نص على هذا في رواية ابن القاسم، فقال: أنا أذهب إلى أن أَبني على اليقين، لا آخذ بالتحري؛ لأنه أصح في الرواية (^٢).
وكذلك روى أبو داود (^٣) فقال: كان أبو عبد الله لا يذهب إلى التحري، وكان يرى أن يبني على الأقل.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (^٤)، وبه قال مالك (^٥)،
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: سواء كان إمامًا أو منفردًا.
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٥)، والانتصار (٢/ ٣٥٥).
(٣) في مسائله رقم (٣٦٨).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٥)، والانتصار (٢/ ٣٥٥).
(٥) ينظر: المدونة (١/ ١٢٨)، والتلقين ص ٨٦.
[ ١ / ٣٧٣ ]
والشافعي (^١)، وداود (^٢) - ﵏ -.
وروى أبو طالب عنه (^٣) في الإمام خاصة: أنه يتحرى، فقال: إذا صلى بقوم، فلا بأس أن يتحرى، وينظر إلى مَنْ خلفه، فإن قاموا، تحرى وقام، وإن سبَّحوا به، تحرى، وفعل ما يفعلون.
ويجب أن يُحمل هذا على أن للإمام رأيًا، فإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا (^٤).
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إذا شك في صلاته، فإن كان أول ما أصابه، استأنف الصلاة، وإن كان له كثيرًا، تحرى، فإن كان له رأي، عمل على رأيه الغالب، وإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين منه (^٥).
فالدلالة على أن صلاته لا تبطل إذا كان أول ما أصابه: ما روى أحمد - ﵀ - في المسند (^٦) قال: نا يونس بن محمد (^٧) قال: نا فليح (^٨)
_________________
(١) ينظر: الحاوي (٢/ ٢١٢)، والمجموع (٤/ ٣٢).
(٢) ينظر: المحلى (٤/ ١١١).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٥)، والانتصار (٢/ ٣٥٥).
(٤) في مختصره ص ٥٠.
(٥) ينظر: مختصر القدوري ص ٩٠، والمبسوط (١/ ٣٨٣).
(٦) رقم (١١٦٨٩).
(٧) ابن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدب، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت)، توفي سنة ٢٠٧ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٨٧.
(٨) ابن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، أو الأسلمي، أبو يحيى المدني، =
[ ١ / ٣٧٤ ]
عن زيد بن أسلم (^١)، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صلَّى، فليبنِ على اليقين، حتى إذا استيقن أن قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلَّم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، كان شفعًا، وإن كان شفعًا، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" (^٢).
وروى أحمد - ﵀ - (^٣)، وذكره أبو بكر في كتابه قال: سمعت إبراهيم بن [سعد] (^٤) قال: حدثني محمد بن إسحاق (^٥) عن مكحول (٥)، عن كريب (^٦)، عن ابن عباس - ﵄ -: أنه قال لي عمر - ﵁ -: يا غلام! هل
_________________
(١) = ويقال: فليح لقب، واسمه: عبد الملك، قال ابن حجر: (صدوق، كثير الخطأ)، توفي سنة ١٦٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٩٧.
(٢) العدوي، أبو عبد الله المدني، قال ابن حجر: (ثقة، عالم، وكان يرسل)، توفي سنة ١٣٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٢١٠.
(٣) بنحوه أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧١).
(٤) في المسند رقم (١٦٥٦).
(٥) ساقطة من الأصل. وإبراهيم هو: ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق المدني، قال ابن حجر: (ثقة، حجة، تكلم فيه بلا قادح)، توفي سنة ١٨٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٩.
(٦) مضت ترجمته.
(٧) ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، المدني، أبو رشدين، قال ابن حجر: =
[ ١ / ٣٧٥ ]
سمعت رسول الله - ﷺ -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجلُ في صلاة ماذا يصنع؟ قال: فبينا هما كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، قال: فيما أنتما؟ فقال عمر - ﵁ -، سألتُ هذا الغلام: هل سمع من رسول الله - ﷺ -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شكَّ الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلَّى أو ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إذا شك أحدُكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدرِ اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" (^١).
