نص عليه في رواية حرب (^٢)، فقال: إذا نسي سجدة من صلاته، ثم
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: على العقود.
(٢) ينظر: شرح الزركشي (٢/ ١٢)، والإنصاف (٤/ ٨٣).
[ ١ / ٣٩٩ ]
سلَّم، يقوم فيأتي بركعة وسجدتين، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
والثاني: إذا كان إمامًا، وشك وتحرى، وقلنا: إنه يتحرى، فإنه يسجد بعد السلام، وما عدا ذلك كله قبل السلام، وكان القياس يقتضي أن يكون جميعه قبل السلام:
وقد نص على هذا في مواضع، فقال في رواية ابن بدينا (^١): يصنع كما صنع النبي - ﷺ -، ولولا ما جاء عنه، لكان السجود قبل؛ لأنه من تمام الصلاة، وقال أيضًا في رواية صالح (^٢)، والأثرم (^٣) - واللفظ لصالح -: يُروى عن النبي - ﷺ -: أنه سجد للسهو في خمسة مواضع: موضعان قبل السلام، وثلاثة بعد السلام، فأما بعد التسليم: فهو - إذا شك أن يبني على أكثر ظنه ووهمه - يسجدهما بعد التسليم، وإذا سلم من اثنتين أو ثلاث، يسجدهما بعد التسليم، فهذا رُوي عن النبي - ﷺ -، وأما قبل التسليم، فإن نهض من اثنتين، فلما كان قبل أن يسلم، سجد كأنه لم يتشهد بينهما، ثم سلم، وإذا رجع إلى اليقين، سجد قبل التسليم، والذي نختار بعد هذه المواضع: أن يسجد قبل التسليم؛ لأنه شيء يكمل به صلاته.
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٧). وابن بدينا هو: محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، أبو جعفر الموصلي، حدث عن الإمام أحمد بمسائل كثيرة، توفي سنة ٣٠٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٠)، والمقصد الأرشد (٢/ ٢٨٨).
(٢) في مسائله رقم (١٣٣٨).
(٣) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٦٦)، والمغني (٢/ ٤١٥).
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال أيضًا في رواية صالح (^١)، وأبي طالب (^٢): مالك - ﵀ - (^٣) يقول: ما كان من نقصان، فهو قبل، وما كان من زيادة، فهو بعد، وهذا خلاف قول النبي - ﷺ -: "إذا شك أحدكم في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثًا، ويسجد قبل" (^٤)، فقد أمره أن يدع الرابعة، وهي زيادة، ويسجد قبل.
وقال أيضًا في رواية أبي داود (^٥)، وحرب (^٦): إذا صلى خمسًا أو ستًا، سجد قبل السلام. فقد نص على ما ذكرنا قبل السلام إلا في موضعين.
وروي عنه: إن كان للزيادة، فبعد السلام، وإن كان للنقصان، فقبله (^٧).
وروى عنه الحسن بن علي - ﵄ - (^٨)، فقال: العمل عندنا في سجود
_________________
(١) في مسائله رقم (٩٨٩).
(٢) لم أقف عليها.
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٣٦)، وبداية المجتهد (١/ ٢٦٥).
(٤) مضى تخريجه في (١/ ٣٧٧).
(٥) في مسائله رقم (٣٧٠).
(٦) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٨).
(٧) نقلها الحسن بن زياد. ينظر: الانتصار (٢/ ٣٦٧).
(٨) أي: عن الإمام أحمد. ينظر: الروايتين (١/ ١٤٧). والحسن بن علي قد يراد به: ابن الحسن بن علي الإسكافي، أبو علي، قال عنه الخلال: (جليل القدر). =
[ ١ / ٤٠١ ]
السهو على حديث النبي - ﷺ -: قبل السلام في النقصان، وبعد السلام في الزيادة.
وقال أيضًا في رواية ابن منصور (^١): فيمن صلى الظهر خمسًا: يسجد سجدتين بعد ما يسلم. وبهذه الرواية قال مالك - ﵀ - (^٢).
