هكذا ذكر شيخنا، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي داود وصالح، وقد سئل: على من يجب الحج؟ قال: إذا وجد زادًا وراحلة.
فاعتبر وجود ذلك في ملكه، وهذا لا يجد.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: إن كان المبذول له زمنًا معسرًا، والباذل واجدًا
[ ١ / ٦٢ ]
للزاد والراحلة، وقد حج عن نفسه، ويوثق بطاعته، وهو ممن يجب عليه الحج، مثل أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا، لزم المبذول له فرض الحج، وعليه أن يأمر الباذل بأداء الحج عنه، فإن لم يأمره به، ومات لقي الله (﷿) وعليه حجة الإسلام، كالزمن إذا كان له مال، ولم يحج عن نفسه حتى مات، ولا فرق بين أن يكون الباذل ولدًا، أو أجنبيًا.
فإن بذل له المال، ففيه وجهان:
أحدهما- وهو الصحيح-: أنه لا يلزمه قبوله.
والثاني: يلزمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وفسر النبي (ﷺ) ذلك بالزاد والراحلة، وظاهر هذا مقتضى الوجوب بذلك.
فإن قيل: إذا كان يأمر بمثل، سمي مستطيعًا، ألا ترى أن الإنسان يقول: أنا مستطيع أن أبني دارًا، بمعنى: آمر ببنائها؟
قيل له: يقول ذلك إذا كان يأمر من يجب عليه أن يفعل، فأما إذا قدر على أمر من لا يجب عليه العمل، قيل: هو مستطيع للأمر، لا للبناء.
وعندهم أن للابن أن يرجع فيما بذل ما لم يدخل في الإحرام، فكيف يكون الآمر مستطيعًا، والمأمور لا يلزمه فعله؟
[ ١ / ٦٣ ]
ولأن الحج عبادة تراد لنفسها، فوجب أن لا تؤثر طاعة غيره في وجودها.
دليله: الصوم والصلاة.
ولا تلزم عليه الطهارة؛ فإذا بذل له الماء، وبذل له من يوضئه: أنه يلزمها؛ لأنها لا تراد لنفسها.
ولو حذفنا قولنا: (تراد لنفسها) لم يضر؛ لأن الضوء يجب عند بذل الماء بالحدث السابق، فإذا لم تؤثر طاعة غيره في الوجوب.
فإن قيل: الصوم والصلاة لا تصح النيابة فيهما، فلهذا لم يجبا بوجود من ينوب عنه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح فيه النيابة.
قيل له: فالزكاة تصح فيها النيابة، ومع هذا لا تؤثر طاعة غيره فيها، وكذلك الكفارات.
وأيضًا لا خلاف أنه لو بذل له الإطعام في كفارة اليمن، والكسوة، أو الرقبة، والمبذول له معسر، يلزمه قبوله للعلة التي ذكرنا، كذلك إذا بذل له الطاعة في الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه تمليك مال: وتلحقه بقبوله منه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه من عمل البدن، ولا تلحقه به منة،
[ ١ / ٦٤ ]
ألا ترى أن الإنسان قد يمتنع من قبول المال من غيره، ولا يمتنع من استخدامه وتصريفه حوائجه؛ لأنه تلحقه بقبول المال منه، ولا تلحقه باستخدامه؟
ولهذا لو قلنا: لو بذل المال، وهو معسر زمن، لم يلزمه الحج؛ لأنه يحصل بقبوله منة، فلا يلزمه قبوله.
قيل له: المنة تحصل للأجنبي بعمل البدن، كما تحصل ببذل الإطعام ولا تحصل للولد في واحد منهما.
على أنه يلزمه أن يفرق بين بذل الطاعة في الصوم والصلاة، وبين الإطعام والكسوة بهذا المعنى.
فإن قيل: في قبول الرقبة والإطعام تسبب إلى تملكه ما يجب به العتق والإطعام، وليس على المكفر أن يتسبب إلى ذلك، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه ليس فيه تسبب إلى تملك ما يجب به الحج؛ لأن الحج يلزم المبذول له الطاعة بنفس البذل من غير قبول، وإنما يحتاج إلى أن يأمر الباذل بأدائه عنه؛ ليصح أداؤه عنه.
