وقد قال أحمد في رواية الأثرم: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويشهد الجمع.
وقال - أيضًا - في رواية أبي داود في المعتكف: يركع في المسجد بعد الجمع بقدر ما كان يركع.
وقيل له: فيتعجل إلى الجمع؟ قال: أرجو.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: إذا أوجب على نفسه اعتكافًا متتابعًا يتخلله الجمع، فعليه أن يعتكف في الجامع، فإن اعتكف في غيره، ثم خرج على الجمع بطل اعتكافه.
دليلنا: ما رواه أحمد عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي كرم الله وجهه: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويشهد الجمع.
قال أحمد: عاصم هو عندي حجة.
ولأن الجمعة واجبة، ولابد من حضورها، فإذا أوجب على نفسه اعتكافًا علم أنه لم يمنع به نفسه من أداء ما لابد منه، فيصير الخروج لأجله مستثنى من النذر، فلا يبطل اعتكافه، كما يقول في حاجة الإنسان.
[ ١ / ٢٧ ]
وإن شئت قلت: حرج من معتكفه لما لابد منه، فوجب أن لا يبطل اعتكافه قياسًا على الخروج لحاجة الإنسان.
ولا يلزم عليه إذا خرج لصلاة الجماعة؛ لأنه إن كان في مسجده جماعة فلا حاجة به إليه، وإن لم يجد فيه جماعة لم يصح اعتكافه.
وأيضًا: فإنه غير ممتنع الدخول في العبادة في وقت يعلم أنه يخرج منها قبل إتمامها: مثل: أن يدخل في صلاة الجمعة، وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فإنه يجوز، وإن كان يعلم: أنه يتخللها ما يقطعها، وهو خروج الوقت عندهم.
وكذلك المسبوق بركعة يجوز له الدخول مع الإمام مع علمه: أنه يصير منفردًا في آخرها، وإن كنا نعلم: أن انفراد المأموم قبل الإمام يبطل.
وهذا دليل جيد.
واحتج المخالف بأن العبادة التي من شرطها التتابع إذا دخل فيها مع علمه بأنه يخرج منها، وأمكنه التحرز، فإذا لم يفعل لزمه استئنافها؛ كمن دخل في صوم الشهرين المتتابعين في شعبان، وهو يعلم أن يخرج منه إلى صوم رمضان، لزمه الاستئناف؛ لأنه يمكنه التحرز.
وكذلك حيض المرأة ومرضها في أثناء الشهرين لا يمكن الاحتراز منه.
[ ١ / ٢٨ ]
والجواب: أنا لا نسلم الأصل، بل نقول: إن التتابع لا ينقطع بدخول شهر رمضان، وكذلك لو ابتدأ به من أول ذي الحجة أفطر وبنى، ولم يبطل تتابعه، فسقط ما قاله.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن إبراهيم وغيره.
على أن هذا يبطل بمن كان في جواره مسجدان؛ أحمدهما أقرب إلى داره، فاعتكف في الأبعد، وخرج إلى منزله لحاجة الإنسان؛ فإنه لا يبطل اعتكافه، وإن كان يمكنه التحرز من تلك الزيادة في المشي.
وعلى أنه لا يجوز أن يقال: يعتكف في الجامع؛ لأنه لم يلزمه بنذره، ولا يجوز أن يقال: يترك الجمع؛ لوجوبها عليه، لم يبق إلا أنه يخرج لحاجته إلى ذلك، كما يخرج لحاجة الإنسان.
واحتج بأنه خرج من معتكفه لإقامة صلاة، فصار كما لو خرج لصلاة الجنازة، أو صلاة أخرى.
والجواب: أنه ليس له حاجة إلى الخروج للصلاة المفروضة؛ لأنه يمكنه أن يصليها في معتكفه.
وأما صلاة الجنازة، فقد قال في رواية الأثرم وحنبل: يخرج لأجلها؛ لأنها صلاة فريضة لا يمكنه فعلها في المسجد، فهي كالجمع.
فعلى هذا: لا فرق بينها وبين الجمعة.
وروى المروذي عنه: لا يجوز ذلك بغير شرط.
[ ١ / ٢٩ ]
وهو اختيار الخرقي.
فعلى هذا: لا حاجة إلى الخروج إلى ذلك؛ لأنها فرض على الكفاية، ولم يتعين وجوبها عليه.
٥ - مسألة