وقال أبو حنيفة (^٣)، وداود (^٤): يسجد للسهو بعد السلام في جميعه.
وقال الشافعي - ﵀ -: يسجد للسهو قبل السلام في جميعه (^٥).
وذكره أبو بكر النجاد في كتابه قال: وفي كتاب الساجي (^٦): قال أبو
_________________
(١) = أو: ابن محمد بن بحر القطان، قال عنه الخلال: (شيخ جليل). أو: الأُشنائي البغدادي، فهؤلاء كلهم ممن روى عن الإمام أحمد، ولا مزيد يذكر في ترجمتهم. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٦٤ و٣٦٥ و٣٦٦)، والمقصد الأرشد (١/ ٣٢٧ و٣٢٨).
(٢) في مسائله رقم (٣٥٥).
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٣٤)، والإشراف (١/ ٢٧٥).
(٤) ينظر: الحجة (١/ ١٥١)، ومختصر القدوري ص ٨٧.
(٥) ينظر: المحلى (٤/ ١١٠).
(٦) ينظر: الحاوي (٢/ ٢١٤)، والبيان (٢/ ٣٤٦).
(٧) هو: زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الضبي البصري، أبو يحيى الشافعي، قال الذهبي عنه: (الإمام الثبت الحافظ)، له من المصنفات: اختلاف العلماء، وعلل الحديث، توفي سنة ٣٠٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٧).
[ ١ / ٤٠٢ ]
العباس النسائي (^١): رأيت أحمد بن حنبل - ﵀ - يقول: سجدتا السهو قبل السلام، زيادة كان أو نقصانًا (^٢)، مثل قول الشافعي - ﵀ - (^٣).
فالدلالة على أنه يسجد قبل السلام فيما عدا الموضعين: ما روى أحمد (^٤)، [و] (^٥) ذكره أبو بكر قال: نا سفيان (^٦) عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاةً نظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين (^٧).
_________________
(١) جاء في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤٧): (محمد بن العباس النسائي، نقل عن إمامنا أشياء) ا. هـ، وذكره أبو يعلى في الروايتين بهذا الاسم. ينظر: الروايتين (١/ ٣٤٧).
(٢) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٦٧).
(٣) ينظر: المحلى (٤/ ١١٠).
(٤) في المسند رقم (٢٢٩٢٠).
(٥) في الأصل بدون واو، وطريقة المؤلف فيما مضى ذكر الواو.
(٦) هو: ابن عيينة بن أبي عمران، أبو محمد الهلالي الكوفي، ثم المكي، قال الذهبي عنه: (الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام)، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤).
(٧) بنحوه أخرجه البخاري في كتاب: السهو، باب: ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، رقم (١٢٢٤)، ومسلم كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له رقم (٥٧٠).
[ ١ / ٤٠٣ ]
وروى أحمد - ﵀ - (^١) قال: نا عبد الرزاق (^٢) قال: نا معمر (^٣) عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشاء، فقام في ركعتين، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم، فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم (^٤).
وروى أحمد - ﵀ - في المسند (^٥) قال: نا محمد بن فضيل (^٦) قال:
_________________
(١) في المسند عدة أحاديث، لكن لم أجده بهذا الإسناد، والمتن الذي ذكره المؤلف لم أجده، لكن روى الإمام أحمد عدة أحاديث مقاربة في المسند برقم (٢٢٩٢٩)، (٢٢٩٣٠)، (٢٢٩٣٢).
(٢) ابن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، قال ابن حجر: (ثقة حافظ)، توفي سنة ٢١١ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٨٢.
(٣) ابن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٥٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٠٣.
(٤) بنحوه أخرجه البخاري في كتاب: السهو، باب: من لم ير التشهد الأول واجبًا، وباب: ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، رقم (٨٢٩ و١٢٢٤)، ومسلم كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧٠).
(٥) رقم (٢٢٩١٩).
