_________________
(١) قال ابن قندس في حاشيته على الفروع (٢/ ٤٩): (البراح من الأرض: المتسع، لا زرع فيه، ولا شجر).
(٢) في الأصل طمس بمقدار كلمة، والتعديل من الفروع (٢/ ٤٩)، ونصه: (وقيل للقاضي: لو صلى في براح لرجل ليس عليه ستر، فقال: لا رواية فيه، ويحتمل أن نسلمه؛ لأن الظاهر: أن مالكه لا يمنع).
[ ١ / ١٩٦ ]
فنقل حنبل (^١)، وحرب (^٢): أنه يَقْطع، فقال في رواية حرب بعد كلام كثير: ولو أن إمامًا تكلم اليوم، وأجابه أحد، أعاد الصلاة (^٣).
وقال أيضًا في رواية حنبل: إنما كان ذلك للنبي - ﷺ -، ولمن أجابه، ولو فعل هذا إمام ومن وراءَه، فسدت صلاته وصلاتهم، وأعادوا، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (^٤)، وبهذا قال أبو حنيفة (^٥)، والشافعي (^٦)، وداود (^٧) - ﵏ -.
ونقل صالح (^٨)، وأبو داود (^٩)، وأبو طالب (^١٠): إن تكلم الإمام، لم تنقطع صلاته، وإن تكلم المأموم، انقطعت صلاته.
فقال في رواية صالح: في إمام صلى ركعتين، ثم سلم: أنه يعيد
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨).
(٣) ينظر: المغني (٢/ ٤٤٧).
(٤) ينظر: طبقات الحنابلة (٣/ ١٥٩)، وشرح الزركشي (٢/ ٢٥).
(٥) ينظر: الهداية (١/ ٦٢)، وفتح القدير (١/ ٢٨١).
(٦) ينظر: الأم (٢/ ٢٨١)، والبيان (٢/ ٣٠٣).
(٧) ينظر: المحلى (٤/ ٥).
(٨) في مسائله رقم (٩٤٩).
(٩) في مسائله رقم (٣٧٤).
(١٠) الذي وجدته من رواية أبي طالب: أن صلاة الإمام والمأموم صحيحة، إذا كان الكلام لمصلحتها. ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨).
[ ١ / ١٩٧ ]
كلُّ من أجابه وتكلم، والإمام لا يعيد إذا كان يستثبت.
وكذلك نقل أبو داود عنه: في إمام صلى ركعتين وسلَّم: فكل (^١) من تكلم وراءه يعيد، فإذا تكلم الإمام، فقال: صليت ركعتين؟ وأشاروا إليه برؤوسهم، يبني على صلاته.
وكذلك نقل أبو طالب: في إمام سلم من ركعتين، وسألهم، فأخبروه، أعادوا؛ لأنه ليس بواجب على أحد أن يجيب أحدًا، وإنما يتم الإمام إذا كان عنده أنه صلى تمامًا أربعًا على ما فعل النبي - ﷺ -. وهو اختيار الخرقي من أصحابنا (^٢).
وقال مالك - ﵀ - (^٣): لا يقطع الصلاة الإمام والمأموم.
وجه الرواية الأولى، وأن الصلاة تنقطع: ما روى زيد بن أرقم - ﵁ - قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت (^٤).
وروى أبو داود بإسناده عن ابن مسعود - ﵁ -: كنا نسلِّم في الصلاة،
_________________
(١) في الأصل: فكلم، والتصويب من مسائل أبي داود رقم (٣٧٤).
(٢) ينظر: مختصره ص ٥٣.
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٠٥)، والإشراف (١/ ٢٦٣).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة، رقم (١٢٠٠)، ومسلم في كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، رقم (٥٣٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
ونأمر بحاجتنا، فقدمتُ على رسول الله - ﷺ - وهو جالس، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة، قال: "إن الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدَث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة"، وردَّ عليَّ السلام (^١).
وروى أبو داود بإسناده (^٢) عن معاوية بن الحكم - ﵁ - قال: صليت مع رسول الله - ﷺ -، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثُكْل أمتاه (^٣)! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يُصَمِّتوني. وروي: فلما رأيتهم يُسَكِّتوني، لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله - ﷺ - بأبي وأمي -، ما ضربني، ولا كَهَرني (^٤)، ولا سبَّني، قال: "إن هذه الصلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس هذا؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، وذكر الخبر (^٥).
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ١٢٠).
(٢) في سننه، كتاب: الصلاة، باب: تشميت العاطس رقم (٩٣٠).
(٣) الثُّكْل: الموت والهلاك، والثَّكُول التي ثَكِلَتْ وَلَدَها، وثكِلَتْه أُمُّه: أي: فقدته. ينظر: اللسان (ثكل).
(٤) الكَهْر: الانْتِهار. وقد كَهَره يَكْهَرُه: إذا زَبَره، واسْتَقْبله بوجه عَبُوس. ينظر: النهاية (كهر).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، رقم (٥٣٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
فعموم هذه الأخبار تقتضي النهي عن الكلام في الصلاة، سواء لإصلاح الصلاة، أو لغيره.
