وقد قال أحمد في رواية مهنا في محرم قص أربع أصابع من يده: فعليه دم، قال عطاء: في شعره مد، وفي شعرتين مدان، وفي ثلاث شعرات فصاعدًا دم. والأظفار أكث من ثلاث شعرات.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن قص خمسة أظفار من يد واحدة، أو رجل واحدة، وجب عليه دم، وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة في كل ظفر نصف صاع حنطة.
ولأنه قص خمسة أظفار من يدين، أو رجلين، كان عليه اسم الجمع المطلق، لم يلجه الظفر إليه، وأشبه إذا قلم أظفاره يده.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد استعمل منفعة إحديهما، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لم يستعمل.
قيل له: يبطل به إذا حلق ربع رأسه؛ فإنه لم يستعمل المنفعة، ومع هذا ففيه دم.
ولأن القليل لا يوجب الدم، وهو ظفر واحد، والكثير يوجبه،
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأقل ما يتعلق به حكم الكثرة في الأصول هو ثلاثة، وكانت حدًا فاصلًا بين ما يوجب وما لا يوجب بقلم خمسة أظفار، ولا يوجب بقلم ستة عشر ظفرًا، وهو إذا قلم أربعة من كف وأربعة من كف، وأربعة من قدم، وأربعة من قدم.
وهذا ظاهر الفساد.
ولأن ما ذهبوا إليه يؤدي إلى أن يصم بعضه إلى بعض، والذي تقتضيه الأصول عنده الضم، ويجعل بمنزلة الموجود في كف واحدة، وقدم واحدة، كما ضم النجاسات بعضها إلى بعض، فإذا بلغت مقدار درهم كانت بمنزلة المتصلة، وكذلك ضم خرق الخف بعضه إلى بعض، وجعل المتفرق بمنزلة المتصل، وكذلك ضم الجنايات بعضها إلى بعض في الأطراف، فإذا بلغت نصف عشر الدية حملها العاقلة عنده، فيجب أن ينظر مثل هذا في مسألتنا.
وقضم الخمسة من يدين كأنه وجد من يد واحدة.
فإن قيل: المقصد من النجاسة تطهير الثوب منها، فإذا وجد منها مقدار ما يجب غسله لو وجد في موضع واحد، وجب غسله إذا كان في مواضع متفرقة.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وقص الأظفار المقصد فيه الجمال والمنفعة، فإذا لم يحصلا له لم يجب عليه دم.
وأما الخف إذا تخرق فإنه يضم بعضه إلى بعض إذا كان في خف واحد، وأما إذا كان في خفين، فلا يضم كمسألتنا.
فأما الجنايات، فلا تشبه مسألتنا؛ لأنه لو قطع أصابع اليدين وجبت عليه الدية، ولو قطع أصابع إحدى اليدين وجب نصف الدية، وفي قص الأظفار جب في اليدين ما يجب في اليد الواحدة إذا كان في مجلس واحد.
قل له: أما قولك: (إن القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) فغير صحيح؛ لأن يسير النجاسة لا تجب إزالته عندهم، القصد موجود، فعلم أن القصد إزالته على صفة، وهو جمع بعضه إلى بعض.
وقوله: (القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) غير صحيح؛ لأنه لو قطع ظفره افتدى، وإن لم يوجد هذا المعنى.
وأما قوله: (إن الجنايات أن لا يتداخل أرشها إذا كانت في مجلس، والقص يتداخل إذا كان في مجلس)، فذلك لأن الجنايات حق لآدمي، وحقوق الآدميين يختلف البدل باختلاف المبدل؛ بقلته وكثرته، واليدان أكثر من اليد الواحدة.
فأما تقليم الأظفار فإنه- وإن كان مصرفه إلى الآدميين- فإنه حق لله
[ ١ / ٤٤٩ ]
تعالى، فلم يجب في اليد الثانية أكثر مما يجب في الأولى، ودخله التقدير.