(٦) ابن غزوان، الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، قال ابن حجر: (صدوق)، توفي سنة ١٩٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٦٠.
[ ١ / ٤٠٤ ]
نا يحيى بن سعيد (^١) عن عبد الرحمن الأعرج: أن ابن بحينة أخبره: أن رسول الله - ﷺ - قام في الثنتين من الظهر، نسي الجلوس، حتى إذا فرغ من صلاته إلى أن يسلم، سجد سجدتين، ثم ختم بالتسليم (^٢). وهذا نص.
فإن قيل له (^٣): الذي رواه أحمد من طريقين: (فلما كان في آخر صلاته، سجد قبل السلام)، وفي لفظ آخر: (فلما كان قبل أن يسلم، سجد)، وهذا يسقط ما قالوه.
وعلى أن قوله: (فلما قضى صلاته) أراد به: قضى صلاته غير التسليم؛ لأنه أخبر أنهم انتظروا تسليمه، ولا يجوز أن يكون سلم وهم ينتظرون تسليمه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قد أدرك النبي - ﷺ - في سجود السهو، فرآه تشهد بعد سجود السهو، فظنه أنه سجد قبل السلام، فأخبر بذلك.
قيل له: هذا لا يجوز؛ لأن ابن بحينة يقول: صلى رسول الله - ﷺ - (صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين).
_________________
(١) ابن قيس الأنصاري، المدني، أبو سعيد القاضي، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٤٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٦١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: السهو، باب: من لم ير التشهد الأول واجبًا، وباب: التشهد في الأولى، رقم (٨٢٩ و٨٣٠)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧٠).
(٣) كذا في الأصل، ولعل (فإن) زائدة؛ لدلالة ما بعدها من الاعتراض.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وفي اللفظ الآخر: (فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي أنه كان قد دخل معه في أول صلاة، وأدرك جميعًا (^١)، فلم يصح حمله على ما قالوه.
فإن قيل: يحتمل أنه سجد قبل التسليمة الثانية.
قيل له: قوله: (انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي السلام الأول؛ لأنه هو المنتظر؛ ولأن قوله: (سجد قبل أن يسلم)، يقتضي جنس التسليم؛ لأن الألف واللام تقتضي الجنس.
وروى أحمد - ﵀ - في المسند قال: نا يونس بن محمد قال: نا فليح عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كَمْ صلَّى؟ فليبن على اليقين، حتى إذا استيقن أنه قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، صارت شفعًا، [وإن كانت شفعًا]، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" (^٢)، وهذا نص.
وروى أحمد - ﵀ - في المسند، قال: نا إبراهيم بن سعد قال: حدثني محمد بن إسحاق عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس - ﵄ -: أنه قال له عمر: يا غلام! هل سمعت من رسول الله - ﷺ -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، ماذا يصنع؟ قال: فبينما [نحن]
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: أدركها جميعًا.
(٢) مضى تخريجه (١/ ٣٧٥).
[ ١ / ٤٠٦ ]
كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف - ﵃ أجمعين - قال: فيما أنتما؟ فقال عمر - ﵁ -: سألت هذا الغلام: هل سمعَ من رسول الله - ﷺ -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إذا شك أحدُهم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" (^١).
وروى أحمد - ﵀ -، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما (^٢) واحدة، فإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين (^٣) حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم" (^٤).
وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده (^٥) عن أبي هريرة - ﵁ -: أن
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٣٧٦).
(٢) في الأصل: فيجعلها، والتصويب من المسند رقم (١٦٧٧).
(٣) في الأصل: اثنتين، والتصويب من المسند رقم (١٦٧٧).
(٤) مضى تخريجه في (١/ ٣٧٦).
(٥) في سننه، باب: صفة السهو في الصلاة رقم (١٤٠٣).
[ ١ / ٤٠٧ ]
رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص؟ فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" (^١).
