نص على هذا في مواضع، فقال في رواية صالح (^٢): الدم في الثوب أسهلُ من البول، وقال في رواية عبد الله (^٣): إذا كان يصلي، فرأى في ثوبه بولًا؟ فقال: أما البول والغائط، فإنه يعيد من قليله وكثيره، وقال أيضًا في رواية جعفر بن محمد (^٤)، وحنبل (٤): في الدم إذا فحش: أعاد، ولم يوقت فيه شيئًا، وبهذا قال مالك - ﵀ - (^٥).
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٧٢)، والانتصار (٢/ ٤٦٥).
(٢) في مسائله رقم (١٣٢٩).
(٣) في مسائله رقم (٢٩٥).
(٤) لم أقف عليها، وبنحوها جاء في مسائل عبد الله رقم (٢٨٩)، ومسائل الكوسج (٩٥)، ومسائل ابن هانئ رقم (٣٦)، ومسائل أبي داود رقم (٩٩ و١٠٠) والروايتين (١/ ٨٦ و١٥٢)، والمغني (١/ ٢٤٩)، وطبقات الحنابلة (١/ ٢٠٨).
(٥) ينظر: المدونة (١/ ٢٠ و٣٤)، والمعونة (١/ ١١٨).
[ ١ / ٥١٨ ]
وقال أبو حنيفة [﵀] (^١): تجوز الصلاة مع قدر الدرهم من سائر النجاسات (^٢).
وقال الشافعي - ﵀ -: لا تجوز الصلاة مع شيء منها إلا يسير دم البراغيث (^٣). واختلف أصحابه في كثيره (^٤)، وأما غير دم البراغيث، فقال في الإملاء (^٥): قليله وكثيره سواء، وقال في الأم (^٦) - وذكره المزني (^٧) -: يعفى عن قليله، وهو الذي يتعافاه، وقال في القديم: عما دون الكف، والقيح بمنزلة الدم (^٨).
فالدلالة: على أنه لا يعفى عن غير الدم: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، فوجب بحق الظاهر تطهير هذا الثوب من هذا
_________________
(١) ليست موجودة في الأصل.
(٢) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٣١، ومختصر القدوري ص ٦٠.
(٣) ينظر: الأم (٢/ ١١٨)، والبيان (٢/ ٩١).
(٤) ينظر: نهاية المطلب (٢/ ٢٩٢).
(٥) ينظر: معرفة السنن والآثار (٣/ ٣٥٦)، والمهذب (١/ ٢٠٥). والإملاء: (من كتب الشافعي الجديدة بلا خلاف)، قاله النووي في تهذيب الأسماء (٣/ ٣٢٠).
(٦) (٢/ ١١٨)، والحاوي (١/ ٢٩٥).
(٧) في مختصره ص ٣١.
(٨) ينظر: نهاية المطلب (٢/ ٢٩٢)، وحلية العلماء (١/ ١٥٩)، وروضة الطالبين (١/ ٢٨٠).
[ ١ / ٥١٩ ]
القدر من النجاسة.
وأيضًا: روي عن ابن عباس - ﵄ -، وأبي هريرة (^١)، وأنس بن مالك - ﵃ -، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب أهل القبر منه" (^٢)، ولم يقدره بمقدار، فهو على عمومه.
فإن قيل: المقصود بالآية، والخبر: الأمرُ بالتجنب في الجملة، وليس المراد به المقدار.
قيل: الأمر اقتضى التجنب فيما يسمى رجسًا، وبولًا، فهو عام في جميع ما يسمى بذلك، إلا ما خصه الدليل.
والقياس: أنها نجاسة مقدورٌ على إزالتها؛ قياسًا على ما زاد على قدر الدرهم، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يلحق المشقة في إزالته؛
_________________
(١) في الأصل: أبو هريرة.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه، باب: نجاسة البول، والتنزه منه، رقم (٤٥٩ و٤٦٤ و٤٦٦)، وقال عن حديث أنس - ﵁ -: (والمحفوظ المرسل)، وهو قول أبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ينظر: العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٤٧)، وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -: فقال الألباني عنه: (وهذا سند رجاله ثقات غير محمد بن الصباح)، ينظر: إرواء الغليل (١/ ٣١١)، وأما حديث ابن عباس - ﵄ -، ففي إسناده أبو يحيى القتات، في حديثه ضعف، وحسّن إسناد الحديث ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٨٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٠٢)، قال ابن الملقن عن الحديث: (هذا الحديث صحيح، وله طرق كثيرات بألفاظ مختلفات، وفي المعنى متفقات). ينظر: البدر المنير (٢/ ٣٢٣).
[ ١ / ٥٢٠ ]
لأنه يخرج من بدن الإنسان بالجمِّ (^١) في البثْر (^٢)، والجَرَب (^٣)، والدُّمَّل (^٤)، وغير ذلك، ولا يلزم عليه أثرُ الاستحاضة؛ لأنه أيضًا يلحق المشقة في إزالته، ولأن ما لا يعفى عنه إذا زاد على قدر الدرهم، لا يعفى عنه إذا كان قدر الدرهم؛ قياسًا على الحدث، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يعفى عما زاد على قدر الدرهم، فعفي عن قدر الدرهم، وذلك أن الرواية اختلفت عنه في يسير الدم، هل هو محدود؟ فقال في رواية الأثرم (^٥)، وخطّاب بن بشر (^٦): لا أحدّه (٥)، فعلى هذا: ترجع فيه إلى ما يتعافاه
_________________
(١) الجم، والجمم: الكثير من كل شيء. ينظر: لسان العرب (جمم). وقد يكون صواب اللفظ (بالحك)، لا كما في أصل المخطوط (بالجم)، يدل لذلك ما في ص ٥٢٧.
