ولا يستحب له إقراء القرآن، وكتب الحديث، ومجالسة العلماء، والمناظرة لهم في العلم، والتدريس:
ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف)، وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي، وقد سئل عن الرجل يقرئ في المسجد، ويريد أن يعتكف، فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد كان له ولغيره، يقرئ أعجب إلي.
وظاهر هذا: أن الاعتكاف يمنع من إقراء القرآن؛ لأنه لو لم يكن كذلك لقال: يقرئ، وهو معتكف.
وبهذا قال مالك.
وقال الشافعي: يستحب له فعل ذلك.
[ ١ / ٤٥ ]
دليلنا: أن الاعتكاف عبادة شرع لها المسجد، فلا يستحب إقراء القرآن حين التلبس بها.
دليله: الصلاة والطواف، ولا خلاف أنه يكره له أن يقرئ القرآن، وهو يصلي، أو يطوف، كذلك الاعتكاف.
ولا يلزم عليه الصيام والحج؛ لأن تلك العبادات لم يشرع لها المسجد.
أو تقول: الاعتكاف: هو حبس نفسه على عبادة مخصوصة تخصه، فلا يجوز أن يفعل فيها غيرها، كالطواف والركوع لا يفعل فيه القراءة؛ لأنه مفعول لشيء مخصوص.
فإن قيل: إنما كره الإقراء حال التشاغل بالصلاة والطواف؛ لأنه يشغله ذلك عن أفعال الصلاة وأذكارها.
قيل له: وكذلك في الاعتكاف يشغله ذلك عن الذكر في حق نفسه.
وعلى أن الطواف ليس فيه ذكر.
وأيضًا فإنه ممنوع من التشاغل في المسجد بالبيع، والخياطة، والشراء؛ لما فيه من التشاغل عن الاعتكاف، كذلك فعل هذه الأشياء، التشاغل بها يشغل عن الاعتكاف.
فإن قيل: إنما منع من البيع والشراء؛ لأن في ذلك فعل معيشته، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه الأشياء قربة.
قيل له: فعيادة المرضى وشهود الجنائز قربة، ولا يجوز فعلها،
[ ١ / ٤٦ ]
وكذلك إقراء القرآن في الصلاة قربة وطاعة، ويمنع منه.
فإن قيل: البيع والشراء والصنائع إنما كرهت لأجل المسجد، لا لأجل الاعتكاف.
قيل: كرهت لأمرين:
أحدهما: المسجد.
والثاني: الاعتكاف.
يدل عليه: أن الاعتكاف في اللغة: هو لزوم المرء الشيء، وحبس نفسه عليه؛ برًا كان، أو مأثمًا، في أي موضع كان.
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]
وقوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨].
وهو في الشرع: عبارة عن لزوم الشيء، وحبس النفس عليه في طاعة، في مكان مخصوص.
وإذا كان كذلك، ففعل هذه الأشياء يشغله عن ذلك؛ لأنه يخرج عن أن يكون ملازمًا للشيء، وحابس نفسه عليه.
واحتج المخالف بأن هذه الأشياء قرب وطاعة، فالتشاغل بها في المسجد غير ممنوع منه، كما لو تشاغل بدرس القرآن في حق نفسه، أو تشاغل بالصلاة والصيام.
[ ١ / ٤٧ ]
والجواب: أنه ليس إذا جاز التشاغل في حق نفسه، جاز التشاغل بغيره، كما يجوز أن يتشاغل بقراءة القرآن في الصلاة، ولا يجوز أن يقرئ غيره، وهو يصلي.
ولأنه بفعل هذه الأشياء في حق نفسه لا يخرج عن أن يكون ملازمًا للشيء، وحابس نفسه عليه، وإذا تشاغل بهذه الأشياء خرج عن أن يكون كذلك، فلهذا فرقنا بينهما.
٣ - مسألة