وروى أيضًا بإسناده (^٢) عن محمد بن يوسف (^٣) - مولى عثمان - عن أبيه (^٤): أنه قال: صلى بهم معاوية - ﵁ -، فقام في الركعتين وعليه الجلوسُ، فسبح الناس به، فأبى أن يجلس حتى جلس للتسليم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله - ﷺ - يصلي (^٥).
وهذا يدل على أنه آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -؛ لأن رواية معاوية متأخرة. والقياس: أنه نوع سجود عرض سببه في الصلاة، فوجب أن يكون قبل السلام، دليله: سجود التلاوة، ولا يلزم عليه إذا سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو تحرى؛ لأن التعليل للنوع، فلا يلزم عليه الأحوال.
_________________
(١) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب: السهو، باب: السهو في الفرض والتطوع، رقم (١٢٣٢)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٣٨٩).
(٢) في السنن، باب: صفة السهو في الصلاة رقم (١٤٠٧).
(٣) القرشي، المدني، قال أبو حاتم: (ثقة). ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٧٤٠).
(٤) يوسف القرشي الأموي، المدني، قال ابن حجر: (مقبول). ينظر: التقريب ص ٦٨٦.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده رقم (١٦٩١٧)، والنسائي في كتاب: السهو، باب: ما يفعل من نسي شيئًا من صلاته، رقم (١٢٦٠)، وأشار إليه أبو داود في سننه في كتاب: الصلاة، باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود رقم (١٩١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
فإن قيل: لو كان بمنزلة سجود التلاوة، لوجب أن يُفعل عقيب سببه؛ لأنه يتداخل، ولا يجوز أن يفرد كل سجود بسجدتين، فأُخِّر إلى كل آخر الصلاة (^١)؛ ليجمع السهو كله، وليس كذلك سجود الصلاة؛ فإنه لا يتداخل، والمستحب إذا تلا آيات السجود: أن يقرأ كل واحدة منها بسجدة، فلم يؤخر السجود إلى آخر القراءة.
فإن قيل: فقد يمكن أن يسهو قبل السلام، فكان يجب تأخيره عن السلام.
قيل له: هذا أقصى ما يمكن التأخير؛ لأن السلام يخرج به من الصلاة، وهذا السجود ينبغي أن يكون مفعولًا في التحريمة؛ لأن هذا السجود عندهم يفعله في التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام؛ قياسًا على سائر أفعال الصلاة، وكما لو ذكر أنه نسي سجدة من صلاته، وهو جالس في التشهد، فإنه يسجد ويسلم، والذي يدل على أنه يُفعل في التحريمة: أن عندهم: سلّم، ثم سجد، فطلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح، بطلت صلاته، أو كان متيممًا، فوجد الماء في هذه الحال، أو دخل وقت العصر وهم في صلاة الجمعة، بطلت الصلاة، فدل بها على أنه عاد إلى التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام، وبهذا قالوا: لو تكلم، لم يسجد؛ لأن الكلام يقطع حكم التحريمة.
فإن قيل: المعنى في سجود التلاوة، وفي سائر موجبات التحريمة:
_________________
(١) هكذا في الأصل، والأقرب: كل آخر صلاة.
[ ١ / ٤٠٩ ]
أن جميعها يُفعل قبل السلام.
قيل: لا يمتنع أن يُفعل بعضه في الصلاة، وبعضه خارجًا منها، كالصوم عن دم التمتع: بعضُه في الحج، وهو صوم الثلاثة، وبعضه خارج الحج؛ وهو صوم السبعة.
وقد قيل: بأن هذا السجود لإصلاح الصلاة، فيجب أن يكون قبل الخروج منها؛ قياسًا على ما ذكرنا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون لإصلاحها، ويفعل خارجًا منها؛ كالجبران في الحج.
