وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال في المسألة التي قبلها: لأنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه انعقدت الحجة عنه، وإن لم ينوها عن نفسه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور وعبد الله فيمن نذر أن يحج- وما حج حجة الإسلام: لا يجزئه حتى يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه.
وظاهر هذا: أنه لا يصح منه فعل حجٍة ير الفريضة، سواء أحرم بغيرها، أو أراد الإحرام بغيرها.
وهو قول الشافعي.
وفي رواية أخرى: أنه إذا أحرم ينوي به تطوعًا أجزأه عما نواه.
أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء، لا يجزئ إلا بينة.
وظاهر هذا: أنه تعين أن نية الفرض شرط في صحة ذلك، وهو ظاهر كلام أبي بكر ذكره في "كتاب الخلاف" فقال: وكيف يجزئ فرض، وقد قصد به نافلة؟! وكيف يجزئ إحرام عن زيد لعمرو؟! فلا
[ ١ / ١١٤ ]
يجزئه إلا أن يعقده بقصد منه، كما لا يجزئ الصائم [إلا] عن قصد منه له.
وهو قول أبي حنيفة.
فالدلالة على أن لا ينعقد نفلًا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوجب أن يقع عن الفرض قياسًا على مطلقه، وذلك أنه لو أحرم إحرامًا مطلقًا لا ينوي فرضًا، ولا تطوعًا، انصرف إلى الفرض، كذلك هاهنا.
يبين صحة هذا الاعتبار: أن الدخول في العبادة بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، ألا ترى أن من دخل في الصوم بنية النفل، كان بمنزلة من دخل فيه بينة مطلقة؟ عندنا لا يجزئ عن الفرض في الموضعين، وعندهم يجزئ فيهما، كذلك وجب أن يكون الدخول فيها بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، وقد ثبت أنه إذا أطلق النية- وعليه الفرض- انصرف إليه، وكذلك إذا نوى النفل.
فإن قيل: روى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز حتى ينوي الفرض، وأن النية المطلقة لا تجزئ.
قيل له: روى محمد عنه: أنه يجوز استحبابًا، ورواية محمد أصح.
[ ١ / ١١٥ ]
فإن قيل: هذا يبطل بالكفارة، لأنه لو أعتق رقبة، ونوى بها الكفارة فقط، أجزأ عما عليه، سواء كانت الكفارة من جنس واحد، أو من جنسين، ولو نوى بها تطوعًا لم يقع عما عليه.
فقيل له: لا يلزم هذا، لأن نية الكفارة فيه الفرض، فإن الكفارة لا تكون إلا فرضًا، وإن أعتق ينوي عتقًا انصرف إلى التطوع، وإن نوى تطوعًا انصرف إليه، وإن نوى كفارة كان عن فرضه.
وقياس آخر، وهو: أن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يصح نفلها ممن يصح منه فرضها قياسًا على الصوم عن شهر رمضان.
فإن قيل: عندنا يصح نفل الصوم ممن يصح منه فرضه، وهو المسافر.
قيل له: تلك رواية ضعيفة.
فإن قيل: [وقته لا يصح للنفل.
قيل له]: يصلح عندنا، لأن الصبي يصوم فيه، وهو متنفل، وإنما [لا يصح من البالغ، لأنه من أهل الفرض، ولا يصح منه التنفل.
واحتج المخالف بما روى عن النبي ﷺ] قال: "إنما الأعمال
[ ١ / ١١٦ ]
بالنية، وإنما لا مريٍء ما نوى"، وهذا نوى النافلة.
والجواب: أن المراد به: أن النية شرط في كونه قربة وطاعة، وأنه لا يكون قربًة بغير نية.
وعلى أنا لا نجمله، ونخصه على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة تفعل في وقت مخصوص، والوقت يصلح للنفل والفرض، لأن واحدًا يؤدي في وقته فرضًا، والآخر نفلًا، فهي كالصلاة، ولا خلاف أنه لو افتتح الصلاة، ونوى بها تطوعًا- وعليه صلاة فريضة- أنها تكون تطوعًا، كذلك هذا، وليس كذلك الصوم، لأن الوقت لا يصلح للنفل والفرض جميعًا.
ولا يلزم عليه الطواف، لأنه له أن يطوف تطوعًا، وعليه طواف، وهو أن يحج تطوعًا، وعليه حجة الإسلام.
