وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: يجزئه.
دليلنا: أن الاعتكاف يصح بالليل والنهار، فأشبه اليمين، والعدة، ومدة الإيلاء والعنة.
ولو قال: (والله لا أكلم فلانًا شهرًا) لم يجز له أن يفرق؛ للعلة التي ذكرنا، وكذلك مدة العدة.
وإن شئت قلت: حكم علقه بمدة يصح في جميعها أشبه ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه إذا نذر صيام شهر وأطلق؛ لأن فيه روايتين:
إحداهما: من شرط التتابع كالاعتكاف.
نص عليه في رواية محمد بن الحكم في رجل قال: (علي أن أصوم عشرة أيام) يصومها متتابعًا، وإذا قال: (شهرًا) فهو متتابع، وإذا
[ ١ / ٣٠ ]
قال: (ثلاثين يومًا) فله أن يفرق.
فقد نص على التتابع في الشهر، وفي العشرة، وأسقط في ثلاثين يومًا، ولا فرق بينهما، ولعله سهو من الراوي.
فعلى هذا: لا فرق بين الاعتكاف وبين الصوم.
والثانية: ليس من شرطه التتابع.
قال في رواية أبي طالب فيمن نذر أن يصوم شهرًا لم يسم؛ هل يصومه متتابعًا، أو متفرقًا؟ قال: متتابعًا أعجب إلي.
وظاهر هذا: أن التتابع مستحب، وليس بواجب.
فعلى هذا: لا يلزم على العلة؛ لقولنا: معنى يصح بالليل والنهار، والصوم لا يصح بالليل.
وقد ناقض بعضهم هذه العلة كمن نذر صلوات وصدقات: أن ذلك يصح بالليل والنهار، وليس من شرطه التتابع، وهذا لا يلزم.
فإن قيل: اليمين تقتضي أن لا يكون ابتداء الوقت متصلًا بها - أيضًا - اتصال ما بعده من الأوقات، وليس كذلك النذر؛ لأنه لا يقضي أن يكون ابتداء الوقت متصلًا، فلا يقضي اتصال ما بعده.
قيل له: فيجب أن نفرق بين أن تقول: (لله على أن أصوم يومًا) وبين أن تقول: (والله لا أكلم فلانًا يومًا) فنجيز التفريق في الصوم، ولا نجيزه في اليمين؛ لأن اليمين تقتضي أن يكون ابتداء الوقت متصلًا بها، والنذر لا يقتضي اتصال ابتداء الصوم به، واتفقوا: أنه لا فرق بينهما،
[ ١ / ٣١ ]
فبطل هذا الاعتبار.
وعلى أنه لو قال: (والله لا كلمته شهرًا من هذه السنة) فإنه [لا] يقتضي أن يكون ابتداء الوقت متصلًا؛ لأن له أن يعين أي شهر شاء من السنة"، ومع هذا فإنه يقتضي اتصاله إذا عينه.
فإن قيل: التتابع إنما شرطناه في اليمين؛ لأن الهجرة في الشرع والعادة هي متابعة الترك للكلام، وليس كذلك اعتكاف أيام؛ لأنه قد يكون متفرقًا ومتتابعًا في العادة.
قيل له: العادة - أيضًا - في الاعتكاف التتابع، ولم يفعل رسول الله ﷺ الاعتكاف إلا في مدة متتابعة، فلا فرق بينهما.
ولأنها قربة ليس فيها تمليك مال يمكن أن يؤتى بها على الانفصال، وإذا نذرها غير متميزة لم يكن له التفريق، كما لو نذر عتق رقبة، لم يجز أن يعتق متفرقًا.
ولا يلزم عليه إذا قال: (لله على أن أتصدق بدرهم) فله تفريقه.
ولا يلزم عليه إذا نذر صوم شهر؛ لأنه لا يتصل.
وقياس آخر هو: أن الاعتكاف عبادة يصح إيقاعها في جميع أجزاء الوقت الذي تضمنه لفظه، فلا يجوز أن يفرقه.
دليله: صوم يوم واحد.
وفيه احتراز منه إذا قال: (لله على أن أصوم شهرًا)؛ لأنه يجوز
[ ١ / ٣٢ ]
تفرقته على إحدى الروايتين؛ لأنه لا يصح إيقاعه في جميع أجزاء الوقت.
فإن قيل: المعنى في صوم اليوم: أنه لا يجوز تفريق أجزائه بالشرع، فحمل مطلق النذر على ما تقرر في الشرع، وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه يجوز تفريق أجزائه؛ لأنه يصح اعتكاف يوم.