قيل له: موجبات تحريمة الحج يجوز خارج التحريمة، كذلك جبراناته، ولا يجوز موجبات تحريمة الصلاة خارج الصلاة، كذلك جبراناتها، وفي هذا ضعف؛ لأن موجبات تحريمة الحج إنما تأخرت عن تحريمته؛ لأن وقته لم يدخل، فأما وقت الجبران، فموجود، وقد جاز تأخره، وقد كان القياس يقتضي أن يفعله في الموضعين قبل السلام، ولكن تركنا القياس في ذلك؛ لما نذكره.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - ﵀ -، وذكره أبو بكر قال: نا ابن أبي عدي عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "صلى النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشاء، فذكرها أبو هريرة، وحدثنا محمد قال: "فصلى ركعتين ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد"، وذكر الخبر بطوله، قال: "فصلى الذي كان ترك، ثم سلّم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطولَ، ثم
[ ١ / ٤١٠ ]
رفع رأسه وكبر" (^١).
وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه (^٢) فقال: ثنا ابن سلم (^٣) قال: نا [ابن] (^٤) عبد الخالق (^٥) قال: نا أبو بكر (^٦) قال: نا أبو عبد الله (^٧) [قال: نا] (^٨) إسماعيل بن إبراهيم قال: نا خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ٢٠١).
(٢) لعله يقصد كتابه: الجامع في المذهب، فقد ذكر ابن أبي يعلى في الطبقات أنه يقع في أربع مئة جزء. ينظر: الطبقات (٣/ ٣٠٩).
(٣) هو: أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الخُتَّلي، أحد شيوخ ابن حامد، قال الذهبي عنه: (الحجة، … أحد علماء بغداد)، توفي سنة ٣٦٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٨٢).
(٤) ساقط من المخطوط؛ لأن ابن سلم يروي عن ابن عبد الخالق، والأخير يروي عن أبي بكر المروذي.
(٥) هو: أحمد بن محمد بن عبد الخالق، أبو بكر الوراق، قال الخطيب البغدادي: (كان ثقة، معروفًا بالخير والصلاح)، توفي سنة ٣٠٩ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ٥٦).
(٦) هو: أبو بكر المروذي، مضت ترجمته، علمًا أن ابن عبد الخالق قد روى عن المروذي كتاب الورع، وغيره، قال ابن أبي يعلى في الطبقات (٣/ ٣١٢) في ترجمة ابن حامد نقلًا عنه أنه قال: (وأما المروذي، فقرأتُه على أحمد بن سلم، قال: حدثنا ابن عبد الخالق، عن المروذي عنه).
(٧) يعني: الإمام أحمد - ﵀ -، وهو في المسند رقم (١٩٨٢٨).
(٨) ساقطة من الأصل، يدل لذلك ما مضى ص ٢٠١، وإسماعيل هو: أبو بشر المعروف بابن علية.
[ ١ / ٤١١ ]
المهلب، عن عمران بن حصين - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فقال: "أصدق هذا؟ "، قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين (^١).
والجواب: أنا نقول بموجب هذه الأخبار؛ لأنها واردة ممن سلَّم ساهيًا، وقد بينا أن ذلك يسجد له بعد السلام.
واحتج: بما روى أبو بكر الأثرم في كتابه، قال: نا أبو بكر (^٢) قال: نا محمد بن المنهال (^٣) قال: نا يزيد بن زُريع (^٤) قال: نا روح بن القاسم (^٥) عن منصور بن المعتمر (^٦)،
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٢٠٢).
(٢) الذي ظهر لي: أنه الأثرم، وأنّ (نا) المفيدة للتحديث زائدة من النساخ، فتكون هكذا: قال أبو بكر: نا محمد …، فأبو بكر الأثرم من الرواة عن محمد بن المنهال كما تجده في ترجمة محمد بن المنهال. ينظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٥٠٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٣).
(٣) الضرير، أبو عبد الله البصري، التميمي، قال ابن حجر: (ثقة حافظ)، توفي سنة ٢٣١ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٦٨.
(٤) البصري، أبو معاوية، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٨٢ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٧٣.
(٥) التميمي العنبري، أبو غياث، البصري، قال ابن حجر: (ثقة حافظ)، توفي سنة ١٤١ هـ. ينظر: التقريب ص ١٩٩.