وربما عبروا عنه بأن الحج عبادة تشتمل على أفعال متغايرة، أشبهت الصلاة.
وإن شئت قلت: عبادة لها تحليل وتحريم، أشبهت الصلاة.
والجواب: أن نية الصلاة إذا كانت مطلقة ترجع إلى النفل دون
[ ١ / ١١٧ ]
الفرض، كذلك النية المقيدة بالنفل، وليس كذلك نية الحج المطلقة، فإنها ترجع إلى فرض إذا كان من أهل الفرض، وكذلك النية المقيدة بالنفل، لأنا قد بينا: أن الإطلاق يجري مجرى التقييد.
ولأن الإحرام للصلاة أضعف من إحرام الحج، لأنه إذا أفسد الصلاة بطل عقدها، وخرج منها، وإذا أفسد الحج لم يبطل، ولم يخرج منه، ويمضي في فاسده، فلم يجز اعتبار الحج بالصلاة.
واحتج بأنه لو أحرم بعمرة- وعليه حجة الإسلام- أجزأ عما نوى، فنقول: كل فرض لم يمنع بقاؤه إحرام غير التطوع، لم يمنع إحرام التطوع.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه ليس إذا لم يمنع بقاؤه الإحرام بعبادة أخرى، يجب أن لا يمنع الإحرام بعبادة من جنس ما عليه، كصوم رمضان في وقته، يمنع الإحرام بصوم من جنسه، وإن لم يمنع الإحرام بعبادة أخرى.
وأما الصلاة فالمعنى فيها: أنه لو أحرم بها مطلقًا لم تقع عن الفرض، فجاز أن يحرم بنية التطوع عليه فرضه، وليس كذلك الحج، فإنه لو أحرمه مطلقًا، وقع عن فرضه، فإذا أحرم بنية التطوع انصرف إليه.
واحتج بأن الإحرام ركٌن من أركان الحج، فبقاؤه عليه لا يمنع أداء التطوع كالطواف، وذلك أنه إذا كان عليه طواف الزيارة وطاف تطوُّعًا
[ ١ / ١١٨ ]
جاز، ولم يقع عن طواف الزيارة.
نص عليه في رواية ابن منصور فيمن طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة: لم يجزه ذلك عن طواف الزيارة، لأنه لم ينوه.
وكذلك نقل إبراهيم فقال: لا يجزئه، وكيف يجزئه التطوع من الفرض؟ ولو تطوع رجل، فنوى بتطوعه الظهر والعصر، أيجزئه ذلك؟ فلا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المتمتع إذا تحلل من عمرته، ووقف بعرفة، وأراد الطواف: فإنه يطوف ويسعى قبل طواف الزيارة، ثم يطوف طواف الزيارة، ويكون الأول طواف القدوم، كما يكون ذلك في حق المفرد بالحج إذا دخل مكة قبل الوقوف، كذلك الإحرام.
والجواب: أن هذا لا يصح على أصل أبي حنيفة، لأن عنده: أنه لا يصح التطوع بالطواف وعليه فرضه، وهذا أصل اعتمد عليه من خالفه في هذه المسألة من أصحاب الشافعي.
وأما على أصلنا نحن، فالفرق بين الطواف والإحرام هو: أن الطواف يختص البيت، [ويتعلق به، فهو] كالصلاة، والصلاة تفتقر إلى تعيين
[ ١ / ١١٩ ]
النية، ولهذا لا يجوز عندنا طواف الزيارة بنية مطلقة، كالصلاة.
ويبين صحة الجمع بينهما قول النبي ﷺ: "الطواف بالبيت صلاٌة".
وليس كذلك الإحرام، لأنه لا يتعلق بالبيت، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوقوف.
وجواب آخر أكشف من هذا، وهو: أن الطواف يجري مجرى الصلاة من وجهين:
أحدهما: قول النبي ﷺ: "الطواف بالبيت صلاٌة".
والثاني: أن الطواف يختص البيت، كالصلاة.
ثم ثبت أن الصلاة يصح التنفل بها ممن عليه فرضها، كذلك الطواف.
وليس كذلك الإحرام، لأنه يجري مجرى الصوم، بدليل أنه يجب بإفساده الكفارة كالصوم، ثم ثبت أنه لا يصح التنفل ممن عليه فرضه، كذلك الإحرام.
٣٠ - مسألة