قيل له: قد يلزم المكفر أن يتسبب إلى تمليك الرقبة بالشراء إذا كان معه ثمنها.
فإن قيل: ترك قبول الطعام والرقبة لا يؤدي إلى إسقاط الكفارة
[ ١ / ٦٥ ]
جملة؛ لأنه ينتقل إلى البذل، وهو الصوم، وليس كذلك الحج؛ لأنه ليس بدل يرجع إليه، فلو قلنا: إنه لا يجب عليه، لسقط جملة.
قيل: فيلزمه أن يقول: لو بذل له المال يلزمه قبوله؛ لأنه لو لم يلزمه لسقط جملة.
ثم نقول له: أفرق بين الصلاة والإطعام في الكفارة بهذا المعنى.
ولأن المبذول له غير مالك للزاد والراحلة، فوجب أن لا يكون بذل غيره بمنزلة وجود الاستطاعة، كما لو بذل له المال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، ولم يفرق بين أن يستطيع بنفسه، وبين أن يستطيع بغيره.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وأنه لا يكون مستطيعًا لغيره. علي أن النبي (ﷺ) سئل عن الاستطاعة فقال: الزاد والراحلة، وهذا غير مالك لهما، فلا تتناوله الآية.
واحتج بما روي: أن الخثعمية قال للنبي (ﷺ): يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: "حجي عن أبيك".
فوجه الدلالة منه: أنه لم يجر ذكر [الاستطاعة]، وقد أخبرت أنه
[ ١ / ٦٦ ]
عاجز عن أداء الحج بنفسه، وأن فريضة الله أدركته، ولم ينكر النبي (صلي الله عليه وسلم) عليها ذلك، وأمرها أن تحج عنه.
نعم إن وجوبه عليه تعلق ببذلها له الطاعة.
والجواب: أن الخثعمية أخبرت بوجوب الحج على أبيها، والحج إنما يجب بوجود المال، ثم سألت عن جواز أدائها عنه، فأجاز النبي (صلي الله عليه وسلم) لها ذلك، فدل على: أن الحج كان واجبًا عليه قبل أن يبذل له بالطاعة في أدائه عنه.
واحتج بأنه سبب يتوصل به إلى الحج عن نفسه، فجاز أن يلزمه فرض الحج.
دليله: الزمن إذا كان له زاد وراحلة.
والجواب: أنه ينتقض ببذل المال.
على أن المعنى في الأصل: أنه مالك للزاد والراحلة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه غير مالك لهما، فوجب أن لا يعتبر بطاعة غيره في حكم المستطيع [إذا] بذل له المال.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز وجوبها على المعضوب المعسر.
دليله: الصوم.
[ ١ / ٦٧ ]
والجواب: إنما نفصل عليه فنقول: فوجب عليه أن يستوي حكمه بعد البذل وقبله.
دليله: الصوم.
أو نقول: بوجود المستطيع لا يوجبها عليها، ولأن الغضب ليس [له] تأثير في أداء الصوم، والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان الغضب يمنع وجوب الحج مع الفقر، لم تؤثر الطاعة في إيجابه، كما لا تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم.
واحتج بأن الناس في الحج على ضربين:.
ضرب يؤديه بمباشرة.
وضرب يؤديه بالنيابة.
فمن يؤدي بمباشرة يلزمه بوجود المال، وهو إذا كان غائبًا عن البيت، ومرة يلزمه بغير مال، وهو إذا كان قريبًا من البيت، كذلك من [يحج عنه] بالنيابة يجب أن يلزمه مرة بوجود المال، ومرة بغيره، وعندكم: أن المعضوب لا يلزمه [بغير المال].
[ ١ / ٦٨ ]
والجواب: أن من يؤديه بمباشرة لا تلزمه استطاعة غيره، ومخالفنا يقول: إن المبذول له يلزمه الحج باستطاعة في الباذل.
١٧ - مسألة