(٢) البثر: خرّاج صغار، وخص بعضهم به الوجه. ينظر: اللسان (بثر).
(٣) قال ابن منظور: (الجرب: معروف، بثر يعلو أبدان الناس والإبل). ينظر: اللسان (جرب).
(٤) الدّمل: واحد دماميل: القروح، والدمل: الخراج، على التفاؤل بصلاحه واندماله. اللسان (دمل).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ٨٦).
(٦) ابن مطر، أبو عمر البغدادي، له مسائل حسان عن الإمام أحمد - ﵀ -، قال الخلال: (كان رجلًا صالحًا)، توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٦)، والمقصد الأرشد (١/ ٣٧٤). تنبيه: في كتاب الروايتين (١/ ٨٦) تصحف اسمه إلى (حطان بن بشير)، ولم أجد أحدًا من أصحاب الإمام أحمد يحمل هذا الاسم.
[ ١ / ٥٢١ ]
الناس، ولا يتقدَّر بدرهم.
وروى عنه ابن منصور (^١)، وأحمد بن علي (^٢)، وإسماعيل بن سعيد (^٣): حدَّه شبرًا في شبر، فعلى هذا لا يلزم؛ لأنه لما عُفي عما زاد على قدر الدرهم، عُفي عن قدر الدرهم.
واحتج المخالف: بأنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم، فوجب أن تكون معفوًا عنها، دليله: أثر الاستنجاء، وقليل الدم.
والجواب عنه: ما تقدم من أن ذلك تلحق المشقة في إزالته.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد - ﵀ - في رواية أبي طالب (^٤): في الرجل يكون في المسجد، فيصيبه بول الخشَّاف (^٥)، فقال: أرجو
_________________
(١) في مسائله رقم (٩٥) و(٢٨٣).
(٢) ينظر: سنن الأثرم رقم (١٢٥)، الروايتين (١/ ٨٦). وأحمد بن علي هو: إما ابن سعيد، أبو بكر، ولي قضاء حمص، وحدث فيها عن الإمام أحمد - ﵀ -. أو ابن مسلم، أبو العباس النخشبي، المعروف بـ (الأبّار)، له مسائل عديدة عن الإمام أحمد - ﵀ -، توفي سنة ٢٩٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٢٦ و١٢٧)، والمقصد الأرشد (١/ ١٤٢).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ٨٦).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٥١)، وطبقات الحنابلة (١/ ٨٣).
(٥) هو: الخفاش، والخَشَفان: الجولان بالليل، ولأجله سُمِّي الخشاف به. ينظر: لسان العرب (خشف).
[ ١ / ٥٢٢ ]
أن لا يضر، وإن كان كثيرًا، غسل. وقال أيضًا في رواية إبراهيم بن عبد الله بن مهران الدينوري (^١): في لعاب الحمار والبغل: إن كان كثيرًا، لا يعجبني. وقال أيضًا في رواية الميموني (^٢): في القَلس إذا ملأ الفم. وقال أيضًا في رواية أبي طالب (^٣): في النبيذ إذا كان قليلًا: لم يعد. وقال أيضًا في رواية صالح (^٤): في المذي والودي إذا فحش: أعاد.
وهذا كله يدل على العفو عن يسير النجاسة غير الدم، وإن لم تلحق المشقة في إزالتها.
قيل له: قد نص في هذه المسائل على خلاف ذلك، وهو الصحيح عنه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (^٥) - وقد سئل عن بول الخشاف -، فقال: الذي أذهب إليه: أن كل ما أكل لحمُه، فلا بأس ببوله.
وهذا يقتضي أنه لا يُعفى عن يسيره.
وقال أيضًا
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٢)، وطبقات الحنابلة (١/ ٢٤٦). وإبراهيم: لا مزيد في اسمه على ما ذكر المؤلف، نقل عن الإمام أحمد - ﵀ - بعض المسائل، لم أقف على تأريخ وفاته. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٤٦)، والمقصد الأرشد (١/ ٢٢٥).
(٢) أي: أنه يعفى عن يسيره. ينظر: الروايتين (١/ ١٥٢).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٢).
(٤) في مسائله رقم (١٣٢٩).
(٥) في مسائله رقم (١٤١).
[ ١ / ٥٢٣ ]
في رواية عبد الله (^١): في لعاب الحمار وعرقه يصيب الثوب؟ أكرهه، وهو رجس، أو نجس. وقال أيضًا في رواية أبي داود (^٢): في القلس: هو مثل ما خرج من السبيلين. وقال في رواية حنبل (^٣): في قطرة مسكر: من أقامه مقام الخمر، أنزله هذه المسألة.
وقال في رواية الحسن بن الحسين (^٤): في المذي يصيب الثوب: يُغسل، ليس في القلب منه شيء.
وهذا كله يدل على أنه لا يعفى عن يسير شيء من ذلك؛ للمعنى الذي ذكرنا، وعلى أنه قد فرّق بين يسير هذه النجاسات، وبين البول، والعذرة، والخمر.
فقيل: في بول الخشاف، هو في المساجد من لدن النبي - ﷺ -، فلولا أنه معفو عنه، لم يقرره فيه، وقيل: في لعاب الحمار، والبغل: هو مختلف في تنجيسه، فجاز العفو عن يسيره، وكذلك يسير النبيذ، وكذلك يسير المذي؛ لأنه جزء من مني، والمني طاهر.
_________________
(١) في مسائله رقم (٢٧).
(٢) في مسائله رقم (١٠٣).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٢).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٣)، وطبقات الحنابلة (١/ ٣٥٢). والحسن، لا مزيد في اسمه على ما ذكره المؤلف، نقل عن الإمام أحمد أشياء، ولم أقف على تاريخ وفاته. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٢)، والمقصد الأرشد (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٥٢٤ ]