(٦) ابن عبد الله السلمي، أبو عتاب، الكوفي، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، =
[ ١ / ٤١٢ ]
عن إبراهيم (^١)، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة -[لا أدري] زادَ فيها أم نقص -، فلما قضى صلاته، قلنا: يا رسول الله! أزيد في الصلاة شيء؟ قال: "ما ذاك؟ "، قال: صليت بنا كذا كذا، فثنى رجله، فسجد سجدتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنما أنا بشر مثلكم، فإذا نسيت، فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاة، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين بعد ذلك" (^٢).
ورواه أبو بكر أيضًا في كتابه بإسناده بهذا اللفظ، والدارقطني (^٣).
وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علقمة: أن عبد الله سجد سجدتي السهو بعد السلام، وذكر أن النبي - ﷺ - فعله (^٤).
_________________
(١) = توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: التقريب ص ٦١٢.
(٢) النخعي، مضت ترجمته.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (٤٠١)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة، رقم (٥٧٢).
(٤) في سننه، باب: البناء على غالب الظن، رقم (١٤٠٨).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٤٧٥)، وابن ماجه في كتاب: إقامة الصلوات، باب: ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام، رقم (١٢١٨)، والدارقطني باب: سجود السهو بعد السلام، رقم (١٤١١)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه بعد إيراده للأثر.
[ ١ / ٤١٣ ]
والجواب: أنا نقول أيضًا بظاهر الخبر؛ لأنه وارد في التحري، وقد بينا أنه إذا تحرى، بنى على غالب ظنه، سجد بعد السلام.
واحتج: بما روى أحمد - ﵀ - (^١)، [و] ذكره شيخنا في كتابه قال: نا الحكم بن نافع (^٢) عن إسماعيل بن عياش (^٣)، عن عبيد الله بن عُبيدٍ الكَلَاعي (^٤)، عن زهير (^٥)، عن عبد الرحمن بن جبير (٦)، عن أبيه جُبير (^٦) بن نُفير (^٧)، عن ثوبان - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتان
_________________
(١) في المسند رقم (٢٢٤١٧).
(٢) البَهْراني، أبو اليمان الحمصي، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ٢٢٢ هـ. ينظر: التقريب ص ١٦٠.
(٣) في الأصل: عن ابن عباس، والتصويب من المسند، وابن عياش مضت ترجمته.
(٤) في الأصل: عبد الله، والتصويب من المسند. وعبيد الله هو: ابن عبيد، أبو وهب الكَلَاعي، قال ابن حجر: (صدوق)، توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٠٦.
(٥) في الأصل: سهيل، والتصويب من المسند، وزهير هو: ابن سالم العنسي، أبو المخارق، الشامي، قال ابن حجر: (صدوق فيه لين، وكان يرسل). ينظر: التقريب ص ٢٠٥.
(٦) في الأصل: جرير، وهو تصحيف من جبير. وعبد الرحمن هو: ابن جبير بن نفير، الحضرمي، الحمصي، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي سنة ١١٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٥٨.
(٧) ابن مالك بن عامر الحضرمي، الحمصي، قال ابن حجر: (ثقة جليل)، =
[ ١ / ٤١٤ ]
بعد ما يسلِّم" (^١).
وروى أحمد - ﵀ - أيضًا في المسند (^٢) قال: نا حجاج (^٣) قال: نا ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع (^٤): أن مصعب بن شيبة (^٥) أخبره عن عقبة بن محمد بن الحارث (^٦)، عن عبد الله بن جعفر - ﵄ -:
_________________
(١) = توفي سنة ٨٠ هـ. ينظر: التقريب ص ١١٤.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس، رقم (١٠٣٨)، وابن ماجه في كتاب: إقامة الصلوات، باب: ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام، رقم (١٢١٩)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب من قال: يسجدهما بعد التسليم، رقم (٣٨٢٢)، وقال: (إسناد فيه ضعف)، وقال في معرفة السنن (٣/ ٢٧٨): (تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بالقوي)، وأشار لضعفه ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٥٤).