واحتج المخالف بأنه لم يستكمل منفعة إحدى اليدين بإزالة التفث عنها [، فصار كمن قلم ظفرا أو ظفرين.
والجواب: أنه إذا حلق ربع رأسه، لم يستكمل منفعته بإزالة التفث عنه، ومع هذا فهو كمن حلق جميع رأسه.
وربما قالوا: اليد عضو له نظير في البدن، ولم يستكمل منفعته، فوجب أن لا يلزمه دم، كما لو قلم ظفرين من يد واحدة.
ولا يلزم عليه إذا حلق ربع الرأس؛ أنه يجب به دم، وإن لم يستكمل منفعته؛ لأنه لا نظير له في البدن.
والجواب: أن العضو الذي لا نظير له والعضو الذي له نظير في موجب الإحرام واحد؛ لأن إزالة التفث عن الرأس محرم، كما يحرم عن اليدين والرجلين، والواجب فيهما من الصدقة والدم وما يتداخل على طريقة واحدة، فيجب أن يكونا سوًاء في مسألتنا، وأنه لا اعتبار في إكمال الدم باستكمال المنفعة.
وعلى أن هذا الاعتبار ليس بصحيح؛ لأنه إذا لم يخلق لكفه إلا
[ ١ / ٤٥٠ ]
ثلاثة أصابع، وكان الباقيس مقطوعًا، وإذا قلم الظفر الموجود فقد استكمل منفعة العضو، ولا يجب به الدم، ولو خلق لكفه ستة أصابع، وقلم أصابعها الأصلية وجب الدم عليه، وغن لم يستكمل منفعة الكف؛ لأنه قد بقي ظفر طويل.
ثم المعنى في الأصل: أنه قصر أقل من ثلاثة أظفار، فلهذا لم يجب الدم، وليس كذلك في الفرع؛ لأنه قلم ثلاثة فصاعدًا، أشبه إذا قلم خمسة من يد.
واحتج بانا قد جعلنا اليد الواحدة فيما أوجبنا فيها من الفدية بمنزلة اليدين، وأنه يجب في الجميع ما يجب في يد واحدة، وهو دم واحد، فغير جائز أن نقيم أكثر إحداهما مقام اليدين، ألا ترى أنا لما جعلنا أحد الإبطين [بمنزلة الإبطين]، لم يجز أن نقيم أكثر أحدهما مقام الإبطين؟
وكما أنا لما جعلنا ثلاث شعرات بمنزلة الكل في إيجاب الدم فيه إذا حلقه، لم يجز أن نقيم أكثر الثلاث مقام الجميع، كذلك هاهنا.
[ ١ / ٤٥١ ]
والجواب: أنا نقيم أكثر الإبطين مقام الإبطين في إيجاب الدم، فإذا حلق من أحدهما ثلاث شعرات، كان [كما لو] حلق الإبطين.
وأما الأكثر من ثلاث شعرات فإنما لم يقم مقام جميع الرأس؛ لأنه لم يحلق ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، وهاهنا قد وجد اسم الجمع المطلق.
واحتج بأن هذه جنايات حصلت في أعضاء متفرقة تجب بها كفارة، فوجب ان يعتبر كل عضو على حاله، ولا يضم بعضه إلى بعض، كما لو حلق بعض إبطه، وبعض عانته، وبعض رأسه.
والجواب: أنه يبطل بالجناية على الأعضاء؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض في باب الدية وتحمل العاقلة.
وما ذكروه من شعر الإبط والعانة، فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإذا كان الجميع ثلاث شعرات وجب الدم.
وأما شعر الرأس واليدين فعندنا أنه في حكم الجنسين، ولهذا نقول: إذا حلق شعر رأسه، وحلق شعر يديه، وجب عليه دمان.
فعلى هذا: إذا حلق شعرتين من رأسه، وشعره من يديه، وجب أن لا تضم في إكمال الدم، كما لم يضم حلق جميع الرأس وجميع البدن في الاقتصار على دم واحد.
[ ١ / ٤٥٢ ]
٩٢ - مسألة