وروى أبو بكر في كتابه بإسناده عن علقمة (^٢) عن عبد الله بن
_________________
(١) = (ثقة)، توفي سنة ٩٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٥١٦.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي، فيشك في الزيادة والنقصان، رقم (٣٩٨)، وابن ماجه في كتاب: إقامة الصلوات، باب: ما جاء فيمن شك في صلاته، فرجع إلى اليقين، رقم (١٢٠٩)، قال ابن حجر: (وهو معلول؛ فإنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب، وقد رواه أحمد في مسنده عن ابن علية عن ابن إسحاق عن مكحول مرسلًا، قال ابن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله، فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا، فقال: لكنه حدثني: أن كريبًا حدثه به، وحسين ضعيف جدًا). ينظر: التلخيص (٢/ ٨٣٦).
(٣) ابن قيس بن عبد الله النخعي، الكوفي، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت، فقيه)، توفي بعد الستين من الهجرة. ينظر: التقريب ص ٤٣٧.
[ ١ / ٣٧٦ ]
مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصوابَ، ثم يسجد سجدتين" (^١)، يعني: للسهو.
فوجه الدلالة من هذه الأخبار: أن النبي - ﷺ - أمر في حديث أبي سعيد، وابن عباس بالبناء على اليقين والسجود، وفي حديث ابن مسعود بالتحري والسجود، ولم يفرق بين أن يكون ذلك في أوله، أو بعد تكرره، فهو على عمومه.
والقياس: أنه شاكٌّ في عدد الركعات، فوجب أن لا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا تكرر منه ذلك، وإن شئت قلت: شك فيما يجب عليه فعلُه في الصلاة، فلا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا شك هل قرأ الفاتحة، وهذا أولى؛ لأنه تأثير لتخصيص عدد الركعات في التعليل (^٢)، وإن شئت قلت: شك في فعل ما أمر به في الصلاة، فوجب أن لا تبطل صلاته، أصله: ما ذكرنا، وهذا أولى من الذي قبله؛ لأن ما يجب فعلُه وما لا يجب فعلُه في مسنونات الصلاة سواء.
فإن قيل: لا يجوز اعتباره بالقراءة؛ لأن الزيادة في القراءة لا تُبطل الصلاة، والزيادة في الركعة وسائر الأفعال تبطل الصلاة.
قيل له: الزيادة في الأفعال إذا تعمدها تُبطل الصلاة، فأما إذا لم
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (٤٠١)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة رقم (٥٧٢).
(٢) هكذا في الأصل.
[ ١ / ٣٧٧ ]
يتعمدها، وعملَها سهوًا، لم تبطل صلاته، وإذا لم يتيقنها، وكان شاكًا هل زاد أم لا؟ فالأصل: أنه ما زاد، فيكون بمنزلة المتيقن أنه لم يزد، فلا يضر ذلك صلاته.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: "دع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ" (^١)، وإذا بنى على اليقين، لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة، فيكون الشك باقيًا من هذا الوجه، وظاهر الخبر يقتضي تركَ الشك من جميع الوجوه، وإذا استقبل، تيقن أنه أدّى (^٢) فرضه من غير زيادة ولا نقصان.
والجواب: أن المراد به: تركُ الشك، والبناء على اليقين، وهو الأخذ بالأقل الذي هو يقين، وقد روينا ذلك في حديث أبي سعيد، وابن عباس - ﵃ - حُمِل الخبر عليه.
واحتج: بما روى أحمد - ﵀ - بإسناده (^٣)، وذكره أبو بكر عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا إغرارَ في صلاةٍ ولا تسليمٍ" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، رقم (٢٥١٨)، وقال: (حديث صحيح)، والنسائي في كتاب: الأشربة، باب: الحث على ترك الشبهات، رقم (٥٧١١)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٤٤).
(٢) في الأصل: إذا.
(٣) في المسند رقم (٩٩٣٧).
(٤) أخرجه أبو داود بلفظ: "لا غرار"، كتاب: الصلاة، باب: رد السلام على =
[ ١ / ٣٧٨ ]
قال أحمد - ﵀ - في رواية ابنيه (^١): سألت أبا عمرو (^٢) عن قوله: "لا إغرارَ في صلاة ولا تسليم"، فأنكرها بالألف.
فوجه الدلالة: أنا لو قلنا: نأخذ بالأقل، لكان قد انصرف منها وهو شاكٌّ فيها، ففيه غرر بها.
والجواب: أن المراد به: أن المصلي لا ينصرف وهو شاكٌّ في نقصانها، هكذا قال أبو عبيد (^٣): "لا غرار في الصلاة"؛ أي: لا نقصان (^٤)، فإذا أخذنا بالأقل، وزاد حتى تيقن التمام، لم يكن شاكًا في النقصان،
_________________
(١) = المصلي، رقم (٩٢٩)، والحاكم في المستدرك، كتاب: الصلاة، باب: التأمين، رقم (٩٧٢)، وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي في التلخيص (١/ ٣٩٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٣١٨).