(٣) رقم (١٧٥١).
(٤) ابن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، قال ابن حجر: (ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره)، توفي سنة ٢٠٦ هـ. ينظر: التقريب ص ١٣٤.
(٥) ابن عبد الله بن شيبة بن عثمان العبْدري، المكي، توفي سنة ٩٩ هـ، لم أجد من تكلم فيه بقدح ولا بمدح. ينظر: تهذيب الكمال (١٦/ ١١٩)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٣١).
(٦) ابن جبير بن شيبة بن عثمان العبْدري، المكي، الحَجَبي، قال ابن حجر: (ليّن الحديث). ينظر: التقريب ص ٥٩٤.
(٧) في الأصل: الحرب، والتصويب من المسند. وعقبة الأرجح أنه: عتبة بن محمد بن الحارث بن نوفل الهاشمي، قال =
[ ١ / ٤١٥ ]
أن رسول الله - ﷺ - قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلِّم" (^١).
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى؛ بدليل: ما ذكرنا من الأخبار.
واحتج: بأنه سجود ليس من مقتضى التحريمة، فوجب أن يفعل بعد السلام؛ كتكبيرات التشريق، والتلبية، وسجدة منذورة، ولا يلزم عليه سجود التلاوة؛ لأن التلاوة من مقتضى التحريمة، والسجود من مقتضاها، فهو مما اقتضاه مقتضى التحريمة.
والجواب: أن المعنى في الأصل: يجب فعله في التحريمة، فلهذا كان خارج الصلاة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يجب فعله في التحريمة من الوجه الذي ذكرنا، فكان قبل السلام كسائر الأفعال؛ ولأن هذا - وإن لم يكن من مقتضى التحريمة -، فهو إصلاح للتحريمة، وجبران للنقص الواقع فيها، فوجب أن يكون في التحريمة كما يكون مقتضى التحريمة.
واحتج: بأن السلام من موجب التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا
_________________
(١) = ابن حجر: (مقبول). ينظر: التقريب ص ٤١٦.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب. الصلاة، باب: من قال: بعد التسليم، رقم (١٠٣٣)، والنسائي في كتاب: السهو، باب: التحري رقم (١٢٤٨)، قال البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٧٦): (هذا الإسناد لا بأس به)، وذهب بعض أهل العلم إلى تضعيفه؛ كأبي بكر الأثرم إذ قال: (إنه لا يثبت). ينظر: التحقيق لابن الجوزي (٣/ ٢٤٩)، والتنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٣٥٤).
[ ١ / ٤١٦ ]
على سجود السهو، دليله: سائر موجبات التحريمة.
والجواب: أن السلام ليس من موجبات التحريمة؛ لأنه ينافيها ويضادها، فلا يجوز أن (^١) تقتضي ما يضادها، وإذا كان كذلك، فالوصف غير صحيح، وعلى أن سائر الأفعال لا يخرج بها من التحريمة، وليس كذلك التسليم؛ فإنه يخرج به من التحريمة، كما نقول: إذا كان عليه شيء من موجبات التحريمة، ثم نقابل هذا بمثله، فنقول: السجود يُؤدى في التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا على السلام من سائر أفعال الصلاة.
واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله بعد السلام، دليله: إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى وبنى على غالب ظنه: أنه يسجد له بعد السلام، كذلك في بقية السجود.
والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه؛ لأن حديث أبي هريرة وعمران - ﵄ - يقتضي إذا سلم من نقصان، سجد بعد السلام، وحديث أبي سعيد - ﵁ -: أنه يسجد قبل السلام، إذا بنى على اليقين، فقياس أحدهما على الآخر يقتضي إسقاط أحدهما، وعلى أنه لا يمتنع أن يختلف محله باختلاف سببه؛ كما أن صوم السبعة عن دم المتمتع يفعل بعد التحلل، وصوم الإحصار والحلق يفعل قبل التحلل.