال الإحرام من غير أن تتعلق بسبب واحد، ولا حصلت في مجلس واحد، فوجب أن يجبر كل واحد منهما بدم قياسًا على جنسين مختلفين مثل الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، والطيب.
ولا يلزم عليه إذا حصل منه مرارًا على وجه الرفض؛ لأنه قد تعلق
[ ١ / ٤٥٧ ]
بسبب واحد، ألا ترى انه لا يختلف أن يكون ذلك من جنس واحد، أو جنسين؟
والجواب: أنه لا تأثير لقولك: ولا حصلت في مجلس واحد؛ لأن ما يحصل في مجلس ومجلسين سواء، ألا ترى أنه لو تكرر منه قتل الصيد في مجلس واحد تكرر الجزاء.
وكذلك لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو فعل جنسين مختلفين في مجلس واحد، جبر كل واحد بدم عندك.
ثم لا يجوز اعتبار الجنس الواحد بالجنسين في باب التداخل بدليل الحدود؛ إذا كانت من جنس واحد تداخلت، وإذا كانت من أجناس لم تتداخل
واحتج بان القياس [أنه] يجب عليه لكل مرة كفارة، وإن كان ذلك في مجلس واحد؛ لأنها جنايات في الإحرام، وهي كقتل الصيد، إلا إذا تركنا القياس في مجلس واحد لدلالة الإجماع، وحملنا حكم المجلسين والمجالس الكثيرة على موجب القياس.
والجواب: أنهم لما أجمعوا على التداخل في مجلس واحد، وجب التداخل في مجالس؛ لأن الأصول توجب التسوية بين المجلس والمجالس.
[ ١ / ٤٥٨ ]
واحتج بأن هذه أفعال تفرقت في أوقات لو انفرد كل واحد منها، وجبت به كفارة، فإذا اجتمعت وجبت بكل واحدة كفارة، كما لو كفر عن الأول.
والجواب: أنه إذا كفر عن الأول فقد سد لخلل الذي هتكه، فإذا عاد فهتكه، كان عليه كفارة ثانية، كالحدود؛ إذا حد عن الأول، ثم عاد، فعليه حد ثان، وليس كذلك إذا لم يكفر.
ولأنه لم يحصل جبران فعله بالفعل الثاني لم يصادف حرمة مهتوك، فهو كما لو زنا، ولم يحد، فعاد فزنا ثانيًا، فعليه حد واحد، كذلك هاهنا.
واحتج بأنهما فعلان مفترقان، لو كفر عن الأول لزمته كفارة عن الثاني، فوجب أن تلزمه، وإن لم يكفر، كالصيدين، وكما لو كانا من جنسين مثل إن حلق وقلم، وتطيب ولبس.
والجواب عن الصيدين: أن فيهما روايتين:
روى حنبل عنه: أنه إذا لم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى الجماعة أن عليه للثاني كفارة ثانية.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن قتل الصيدين لو اتصل لم يتداخل، كذلك إذا تفرقت جاز أن تتداخل.
وأما إذا قتل من جنسين ففيه - أيضًا - روايتان:
[ ١ / ٤٥٩ ]
إحداهما: تتداخل.
رواه ابن منصور عنه: أنه سئل عن محرم من طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد.
وقد نص على التداخل في الجنسين، وهذا اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب "الخلاف".
ووجهه: أنها أفعال مضمونة ببدل، لا على سبيل التعديل، فإذا فعلت في وقت واحد لم تجب إلا كفارة واحدة.
دليله: إذا كانت من جنس واحد.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى عنه ابن منصور في موضع آخر كلامًا يقتضي: أنها لا تتداخل، فقال ابن منصور: قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة، قال أحمد: جيد، في كل واحد كفارة.
فقد أوجب كفارات، ولم يعتبر تكفيرًا متقدمًا عن الفعل الأول.
وقال في موضع آخر من "مسائله": إذا جامع، ثم أصاب صيدًا، أو حلق رأسه، أو أشباه ذلك، فالإحرام قائم، وكلما أصاب من
[ ١ / ٤٦٠ ]
ذلك فعليه كفارة.
وقال - أيضًا - في رواية ابن إبراهيم في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه، ولبس ثيابه والحلي: عليه هدي.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن تلك أفعال مختلفة، وموجباتها، مختلفة، فإذا اجتمعت لم تتداخل، كما لو زنا، وقذف، وشرب الخمر، فعليه لكل واحد حد؛ لانهالا أجناس مختلفة، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه جنس واحد، وفعل واحد، فجاز أن تتداخل، كالزنا إذا تكرر، والسرقة إذا تكررت، ولما يحد.
ولأن الأجناس المختلفة اتصلت، ولم تتداخل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الجنس الواحد لو اتصل تداخل، كذلك إذا تفرق، فبان الفرق بينهما.
٩٣ - مسألة