وفائدة هذا: أنهم إذا تمتعوا لا دم عليهم.
نص عليه في رواية أبي طالب في من كان حول مكة فيما لا تقصر فيه الصلاة، فهو مثل أهل مكة ليس عليهم عمرة ولا متعة إذا قدموا في أشهر الحج، ومن كان منزله فيما تقصر فيه الصلاة، فعليه المتعة إذا قدم في أشهر الحج، وأقام إلى الحج.
وكذلك نقل المروذي فقال: إذا كان منزله دون الميقات بما لا تقصر فيه الصلاة فهو من أهل مكة.
وبهذا قال الشافعي.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقال أبو حنيفة: حاضروا المسجد الحرام هم أهل المواقيت ومن دونها إلى أهل مكة.
وقال مالك: هم أهل مكة نفسها.
فالدلالة على أبي حنيفة: أن بينه وبين مكة مسافة تقصر في مثلها الصلاة، فأشبه إذا كان منزله وراء المواقيت إلينا أن يلزمه دم المتعة، وهذه العلة تصور في ذي الحليفة وما بعد من المواقيت التي بينها وبين الحرم أكثر من ستة عشر فرسخًا؛ لأن بين مكة وبين ذي الحليفة عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت، ولأن القريب أولى باسم الحضور من البعيد.
وعلى قولهم يؤدي أن يخرج القريب من الاسم، ويدخل البعيد فيه؛ لأن عندهم أن أهل ذي الحليفة ومن كان دونها داخل في اسم الحاضرين، وبينهم وبين البيت مسيرة ليلتين.
ولأن من كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة فهو في حكم الحاضر بدليل أنه يمسح مسح مقيم، ويتم الصلاة، ويصوم، ومن كان على مسافة بعيدة فإنه يباح له هذه الأشياء، فيجب أن لا يكون حاضرًا.
فإن قيل: فائدة الخلاف في أنه حاضر أم لا: أن يتعلق به حكم الإحرام المخصوص، وهو أن يحرم للعمرة من الميقات، وللحج من
[ ١ / ٣١٦ ]
مكة، فيجب أن يعتبر الموضع الذي هو ميقات للإحرام.
قيل له: لو كان صحيحًا لوجب أن نقول: من كان منزله دون ذي الحليفة فما يلي مكة أن لا يكون من حاضري المسجد؛ لأن إحرامه من دويرة أهله، لا من الميقات الشرعي، ولما كان هذا من حاضري المسجد الحرام بطل أن تكون فائدة الخلاف ما ذكرته.
واحتج المخالف بأنه من أهل الميقات، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام قياسًا على أهل الميقات الذي بينه وبين مكة مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة مثل قرن.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه في حكم الحاضر بدليل أن أحكام الحاضرين ثابتة في حقه من الصوم، وإتمام الصلاة، ومسح يوم، وليس كذلك ما اختلقنا فيه، ولأنه في حكم المسافرين، ولأن ذلك لا يؤدي إلى إخراج القريب من اسم حاضر، وإدخال البعيد فيه، وهاهنا يؤدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن له دخول مكة بغير إحرام، أشبه من كانت قريته قريبة من مكة مثل بستان بني عامر.
والجواب: أنه لا يجوز له الدخول بغير إحرام، وحكمه حكم الخارج عن الميقات سواء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجرًا، ولا غير تاجر إلا بإحرام.
ثم المعني في الأصل: ما تقدم من أنه في حكم الحاضر من
[ ١ / ٣١٧ ]
الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأن من كان وراء المواقيت إلينا فليس من الحاضرين، فلابد من حد فاصل بينهما، فالأولى أن يكون الحد ما جعله النبي ﷺ ميقاتًا لأهله ولمن مر عليه، ومنع أهل الآفاق من مجاوزته إلا بإحرام، وجعل حكم أهله حكم أهل الحرم ومن قرب منهم في جوازه دخولهم مكة بغير إحرام.
والجواب: أن المواقيت مضروبة للإحرام، لا لبيان القرب والبعد، وإنما الحد المشروع لبيان البعد والقرب ستة عشر فرسخًا، ولهذا قال النبي ﷺ: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان"، وذلك ستة عشر فرسخًا.
فإن قيل:] من في [المواقيت في حكم الحاضرين بدليل أن له دخول مكة بغير إحرام.
قيل له: قد بينا أنه ليس له ذلك.
وعلى أنه لو كان منه لما جاز أن يدخل الميقات إلا بإحرام، كما لا يجوز له العبور إلا بإحرام.
فإن قيل: حدنا أولى؛ لأنه منصوص عليه.
[ ١ / ٣١٨ ]
قيل له: [إنا] قد بينا: أن النص أفاد الإحرام منه، ولم يفد القرب والبعد.
وعلى ان حدنا أولى من وجهين:
أحدهما: أنه لا يختلف باختلاف الجهات من مكة، وحدهم يختلف؛ لأن المواقيت بعضها أبعد من بعض.
والثاني: ما كان في الموضع الذي نعتبره، فهو في حكم المقيم بمكة بدليل أنه لا يترخص برخص المسافرين، وحدهم بخلاف ذلك.
- فصل:
والدلالة على مالك: أن من كان خارج الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فهو في حكم المقيم بدلالة أنه لا يترخص برخص السفر، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام، كمن كان مقيمًا بمكة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾] البقرة:١٩٦ [، وحاضر الشيء من لا يحتاج إلى تكلف] للوصول [إليه، وقطع مسافة للحضور فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط.
والجواب: أن حاضر الشيء هو من كان قريبًا منه، أو مجاورًا
[ ١ / ٣١٩ ]
له، أو كان حالًا فيه، كما يقال: كنت بحضرة فلان؛ يعني: كنت بقربه، لا أني جلست في مجلسه، كذلك أيضًا من كان قريبًا من الحرم وجب أن يكون من حاضريه.
واحتج بأن من ليس بمكة لا يوصف بأنه من حاضري المسجد الحرام.
دليله: إذا كان منها على مسافة تقصر فيها الصلاة.
والجواب: أن أحكام المسافرين ثابتة في حقه، فهذا لم يكون من حاضريه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحكام الحضر ثابتة في حقه، فجاز أن يكون من حاضريه.
٥٨ - مسألة