ولأنه من كلام الناس، فأشبه إذا لم يرد منه إصلاح الصلاة، ولا يلزم ﵇؛ لأنه ليس من كلام الناس، ووجدنا أن السلام مسنون فيها، فلو كان من كلام الناس، ما كان مسنونًا فيها.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - ﵀ - (^١)، وذكره أبو بكر فقال: نا ابن أبي عدي (^٢) عن ابن عون (^٣)، عن محمد (^٤)، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشاء، يذكرها أبو هريرة، ونسيها محمد، قال: فصلى ركعتين، ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد معترضة، فقال بيده عليها، كأنه غضبان، وخرجت السَّرَعان (^٥) من أبواب المسجد
_________________
(١) في المسند رقم (٧٢٠١).
(٢) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، قال الحافظ ابن حجر: (ثقة)، توفي سنة ١٩٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٢٢.
(٣) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري، قال الحافظ: (ثقة، ثبت)، توفي سنة ١٥٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٣٤.
(٤) هو: محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة، قال الحافظ: (ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر)، توفي سنة ١١٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٣٨.
(٥) السَّرَعان - بفتح السين والراء، ويجوز تسكين الراء -: أوائلُ الناس الذين يَتَسارعُون إلى الشيء ويُقْبِلون عليه بِسُرْعة. ينظر: النهاية في غريب الحديث (باب: السين مع الراء).
[ ١ / ٢٠٠ ]
فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وفي القوم أبو بكر وعمر - ﵄ -، فهابا أن يتكلما، وفي القوم رجل في يده طول يُسمى: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة" ثم قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فجاء فصلى الذي كان ترك، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. فكان محمدٌ يُسأل: ثم سلم؟ (^١).
وروى أحمد - ﵀ - أيضًا (^٢)، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم (^٣) قال: نا خالد الحذاء (^٤) عن أبي قلابة (^٥)، عن أبي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم (٤٨٢)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧٣).
(٢) في المسند، رقم (١٩٨٢٨).
(٣) هو: ابن مقسم الأسدي، مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف: بابن علية، ثقة حافظ، توفي سنة ١٩٣ هـ. ينظر: التقريب ص ٧٧.
(٤) هو: خالد بن مهران، أبو المنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها وكسر الزاي -، البصري، الحذاء، قال الحافظ: (ثقة، يرسل)، توفي سنة ١٤١ هـ. ينظر: التقريب ص ١٧٨.
(٥) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلابة، البصري، قال الحافظ: (ثقة، فاضل، كثير الإرسال)، توفي سنة ١٠٤ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٣٣٩)، والتقريب ص ٣١٨.
[ ١ / ٢٠١ ]
المهلب (^١)، عن عمران بن حصين - ﵁ -: أن النبي - ﷺ -[سلَّم] (^٢) في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فجاء فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم. فصلى الركعة التي ترك، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (^٣).
قالوا: فوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - بنى على صلاته، ولم يأمر ذا اليدين، ولا الخرباق باستئناف الصلاة؛ لأنه تكلم لإصلاح الصلاة.
والجواب: أن ذلك كان في إباحة الكلام في الصلاة، ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "وجاء إلى جذع في المسجد، واستند إليه، وخرج سرعان الناس وهم يقولون (^٤): قصرت الصلاة، قصرت الصلاة"، ولم يكن كلامه لإصلاح الصلاة، ومع هذا، فلم يأمر باستئنافها، فعلم أن ذلك كان في حال إباحة الكلام في الصلاة، ثم حُظر الكلام في الصلاة بعد ذلك، وقد
_________________
(١) هو: أبو المهلب الجرمي، البصري، عم أبي قلابة، اسمه: عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، قال الحافظ: (ثقة). التقريب ص ٧٢٧.
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة، والمثبت من المسند.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧٤).
(٤) في الأصل: وهو يقول، والتصويب من المسند، رقم (١٦٧٠٧).
[ ١ / ٢٠٢ ]
رُوي عن الزهري: أنه قال: كان ذلك قبل استحكام الفرائض (^١).
واحتج: بأنه كلام أُتي به قصدًا للتنبيه به لإصلاح الصلاة، فلم تبطل به؛ كالتسبيح للإمام بالسهو، وللمار بين يديه.
والجواب: أن التسبيح ليس من كلام الآدميين، ألا ترى أن النبي - ﷺ - فرق بينهما فقال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (^٢)، فلم يجعله من كلام الآدميين وأجراه مجرى قراءة القرآن، فلهذا إذا قصد به إصلاح صلاته، لم تفسد، وما اختلفنا فيه من كلام الآدميين، فيجب أن يفسد صلاته، كما لو لم يقصد به إصلاح صلاته.
واحتج: بأن التنبيه على مصلحة الصلاة قد يقع بما لا يكون مباحًا لغيره.
دليله: التصفيق للنساء.
والجواب: أن مالكًا (^٣) - ﵀ - منع من التصفيق في حق النساء،
_________________
(١) ذكره عبد الرزاق بنحوه في المصنف (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يسجدهما قبل السلام في الزيادة (٢/ ٤٨١). والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، الزهري، أبو بكر، قال ابن حجر: (الفقيه، الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه)، توفي سنة ١٢٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٦٤.
(٢) مضى تخريجه (١/ ١٩٩).
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٠٠). والإشراف (١/ ٢٥٨).
[ ١ / ٢٠٣ ]
فلا يصح احتجاجه بذلك.
على أن التصفيق فعل يسير، فعفي عنه؛ كالخطوة والخطوتين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه كلام، وقد سوى في ذلك بين القليل والكثير في الفساد، والله أعلم.
* * *