ولأن اسم اليوم عند العرب يقع على ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
ولهذا قلنا: لو نذر اعتكاف يوم، لم يجز له تفريقه على قول بعض أصحابنا؛ لأن اليوم اسم لما بين طلوع الشمس وغروبها.
وهذا معدوم في الأيام؛ لأنه اسم للمتفرق والمجتمع.
قيل: هذا يبطل باليمين؛ فإنه إذا حلف على أن لا يكمله عشرة أيام، فإن ذلك عبارة عن المجتمع والمتفرق، ومع هذا فإنه يقتضي التتابع، كذلك في النذر.
وقولهم: (إن الاعتكاف يصح بتفريق أجزائه) يبطل باليمين؛ لأنه يصح تفريق المدة، وهو أن يحلف لا يكلمه نصف يوم، ومع هذا لو حلف على يوم كامل اقتضى التتابع.
وعلة الفرع تبطل بالصلاة والحج، لأن أفعال الصلاة تتفرق؛ لأن السجود يكون بانفراده، وهو سجود التلاوة، والقيام في صلاة الجنازة، والطواف والسعي في العمرة.
[ ١ / ٣٣ ]
واحتج المخالف بأنها عبادة يجوز تفرقتها، فلا يجب التتابع فيها بمطلق النذر.
دليله: إذا نذر صوم شهر.
وربما قالوا: علقة بمدة مطلقة، فلم يكن من شرطه التتابع كالصوم.
والجواب: أن صوم شهر لا يقع إلا متفرقًا، فلا يجب التتابع فيه بمطلق النذر، وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه يصح إيقاعه في جميع أجزاء الوقت الذي يتضمنه لفظه.
فنظير مسألتنا من الصوم: أن يوجب على نفسه صوم يوم: أنه لا يجوز إلا متصلًا متتابعًا، كالاعتكاف شهرًا.
فإن قيل: تتابع الصوم هو المتابعة بين أيامه.
يدل عليه: إذا شرط التتابع وجب، ولم تعتبر الليالي، ولهذا قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] وأراد: تتابع أيامه.
قيل له: فهذا هو الديلي؛ لأن عشرة أيام عبارة عن الليالي والأيام، واللفظ تناولها، وما أوجبه يصح في بعضها، فلم يوجب نذره الاتصال؛ لأن التتابع ما لا يتفرق.
وتتابع الصوم هو توالي الأيام، وذلك تفريق من وجه، فلم يلزم بموجب اللفظ ما لم يشرطه.
واحتج بأن اسم (الشهر) و(الثلاثين يومًا) يتناول ما بين الهلالين، ويتناول ثلاثين يومًا متفرقة، وإذا أتى بما يصح أن يتناوله مطلق نذره
[ ١ / ٣٤ ]
أجزأه، كما لو تابع.
والجواب: أن اسم (الشهر) و(الثلاثين يومًا) يتناول ما بين الهلالين، ويتناول ثلاثين يومًا في اليمين.
ثم اتفقوا: أنه لو امتنع من المحلوف عليه ثلاثين يومًا متتابعًا جاز، وإذا امتنع ثلاثين يومًا متفرقة لم يجز، كذلك الاعتكاف.
واحتج بأنه لو قال: (لله على أن اعتكف شهرًا بعينه) لم يكن من شرطه التتابع، بدليل: أنه متى ترك شيئًا منه قضاه، ولم يستأنف، فأن لا يكون من شرطه التتابع إذا أبهمه أولى.
والجواب: أن في ذلك روايتين:
إحداهما: يستأنف شهرًا متتابعًا.
والثانية: يبني على ما مضى.
نص عليهما في الصيام فيمن نذر صيام شهر بعينه، فأفطر لغير عذر:
فنقل صالح: يتم الشهر الذي أفطر، ويقضي الذي أفطر، ويكفر كفارة يمين.
ونقل غيره: يبتدئ شهرًا.
وهو اختيار الخرقي، ذكره في كتاب "النذور".
[ ١ / ٣٥ ]
وإن قلنا: يستأنف شهرًا، فلا كلام.
وإن قلنا: يبني، فهناك المتابعة من جهة الوقت، فلم تبطل بالتفريق، كصوم شهر رمضان، والمتابعة هاهنا لا من جهة الوقت، فهي كمتابعة صوم الظهار، فبطل التفريق.
٧ - مسألة