(٢) مسائل عبد الله رقم (١٨٤١). ولم أقف على رواية صالح في مسائله المطبوعة، وقد ذكر الإمام كلام أبي عمرو في المسند بعد الحديث، قال الإمام أحمد: (معنى "غرار" يقول: لا يخرج منها وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال). المسند (١٦/ ٢٩).
(٣) هو: إسحاق بن مِرار، أبو عمرو الشيباني، الكوفي، قال ابن حجر: (كان نحويًا لغويًا … صدوق)، توفي سنة ٢١٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٧١٧.
(٤) هو: القاسم بن سلّام، أبو عبيد، البغدادي، قال ابن حجر: (الإمام المشهور، ثقة، فاضل)، له: غريب الحديث، توفي سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٠٠.
(٥) ينظر: غريب الحديث (١/ ٢٧٦).
[ ١ / ٣٧٩ ]
وإلى هذا أومأ أحمد - ﵀ - في رواية عبد الله، فقال: لا تخرجْ منها [إلا] وأنت تظن أنها كاملة؛ حتى لا يكون منه شكّ، ويكون على الكمال واليقين (^١).
والذي يدل على أن المراد به: هو النقصان: قولُ النبي - ﷺ - في حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: "حتى يكون الوهم في الزيادة"، رواه أحمد - ﵀ -، وذكره أبو بكر في كتابه، فقال: نا إسماعيل بن إبراهيم (^٢) قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والاثنتين، فليجعلْهما واحدة، وإن شك في الاثنتين والثلاث، فليجعلْها ثنتين؛ حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، ثم يسلِّم" (^٣).
قال محمد (^٤): قال لي حسين المغازلي (^٥): أسند ذلك؟ قال:
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي مسائل عبد الله رقم (١٨٤١): (حتى لا تكون في شك، حتى تكون على …).
(٢) هو: ابن علية، مضت ترجمته.
(٣) مضى الكلام عليه في ص ٣٧٦.
(٤) المراد به: ابن إسحاق.
(٥) هو: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي المدني، قال الذهبي: (قال ابن معين: ضعيف، وقال أحمد: له أشياء منكرة، … وقال النسائي: متروك)، توفي سنة ١٤١ هـ. ينظر: ميزان الاعتدال (١/ ٥٣٧).
[ ١ / ٣٨٠ ]
قلت: لا، [فقال] (^١): لكنه حدثني: أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه عن ابن عباس - ﵄ - قال: جلست إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا ابن عباس! إذا اشتبه على الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص؟ قلت: والله! يا أمير المؤمنين! ما أدري، ما سمعت في ذلك شيئًا. فقال عمر: والله! ما أدري. قال: فبينا نحن على ذلك، إذ جاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا الذي تذكران؟ فقال له عمر - ﵁ -: ذكرنا الرجل يَشُكُّ في صلاته كيف يصنع؟ فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول … هذا الحديث (^٢).
وهذا يدل على أنه المراد بقوله: "لا غرار في الصلاة ولا نقصان".
واحتج: بأنه يمكنه أداء فرضه بيقين، فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن من أمكنه أن يتوجه إلى القبلة، ويؤدي صلاته إليها بيقين، لزمه ذلك، ولا يتحرى، ويصلي إليها على غالب الظن؟ كذلك ها هنا.
والجواب: أنه يبطل بمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ، ويجوز له أن يصلي، وعلى أن المعنى في الأصل: أن المطلوب معنى موجود، وهو الكعبة، فإذا أمكنه الوصول إليها قطعًا ويقينًا، لم يجز الاجتهاد والظن، وليس كذلك في مسألتنا، فإن المطلوب فَعَله وهو شاكٌّ هل فعله أم لا؟ فإذا فعله، كان شاكًا في الزيادة المفسدة
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وهي في المسند، وبها يستقيم الكلام.
(٢) مضى تخريجه (١/ ٣٧٦). وقد ذكره بهذا اللفظ مع ما دار بين ابن إسحاق وحسين المغازلي: الإمام أحمد في مسنده، رقم الحديث (١٦٧٧)، (٣/ ٢١٠).
[ ١ / ٣٨١ ]
لصلاته، والأصل عدمُها، فكان الشك فيما أصله عدمُه غيرَ قادح في صلاته، كالشك في الحدث الذي الأصلُ عدمُه.